الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 162، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يجوز إطلاق لفظ "سيد" على غير الله بشرطين: أن يكون الشخص أهلاً له من أهل الطاعة والتقوى، وألا يؤدي إطلاقه إلى إعجاب الملقب أو خنوع الملقب له. وقد نهى النبي ﷺ عن قول "سيد" للمنافق، ورد على وفد بني عامر بقوله "السيد الله تبارك وتعالى" تأكيداً على أن السيادة الحقيقية لله وحده.
يشرح المقطع رد العلماء على حديث «السيد الله» مبينين أن الله أحق بهذا الاسم، ويناقش جواز إضافة «رب» لضمير المخاطب في قصة يوسف عليه السلام بوجهين: جوازه في الشرائع السابقة ونسخه بشرعنا، أو كونه خطاباً متعارفاً. ويخلص لثلاث مسائل: النهي عن قول «عبدي وأمتي»، تحريم إضافة الرب لضمير المتكلم أو المخاطب، وتعليم بدائل كـ «فتايا وفتاتي وغلامي».
يبيّن المقطع الألفاظ الجائزة للسيد عند نداء عبده كقول: فتاي، فتاتي، غلامي، وللعبد عند نداء سيده: سيدي، مولاي، ويوضح أن النهي عن قول "أطعم ربك" ونحوه للكراهة التنزيهية لا للتحريم، سداً للذريعة وتعظيماً للربوبية، وأن الشرع إذا سد باباً فتح بديلاً مباحاً.
يختتم المتحدث الحديث عن أهمية تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ والتعابير كما نبه عليه المؤلف، معلناً الاكتفاء بما ذُكر وإنهاء المجلس.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي باب «لا يقول عبدي وأمتي»، وأخذنا الحديث، حديث أبي هريرة في الصحيحين: «لا يقول أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقول أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتايا وفتاتي وغلامي». وأخذنا حالات جواز إضافة العبد إلى الضمائر، الكاف، أو كذلك الاسم الظاهر ونحو ذلك، وأخذنا التفصيل في ذلك. بقيت هنا بعض المسائل التي ربما تشكل على بعض طلاب العلم، وهي مشابهة لما ورد في هذا الباب. فمن ذلك: حكم إطلاق لفظ «سيد» على غير الله. يقول لك: فلان سيد، أو فلان السيد، فهل هذه لفظة مثل ما تقدم؟ فهذا فيه تفصيل أيضاً. فإطلاق لفظ «سيد» على غير الله جائز بقيدين: جائز بقيدين. القيد الأول: أن يطلق على من هو أهل له، يعني شخص يستحق أن تطلق عليه هذه الكلمة، فلا يجوز إطلاقها على الفاسق ولو كان ذا منزلة أو رتب وجاه. فكونه فاسقاً أو منافقاً أو فاجراً، فهذا لا تطلق عليه هذه اللفظة، لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في أبي داود وغيره قال: «لا تقولوا للمنافق: سيد، فإنه إن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم عز وجل». لأن السيادة لا تكون للفجار ولا للفساق، فلذلك لا يعظم هؤلاء بإطلاق هذه اللفظة عليهم، بإطلاق هذه اللفظة عليهم. هذا هو القيد الأول: أن يطلق على من هو أهل له، ومن أهل الطاعة، من أهل التوحيد، من أهل الخير. والقيد الثاني: أن لا يخشى من إطلاقه محذور من إعجاب المخاطب، وخنوع المتكلم. إيش معنى هذا الكلام؟ يعني بعض الناس ربما إذا قيل له: سيد، تعظم في نفسه وأعجب بمنزلته بين الناس، فصار إطلاق هذا اللقب أو هذا اللفظ عليه فتنة له. فإذا خشينا من ذلك فلا نطلق هذا اللفظ عليه. أو كذلك خنوع المتكلم، ومعنى خنوع المتكلم: يعني إذلال المتكلم بهذا اللفظ. فلو قال لفلان: سيد، لربما احتقره ذلك المخاطب، وأذل نفسه هذا المتكلم عند ذلك المخاطب. فلذلك لا يطلق هذا اللفظ إذا خشي من إطلاق هذا اللفظ شيء من هذه الأمور التي ذكرت. طيب، وهنا إشكال في هذا الإطلاق، وهو ما جاء في حديث عبد الله بن الشخير أنه قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت سيدنا. فقال عليه الصلاة والسلام: «السيد الله تبارك وتعالى، السيد الله تبارك وتعالى». فما هو الجواب؟ نقول: يجوز إطلاق لفظ السيد، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستحق هذا اللفظ لعلو منزلته عليه الصلاة والسلام، وكرم الله عز وجل له بالرسالة والنبوة والقرآن والخصائص والفضائل الكثيرة. فلماذا هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «السيد الله تبارك وتعالى»؟ أجاب العلماء على هذا الحديث: أن الحديث ليس فيه نهي، ما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا لي ذلك، وإنما قال عليه الصلاة والسلام: «السيد الله تبارك وتعالى». فالمراد بقوله هذا عليه الصلاة والسلام: أن الله هو الأحق بهذا الاسم، أن الله هو الأحق بهذا الاسم، ولا ينفي ذلك أن يطلق على بعض الناس ممن يستحقه، لكن الأحق أن يطلق هذا الاسم لله سبحانه وتعالى. هكذا أجاب العلماء على ذلك. وهنا مسألة أخرى أيضاً تذكر عند هذا الباب. قد تقدم معنا أن إضافة الرب لا يجوز أن تضاف إلى ضمير المخاطب: «وضئ ربك» أو «أطعم ربك»، كما جاء في الحديث. فما هو الجواب على ما جاء في سورة يوسف في قوله عليه الصلاة والسلام، أي نبي الله يوسف، لمن خرج من السجن: ﴿اذكرني عند ربك﴾؟ فهنا يوسف أضاف لفظة الرب إلى الكاف، ضمير المخاطب، الكاف، وهو نبي. فكيف الجواب على ذلك؟ أجاب العلماء على ذلك بأمرين اثنين: الأمر الأول: أن هذا جائز في شرع من قبلنا، لأن يوسف عليه السلام يختلف شرعه عن شرعنا، فهو قبل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، والقاعدة المعروفة في علم الأصول: أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما يخالفه. وهذا الأمر جاء في شرعنا ما يخالفه، وهو النهي عن ذلك كما ورد في حديث أبي هريرة المتقدم. فيكون الجواب أولاً على هذا: أن هذا جائز في شرع من قبلنا، وقد ورد شرعنا بخلافه، وقد ورد شرعنا بخلافه. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. والتوجيه الآخر، أو القول الثاني في توجيه هذه الآية: أن خطابهم بما هو متعارف عليه عندهم، يعني ليس يقصد يوسف هذا اللفظ، ولو لم يكن هذا اللفظ متعارف بينهم لعدل عنه ولما نطق به، ولكن لعلهم لا يفهمون كلامه إلا بما هو متعارف عندهم. قال ذلك: ﴿اذكرني عند ربك﴾، لأن هذا شيء كان معروفاً عندهم. وهذا كما قال موسى عليه السلام للسامري: ﴿انظر إلى إلهك﴾، فأضاف هذا الإله إلى السامري. هذا من باب أن هذا خطاب لمن يعرف، هذا الخطاب متعارف عندهم، ذلك أي الذي اتخذه إلهاً. وهذا القول الثاني أي: له حظ من الوجاهة، والله أعلم، والله تعالى أعلم. قال المؤلف: المسائل الأولى: النهي عن قول «عبدي وأمتي». وقد تقدم معنا في قول الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله أنه إذا أضافه إلى نفسه فهذا يكون فيه تفصيل عند الشيخ ابن عثيمين، فمنه المكروه ومنه الجائز، وعند غيره أن هذا كله مكروه. الثاني: لا يقول العبد: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك. لأن «ربي» فيه إضافة الرب إلى ضمير المتكلم، وهذا قلنا لا يجوز. و«أطعم ربك» فيه إضافة الرب إلى ضمير المخاطب، وهذا كذلك كما تقدم مكروه. الثالث: تعليم الأول قول: «فتايا وفتاتي وغلامي»، أي ما هو البديل؟ طيب، أنت لا تقول: عبدي وأمتي، إذن ماذا تقول إذا أردت أن تنادي مثلاً عبداً لك؟ تقول له: يا فتايا، أو يا فتاتي، أو يا غلامي. فهذا لا محظور فيه، فالنداء بهذا اللفظ لا محظور فيه. وقد ذكر بعض أهل العلم، وهذا ما ذكره الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله في تعليقه على الحديث، ونحن لم نقرأ ذلك سهواً منا ونسياناً، فبعد ما نكمل المسائل إن شاء الله نقرأه. الرابع: تعليم الثاني قول: «سيدي ومولاي». يعني قلنا لا يجوز أن تقول: ربي، طيب إيش يقول العبد إذا أراد أن ينادي سيده؟ يقول له: يا سيدي، يا مولاي. فهذه الألفاظ لا شيء فيها. الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ. يعني لماذا كرهت هذه الألفاظ؟ من أجل تعظيم الله عز وجل، أي من أجل توحيد الله سبحانه وتعالى. وكما تقدم معنا أن هذا القول إنما نهي عنه تأدباً مع جانب الربوبية، وسداً للذريعة. يقول الشيخ ابن العثيمين رحمه الله في تعليقه على هذا الحديث، حديث أبي هريرة: «لا يقول أحدكم أطعم ربك، وضئ ربك» إلى آخره. قال: «لا يقول أحدكم أطعم ربك، وضئ ربك، لأن فيه تعدياً على جانب الربوبية، لأن ذلك فيه سوء أدب مع الله عز وجل، إذ أطعم ربك إلى غير الله سبحانه وتعالى». قال: «وليقل سيدي ومولاي». قال: وهذا الخطاب للعبد إذا أراد أن ينادي سيده، وهو ليس للوجوب وإنما للإرشاد المباح. قد تقدم معنا أنه هنا يحمل على الكراهة التنزيهية، نعم، وليس على التحريم، لأنه ورد هنا للإرشاد والأدب. قال: لأن العلماء قالوا: إن الأمر إذا جاء مقابلة لشيء ممنوع صار للإباحة. يعني قوله: «سيدي ومولاي»، هل واجب على العبد أن يقول ذلك؟ لا، ليس بواجب. إيش الذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؟ الذي صرفه أن هذا الأمر جاء بعد الإباحة، والقاعدة الأصولية عندهم: أن الأمر إذا جاء بعد الإباحة فيفيد أن الأمر... نعم، إذا جاء بعد الإباحة لا يفيد الوجوب. ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾، فهنا الأمر بالصيد ليس للوجوب لأنه جاء بعد الإباحة: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾. قال: «ولا يقل أحدكم». قال: النهي إما للتحريم أو الكراهة، وحتى لا يتوهم أنها العبودية التي لا تكون إلا لله عز وجل. وقد تقدم معنا أن الصحيح أن النهي هنا للكراهة وليس للتحريم، أنها للكراهة وليس للتحريم. قال: «التي لتكن لله: عبدي للغلام، وأمتي للجارية». قال: «وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي». هذا الخطاب للسيد، وفيه أن الشرع إذا أغلق باب المحرم فتح باب الجواز، بمعنى أن الشرع يأتي بالبديل عما حرم أو عما نهي عنه. فلما نهى النبي صلى الله عليه وسلم السيد أن يقول: عبدي وأمتي، آتاه بما يقوم مقام هذا اللفظ المكروم، وهو مباح لا شيء فيه، وهو قوله: «فتاي وفتاتي وغلامي». نعم، فينبغي للداعي إلى الله عز وجل أن يراعي هذا الأمر، إذا سد على الناس باباً من الأبواب بتحريم أو كراهة فليدلهم على أبواب أخرى مباحة. وفي نفسي هذا الأمر الذي سده عليهم، قالوا فيه: التنبيه لتحقيق التوحيد حتى في الألفاظ، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. فاكتفينا بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر