الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 139، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع الفرق الدقيق لغويًا وشرعيًا بين قول "ما شاء الله وشاء فلان" الممنوع لكونه يسوي بين الله والمخلوق، وقول "ما شاء الله ثم شاء فلان" الجائز لترتيبه المشيئتين. ويستدل بحديث حذيفة وأثر إبراهيم النخعي في "أعوذ بالله ثم بك"، مبينًا منهج الدعوة في سد باب المنكر وفتح باب المشروع.
يبيّن المقطع جواز الاستعاذة بالمخلوق الحي القادر الحاضر باستخدام "ثم" دون "الواو" تفاديًا للتسوية بالله، ويمنعها في الميت أو الغائب العاجز. وينقل عن ابن عثيمين قاعدة التيسير الشرعي بفتح أبواب الجواز عند سد المحرم، ويخلص إلى أن تفسير الصحابة للأنداد بالشرك الخفي مثال لا حصر، فالآية تعم كل شرك أكبر وأصغر.
يبيّن المقطع أنواع الشرك الأصغر المتعلقة بالحلف بغير الله والألفاظ التي تُساوي بين الله والمخلوق، موضحًا أن الحلف بغير الله شرك أصغر إلا إذا عظّم المحلوف به فوق الله فيصير أكبر. كما يفرّق بين "الواو" التي تفيد المساواة فتكون شركًا، و"ثم" التي تفيد الترتيب فلا تكون شركًا، مؤكدًا على وجوب تعلم المسلم لها لتجنب الوقوع فيها.
أعلن المتحدث انتهاء الباب الحالي، وأشار إلى أن الدرس القادم سيبدأ بباب جديد بعنوان: باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله. وظهر في النص ذكر ترجمة نانسي قنقر مرتين كخاتمة للجلسة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فتمة لباب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وذكرنا أن مراد المؤلف من هذه الترجمة التنبيه على بعض الألفاظ الشركية، فكل الأبواب الآتية تدخل في هذا المعنى. وقد تقدم معنا تفسير الآية، وأن ابن عباس فسرها بالشرك الخفي، وقول القائل: «والله وحياتك»، و«يا فلان وحياتي»، وتقول: «لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص»، ونحو ذلك. وأخذنا أيضًا من تلك الألفاظ الحلف بغير الله، كما جاء في حديث ابن عمر: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». وكذلك خطورة الحلف بغير الله، وأنه أكبر من الكبائر، لقول ابن مسعود: «لا أن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا». ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى، وهو يبين أيضًا بعض تلك الألفاظ الشركية التي يجب أن يجتنبها المسلم: وعن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان». انظر إلى دقة اللغة العربية، الفرق بين الواو وثم، هذا هو الفرق. «ما شاء الله وشاء فلان» لا يجوز، وهو من الشرك الأصغر، من الشرك في الألفاظ. و«ما شاء الله ثم شاء فلان» هذا يجوز، ولا شيء فيه. لماذا؟ لأن الواو تفيد التسوية، تفيد التسوية، فقولك: «ما شاء الله وشاء فلان» كأنك سويت فلانًا هذا بالله عز وجل، لأن الواو تفيد التسوية من غير ترتيب. وأما «ثم» فإنها لا تفيد التسوية، وإنما تدل على الترتيب. فهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. والحديث رواه أبو داود بسند صحيح، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة. ووجه الشاهد من هذا الحديث: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قول: «ما شاء الله وشاء فلان»، والإرشاد إلى استخدام «ثم» لأنها تدل على الترتيب، لا للتسوية بين المعطوف والمعطوف عليه. وهذا الحديث فيه أن الداعية إلى الله عز وجل إذا سد على الناس بابًا ينبغي له أن يفتح لهم بابًا آخر. فالنبي صلى الله عليه وسلم ما قال