الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 142، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
رأى الصحابي الطفيل بن عمرو في منامه يهوداً ونصارى ينتقدون قول المسلمين «ما شاء الله وشاء محمد» معتبرين ذلك شركاً، فأخبر النبي ﷺ فنهاهم عن هذه العبارة وأمرهم بقول «ما شاء الله وحده» إفراداً للمشيئة لله تعالى.
بين المحاضر أن تصحيح النبي ﷺ للصيغة إلى «ما شاء الله وحده» جاء بتوقيف شرعي، وأن سكوتَه أولاً كان حياءً تشريعياً بانتظار الوحي، مستعرضاً أحكام الرؤى الصالحة في عهد النبوة كالأذان، ومبيناً أن التشريع بالمنام انقطع بوفاته ﷺ، مع تفريق بين الشرك الأصغر في عبارة «وشاء محمد» والشرك الأكبر في الاستغاثة بغير الله.
أعلن المحاضر انتهاء الباب الحالي من الشرح، مبشراً بالباب القادم الذي سيتناول حديث «من سب الدهر فقد آذى الله»، ثم ختم الجلسة بالحمد لله والصلاة على النبي ﷺ.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي تكملة كتاب باب "قول ما شاء الله وشئت": قال، ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها، وقيل أنه ليس له إلا هذا الحديث، قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود. ومعنى "رأيت" يعني في المنام، فيما يرى النائم. قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. قال: فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «هل أخبرت بها أحداً؟» قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده». والحديث صححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة". ومعنى هذا الحديث: أن هذا الصحابي الطفيل رأى في المنام أنه مر على جماعة، نفر أي جماعة من اليهود، فقال لهم الطفيل: إنكم لأنتم القوم، يعني إنكم أنتم القوم الشرفاء القوم العظماء، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، يعني تشركون بالله عز وجل بجعل هذا المخلوق ابناً لله، ولم يتخذ الله ولداً. فرد عليه اليهود وقالوا: إنكم لأنتم القوم، أي الشرفاء العظماء، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، بمعنى أنهم انتقدوا على المسلمين هذه اللفظة التي فيها معنى الإشراك بالله عز وجل في المشيئة. قال: ثم مررت بنفر من النصارى، ولا يزال في رؤيته، فمر بجماعة من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، يعني أنتم القوم الشرفاء العظماء، لولا أنكم تجعلون المسيح ابناً لله فتشركون بالله عز وجل. فرد عليه النصارى بقولهم: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، يعني رد عليه بمثل ما رد اليهود. قال: فلما أصبحت، يعني قام من نومه في الصباح، أخبرت بها من أخبرت، يعني أخبر بهذه الرؤية بعض الصحابة، بعض الصحابة، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، بعدما أخبر جماعة من الصحابة جاء وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الرؤية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هل أخبرت بها أحداً؟» قلت: نعم. فكأن سؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له بذلك حتى لا يخبر أحداً، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبر الناس، هو الذي يخبر الناس، ولا يعلم الناس أن هذا الأمر جاء من قبل اليهود والنصارى، من قبل اليهود والنصارى. فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن طفيلاً أخبر بعض الناس، قام وخطب الناس عليه الصلاة والسلام، فحمد الله وأثنى عليه، وهذا من مستحبات ومقدمات الخطبة أو الكلمة أو الموعظة أو النصيحة أو نحو ذلك، أن الواعظ أو الناصح يبدأ كلمته بحمد الله والثناء عليه سبحانه وتعالى. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أما بعد، فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة». والمراد بالكلمة هنا في اللغة: يعني الكلمة في اللغة هو الكلام المفيد، الكلام المفيد، ليس المراد اللفظ المفرد، وإنما المراد به الكلام المفيد. وهذا قد جاء كثيراً في القرآن والسنة، قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: 100]، كلمة، أي جمل عدة، في قوله: ﴿وَيَتَحَسَّرُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]، فسماها كلمة. فالمراد بالكلمة هنا: أي الكلام المفيد، وقد يكون عدة جمل، قد يكون هذا الكلام عدة جمل. قوله: «وإنكم قلتم كلمة»، ويريد بالكلمة: ما شاء الله وشاء محمد، يريد بالكلمة: ما شاء الله وشاء محمد. قال: «وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها». و"كذا وكذا" هذه عبارة يؤتى بها عند إبهام المراد بهذه الكلمة، وقد جاءت رواية عند أحمد والطبراني بالتصريح بهذه الكلمة، فقال عليه الصلاة والسلام: «كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها». ويقول ابن عثيمين في قوله: «يمنعني كذا وكذا»: يمنعه صلى الله عليه وسلم الحياء، ولكن إيش معنى الحياء؟ هل معنى الحياء هو السكوت عن الباطل والسكوت عن المنكر؟ لا، ليس المراد لذلك، فإن هذا من الحياء المذموم، من الحياء المذموم. ولكن مراده عليه الصلاة والسلام: إنما يمنعه من النهي عنها دون أن يأمره الله بذلك، أي أن الله عز وجل لم يأمره بترك هذه الكلمة أو أن يترك أصحابه هذه الكلمة، الكلمة، فيكون المراد: يمنعني الحياء أن أنهى عن شيء لم يوحَ إلي من الله فيه، لم يوحَ إلي من الله فيه. وذكر ابن عثيمين أن هذا مثل الخمر، الخمر ما حرمت من أول الأمر، فسكت عنها النبي صلى الله عليه وسلم حتى حرمت، حتى حرمت، لأن الله عز وجل هو الذي يشرع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو المشرع ابتداءً، وإنما بما أوحاه الله إليه. فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن من عدم الأدب مع الله عز وجل أن يبتدأ في النهي عن شيء لم يؤمر بالنهي عنه، لم يؤمر بالنهي عنه. هذا هو المراد بقوله: «وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا»، يعني يمنعني من أن أنهاكم عنها الحياء، أي أن أنها عن شيء لم يوحَ إلي من الله فيه. قال: «فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده». وهذا فيه ما تقدم من الفوائد: من أن المسلم يأخذ الحق ولو من عدوه. وهكذا في هذا الحديث أيضاً: أن اليهود والنصارى كانوا يعلمون الشرك الأصغر. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: أن الرؤيا الصالحة قد تكون سبباً لشرع بعض الأحكام. وهذا يقيد بزمن النبوة، أما بعد زمن النبوة فليس لأحد أن يرى رؤيا ثم يقوم ويقول: رأيت كذا وكذا، فيشرع للناس، يعني عبادات وأحكاماً، يشرع للناس عبادات وأحكاماً لم يأمر بها الشرع، لا في كتاب ولا في سنة، كما هو صنيع المتصوفة، المتصوفة في باب الكرامات، يعني غلوا حتى أن من يزعمون أنهم أولياء يرون الرؤى ثم يجعلون من هذه الرؤية تشريعاً للناس، ويستدلون بمثل هذه الأحاديث. هذه الأحاديث وردت في زمن النبوة، زمن التشريع، أما بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام فليس لأحد أن يشرع، لا في يقظة ولا في منام، لا في يقظة ولا في منام. نعم، ولذلك فبعض الأحكام في زمن النبوة شرعت بسبب رؤى منامية، بسبب رؤى منامية، مثل مشروعية الأذان كانت رؤية رآها عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، كذلك الذكر بعد الصلاة جاء في بعض تلك الأذكار أنها رؤى منامية رآها بعض الصحابة، لكن في زمن النبي وسمع بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأقرها، فهذه تكون من الرؤية الصالحة التي هي من أقسام الوحي، التي هي من أقسام الوحي. فينبغي أن نضبط هذا الأمر: أن الرؤى بعد زمن النبوة لا يؤخذ منها أحكام شرعية، لا يؤخذ منها أحكام شرعية. ثم ذكر المؤلف في ختام هذا الباب المسائل، ووجه الشاهد من الحديث ظاهرة، وهو أنه عن قول: ما شاء الله وشاء محمد، وفيه ما تقدم من أن الواو تفيد المساواة، في مساواة مشيئة الله بمشيئة العبد، ومشيئة العبد إنما هي تابعة لمشيئة الله لا مساوية لها، فإما أن يقول: ما شاء الله وحده، وهذا هو الأكمل والأفضل كما تقدم معنا، وإما أن يقول: ما شاء الله ثم شاء محمد، فهذا أيضاً يجوز، وهو الدرجة الثانية من درجات جواز قول ذلك. ثم ذكر المسائل: الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر، وأيضاً النصارى، كما مر في هذه الرؤية. الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى، ومعنى فهم الإنسان: أي أنه يفهم الحق، اليهود يعرفون أن "ما شاء الله وشاء محمد" هذا من الشرك، ومع هذا وقعوا في نظيره، فأشركوا بالله، بل أشركوا بالله الشرك الأكبر، فجعلوا غير الله مثل الله في التقرب والعبادة والندية ونحو ذلك. الثالثة: قوله صلى الله عليه وسلم: «جعلتني لله نداً»، فكيف بمن قال: ما لمن ألوذ به سواك، والبيتين بعده. ويشير إلى ما ورد في البردة للبوصيري في قوله: يا أكرم الخلق ما لمن ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العميم فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فهذه الأبيات أعظم من قول القائل: ما شاء الله وشئت. فإن قول القائل: ما شاء الله وشئت، هذا من الشرك في الألفاظ، وهو من الشرك الأصغر، أما من يلوذ بغير الله، من يلوذ بغير الله، فهذا من الشرك الأكبر، فهذا من الشرك الأكبر. فأيهما أعظم؟ لا شك أنه الثاني. فهذا فيه رد على الصوفية، رد على الصوفية، فيقال لهم: عندما تستغيثون بالله وتلوذون بغير الله، قد جعلتم لله نداً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في لفظه: «ما شاء الله وشئت، أجعلتني لله نداً؟» فكيف بمن جعل لله نداً في ألوهيته سبحانه وتعالى؟ وهذا غاية في الكفر والغلو، هذه البردة وما فيها من مثل هذه الأبيات الشركية. الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر لقوله: «يمنعني كذا وكذا»، فهو من الشرك الأصغر، لو كان من الشرك الأكبر لما منعه الحياء من النهي عنه، هذا معنى كلامه. الخامسة: أن الرؤية الصالحة من أقسام الوحي، أي أن الطفيل رأى هذه الرؤية وكانت موافقة للشرع في أن نهي عن قول: ما شاء الله وشاء محمد، فعدت من أقسام الرؤى الصالحة، لأن الرؤية قد تكون صالحة وقد تكون غير صالحة، وقد تكون غير صالحة. السادسة: أنها قد تكون سبباً لشرع بعض الأحكام، قيد ذلك ابن عثيمين: قال في زمن النبوة، كما مر معنا، أما بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام فلا يؤخذ من المنامات الأحكام الشرعية. طيب، نكتفي بهذا، وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، وفي الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى الباب الذي بعده، وهو باب: "من سب الدهر فقد آذى الله". طيب، نكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين.