الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
السجود لا يكون إلا لله وحده، ومن سجد لغيره فقد أشرك، مستدلاً بأحاديث تمنع السجود لغير الله وتوضح أن سجود الملائكة لآدم كان بإذن خاص. كما أن الحلف بغير الله يعد شركاً، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك».
يحرم الحلف بغير الله تعالى، ومن حلف بغير الله فقد أشرك؛ فإن اعتقد تعظيم المحلوف به كتعظيم الله فهو شرك أكبر، وإلا فهو شرك أصغر. وقد أنكر ابن عمر على من حلف بالكعبة، ونهى النبي عن قول «ما شاء الله وشيئت» وأمر بقول «ما شاء الله وحده».
عبارات مثل «ما شاء الله وشيئت» و«متوكل على الله وعليك» و«حسبك الله وحسبك» تعد ألفاظاً شركية لأنها تشرك غير الله في المشيئة أو التوكل أو الكفاية. والصحيح إفراد الله بالقول والعمل كما دل عليه قوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾.
استدل المتحدث بجواب النبي صلى الله عليه وسلم لمن جعله نداً لله، مبيناً أن ذلك يعد شركاً. ثم أعلن انتهاء الجلسة ووعد بمواصلة الدرس في وقت لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من الأفعال التي فعلها لغير الله شرك السجود. ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله»، وهذا حديث صحيح أخرجه الإمام أبو داود والترمذي من حديث معاذ، وكذلك من حديث معاذ. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يسجد أحد لأحد»، لما قال: «أنا سيد»، لما قال الأنصار: «هذه بهيمة تسجد لك يا رسول الله»، فقال: «لا يسجد أحد لأحد، ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». وهذا السجود الظاهر أنه في هذه الأمة لا يسجد، بمعنى في هذه الشريعة لا يسجد أحد لأحد، وإلا ففي بعض الشرائع أمر الله عز وجل الملائكة أن تسجد لآدم، وذكر في سورة يوسف أنهم سجدوا له وخرّوا، قال: ﴿ يا أبتي هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾، ﴿ ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجدا ﴾، وقال: ﴿ يا أبتي هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ﴾. وقد يراد المراد بالسجود هنا الانحناء، لكن السجود الذي شرعه الله عز وجل لهذه الأمة لا يكون لأحد إلا لله. ومن صرف شيء من هذه العبادات لغير الله، أو بغير إذن الله جل وعلا، فإنه يكون شركا بالله؛ لأن هذا مما يختص به الرب جل وعلا. ولهذا ربنا جل وعلا أمر الملائكة أن تسجد لآدم، هذا إذن منه سبحانه وتعالى، إذن منه للملائكة أن تسجد لآدم، فلا يسجد إلا لله جل وعلا. ولهذا قال: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد»، فمن سجد لغير الله فهو قد أشرك بالله جل وعلا. قال: من شرك بالله تعالى المباين لقول ﴿ إياك نعبد ﴾، مباين معناه المناقض، الشرك به في اللفظ كالحلف بغيره، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، صححه الحاكم وابن حبان. وصحيح أن هذا الحديث فيه انقطاع، لكن له شاهد من حديث سالم عن ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف بغير الله»، فقال فيه قولا شديدا، هذا القول الشديد هو هذا: «فقد أشرك»، فهو حديث صحيح. وهذا الحديث أيضا جاء في الصحيحين: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»، «فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». فالحلف بغير الله لا يجوز، لا يجوز للمسلم أن يحلف بغير الله جل وعلا، وإن كان اعتقد في الحلف التعظيم كتعظيم الله عز وجل يعتبر شركا أكبر، وإلا فهو شرك أصغر؛ لأنه مشارك في الأفعال. قال ابن حبان: أخبرنا الحسن بن سفيان، ابن حبان معروف، محمد بن حبان البستي، أبو حاتم البستي، صاحب كتاب «الثقات» أو ما يسمى بـ «صحيح ابن حبان»، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان وهو الفسوي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر الجعفي، قال: حدثني عبد الرحيم بن سليمان، عن الحسن بن عبيد الله النخعي، عن سعد بن عبيدة، رضي الله عن سعد بن عبيدة، قال: كنت عند ابن عمر فحلف رجل بالكعبة، فقال ابن عمر: ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حلف بغير الله فقد أشرك». وهذا إسناد صحيح، أو أقصده متصل. لكن جاء عن منصور، منصور بن المعتمر، أنه قال: أو قال له سعد بن عبيدة: كنت عند عبد الله بن عمر فناداني بعض أهلي فذهبت، ثم جئت فرأيت أن مجلس عبد الله بن عمر قد انفض، فقلت لرجل، أو فقلت لأبي محمد الكندي عن الرجل، قال له أبو محمد الكندي وهو غير معروف: فقلت: هل قال أبو عبد الرحمن شيء؟ قال: نعم، حلف الرجل بالكعبة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حلف بغير الله فقد أشرك». فهو لم يسمعه من ابن عمر وإنما سمعه من هذا الرجل، لكن كما قلنا له شاهد يدل على صحته. فالحلف بغير الله من الألفاظ التي جاء فيها أنها شرك، إذا أشرك بالله إذا حلف بغير الله، فلا يحلف إلا بالله، من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليصمت. وقال: قول قائل لأحد من الناس: «ما شاء الله وشيئت»، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال له رجل: «ما شاء الله وشيئت»، قال: «جعلتني لله ندا، قل: ما شاء الله وحده» أو «ما شاء الله ثم شئت». وهذا حديث ابن عباس، حديث صحيح أو حسن، فيه النهي عن هذه الكلمة: «ما شاء الله وشيئت»، عن إدخال الواو في المشيئة: «ما شاء الله وشيئت، ما شاء الله وشيئت»، فهذا خطأ، وإنما يقول: «ما شاء الله وحده»، أو «ما شاء الله ثم شئت» كما جاء في حديث آخر. فحديث قتادة أيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا قلتم فقولوا: رب الكعبة، وقولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد». قال: هذا مع أن الله سبحانه قد أثبت للعبد مشيئة، كقوله: ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾. فكيف بمن يقول: «أنا متوكل على الله وعليك»؟ هذا أيضا لا يجوز، لأن التوكل من أعمال القلب التي لا تكون إلا لله، حتى لو قال: «أنا متوكل على الله ثم عليك» أيضا لا يصح، أن التوكل من أعمال القلب التي لا يجوز لأحد أن يشرك بها مع الله عز وجل، معنا لا يشرك مع الله عز وجل أحد. بحسب المشيئة فالعبد له مشيئة، فإذا قال: «ما شاء الله ثم شاء فلان» فهذا لا بأس، أما يقول: «متوكل على الله ثم عليك» فهذا خطأ. وقال: «أنا في حسب الله وحسبك» أيضا هذا خطأ. ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾، أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين، وليس معنا كما فسرها بعضهم، كما ذكر شيخ الإسلام وغيره أن بعض المفسرين فسرها خطأ: ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾، أي: حسبك الله وحسبك من اتبعك، لا، ليس كذلك، وإنما: ﴿ يا أيها النبي حسبك الله وحسب من اتبعك ﴾. وقال: «ما لي إلا الله عنك»، و«هذا من الله ومنك»، و«هذا من بركات الله وبركاتك»، أي هذه كل ألفاظ شركية. و«والله لي في السماء وأنت لي في الأرض». فوازن بين هذه الألفاظ الصادرة من غالب الناس اليوم، وبين ما نهى عنه من قول: «ما شاء الله وشئت»، ثم انظر أيها أفحش، يتبين لك أن قائلها أولى بالبعد عن ﴿ إياك نعبد ﴾، عن أنه لم يجرد التوحيد. والمراد رحمه الله أراد أن يبين ما ذكره في هذا الكتاب: تجريد التوحيد، فلا بد أن يجرد التوحيد بقوله ﴿ إياك نعبد ﴾. استدل بالجواب من النبي صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ندا، فهذا قد جعل من لا يدانيه لله ندا. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا ونكمل في درس قادم بحول الله وقوته.