للصحابة: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان» وسكت، بل بين لهم ما يجوز أن يستخدم في مثل ذلك، أو فيمن أراد أن يقول أو أن ينسب المشيئة إلى غير الله، فلا يقول: «ما شاء الله وشاء فلان»، وإنما يقول: «ما شاء الله ثم شاء فلان». فسد الباب الأول وفتح الباب الثاني، وهذا هو الداعية الحكيم. فمثلًا لو تكلمت على المكاسب المحرمة، فاذكر للناس المكاسب الجائزة، افتح لهم بابًا من الأبواب التي أباحها الله عز وجل. إذا مثلًا نهيتهم عن البدع، بين لهم السنن، افتح لهم أبوابًا كثيرة من أبواب السنن، وهكذا يقس على ذلك. قال: وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول الرجل: «أعوذ بالله وبك»، ويجوز أن يقول: «بالله ثم بك». وقال: «ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان». وهذا الأثر عن إبراهيم النخعي أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت مسندًا. وهنا ذكر عدة ألفاظ كذلك ينبغي أن تجتنب منها: «أعوذ بالله وبك». ولا شك أن الاستعاذة لا تكون إلا بالله، لكن فيما يقدر عليه الإنسان يجوز، يجوز أن تنسب الاستعاذة إليه، لكن ليس بالواو، وإنما بثم. فمثلًا لو أن إنسانًا حاضر عندك، وجاء ظالم يريد أن يعتدي عليك، فتقول لهذا الظالم: «أعوذ بالله منك وبفلان» - هذا لا يجوز لأنه واو. لكن يجوز أن تقول: «أعوذ بالله منك ثم بفلان ثم بفلان»، لأن فلانًا يستطيع أن يعيذك، قادر مستطيع حاضر حي، فيجوز ذلك. لكن إذا كانت الاستعاذة في شيء لا يقدر عليه إلا الله، كأن يكون المستعاذ به غائبًا أو ميتًا، فهذا لا يجوز. لو أن إنسانًا مثلًا أراد أن يعتدي عليك، ثم تقول: «أعوذ بالله ثم بفلان»، وفلان ميت في قبره، أو فلان بعيد منك لا يستطيع الآن أن يعيذك، فهذا لا شك أنه من الشرك، ولو كان بثم، ولو كان بثم. فهذا هو مراد إبراهيم النخعي. وأما قول: «لولا الله ثم فلان»، فهذا أيضًا يجوز ذلك. «لولا الله ثم فلان» لا، مثلًا لئلا يضل في الطريق لأنه يعرف الطريق وعنده خبرة بالطريق، لا بأس بذلك. ولا تقل: «لولا الله وفلان»، لأن الواو تفيد ماذا؟ التسوية. هذا هو مراد إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى. قال ابن العثيمين: «ولكن قولوا: الشرع إذا أغلق باب المحرم فتح باب الجواز حتى يسهل ترك المحرم، وحتى نعلم سمو الشريعة. فالشريعة ما أتت بالتعسير والتضييق وسد الأبواب، وإنما أتت بالسماحة والتيسير. فما من باب يغلق إلا وفي شريعتنا أبواب أخرى فتحت وأجازها الشرع». قال: «قال المسائل، وقلنا: المسائل كالتلخيص أو الخلاصة للأبواب». قال: «الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد، وأن ابن عباس فسرها بالشرك الخفي، فسرها بالشرك الخفي، مع أن الند معناه أوسع من ذلك، فهو يشمل النظير المساوي مطلقًا، سواء أكان في الشرك الأكبر أو في الشرك الأصغر». «الثاني: أن الصحابة رضي الله عنهم يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر، وهذا من باب التفسير بالعموم، التفسير بالعموم. فكما تقدم معنا أن تفسير ابن عباس للأنداد بالشرك الخفي هو من باب المثال، من باب المثال لا من باب الحصر. فالآية أعم من ذلك، هي تشمل كل من أشرك بالله عز وجل. فمن سجد لغير الله فقد اتخذ هذا المسجود له ندًا من دون الله، ومن دعا غير الله فقد جعل هذا المدعو ندًا من دون الله، ومن كذلك قال: ما شاء الله وفلان، فقد جعل فلانًا ندًا لله عز وجل، لأن الواو تفيد المساواة. فهذا هو معنى قوله: أن الصحابة رضي الله عنهم يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر. وليس معنى تنزيل الآية التي جاءت في الشرك الأكبر أن من نزلت عليه فهو مشرك شرك أكبر، وهذا عليه أدلة كثيرة. فقول الصحابة: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال: لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. هذا، هذا قالوا: اجعل لنا إلهًا، يعني صنمًا نعبده من دون الله كما لهم صنم. والصحابة ما طلبوا أن يعبدوا صنمًا، إنما أرادوا التبرك بهذه الشجرة، وهذا ليس من الشرك الأكبر، ليس من الشرك الأكبر. فاستدل العلماء بهذه الآية وبغيرها ونظائرها على أنه يجوز الاستدلال بالآية التي نزلت في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر». «الثالث: أن الحالف بغير الله شرك، وهو قلنا من الشرك الأصغر، وهو من الشرك في الألفاظ، كقولهم... وقد يصل إلى حد الشرك الأكبر، وذلك إذا عظم الحالف المحلوف به هذا أعظم من الله سبحانه وتعالى، كما مر معنا. قال: كقولهم... الشيخ ابن عثيمين يقول: كقولهم: «بحياتك»، بهذا القسم: «بحياتك، بحياتي، بذمتك، في ذمتي، بذمتي، في رقبتي، في لحيتي» - هذا يراد به القسم في وجهي - و«النبي»، «بشرفي»، «بالكعبة»، «بصلاتي»، «بصلاتك»، «بصيامي»، «بعمرك»، «بالعون»، أو يقول في حلفه: «هو يهودي أو نصراني أو كافر إن فعل كذا». كل هذه من شرك الألفاظ التي يجب أن تجتنب». «الرابع: أنه إذا حلف بغير الله صادقًا فهو أكبر من اليمين الغموس. واليمين الغموس هي التي تغمس صاحبها في النار، والعياذ بالله، وهي أن يحلف بالله كاذبًا ليقتطع بها مال امرئ مسلم. فلو حلفت بالله كاذبًا، حلفت بالله كاذبًا، قلت: والله هذه الأرض أرضي، وهي ليست بأرضك، وهي ليست بأرضك. فقولك... فقولك مثلًا في شيء هو لك... في شيء هو لك، والنبي... هذا لي، فالآخر... هذا الحلف بغير الله أعظم من الأول الذي هو الحلف بالله في أن هذه الأرض لك وهي ليست لك. وهذا يدلنا على عظم الشرك، ولو كان من الأصغر، على عظم الشرك، ولو كان من الشرك الأصغر، كما مر معنا في حديث ابن مسعود، أو في أثر ابن مسعود رضي الله عنه وأرضه». «الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللحظ، كما تقدم، لأن الواو تفيد المساواة أو تفيد التسوية. قال: لأن الواو تقتضي المساواة فتكون شركًا، وثم تقتضي الترتيب والتراقي فلا تكون شركًا. كقولهم: «أنا بالله وبك» - هذا من الشرك. و«أنا في حسب الله وحسبك» - هذا من الشرك. و«ما لي إلا الله وأنت» - هذا من الشرك. و«أنا متوكل على الله وعليك» - وهذا من الشرك. و«هذا من الله ومنك» - هذا من الشرك. و«الله لي في السماء والله لي في السماء وأنت لي في الأرض» - هذا أيضًا من الشرك. و«أنا تائب إلى الله وإليك» - هذا أيضًا من الشرك في الألفاظ. فانظر إلى عظم هذه الشريعة، حتى في الألفاظ هذبت هذا المسلم وأدبته في ألفاظه، وأن لا يأتي بلفظ فيه تنقص لله عز وجل أو فيه مساواة لله سبحانه وتعالى مع خلقه. فينبغي للمسلم أن يعلم مثل هذا، وأن يدرس مثل هذا، حتى لا يقع في هذه الأخطاء التي للأسف الشديد نسمعها من بعض العامة، أو من بعض الناس، أو ربما الإنسان تسقط عليه أحيانًا ولو من غير قصد. لكن إذا علم ذلك وتعلم، فإنه يحرص في كلامه أن يبتعد عن مثل هذه الألفاظ الشركية». وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، وفي الدرس القادم إن شاء الله نشرع في الباب الذي بعده، وهو: باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله، إلهنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر