التعليق على شرح علل الترمذي 7

التعليق على شرح علل الترمذي 7

الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أسباب تأليف الترمذي لسننه وتاريخ تدوين الحديث

يشرح المقطع دوافع الترمذي لذكر أقوال الفقهاء وعلل الأحاديث في سننه، مستعرضاً أبرز علماء الحديث الأوائل ومناطقهم. ثم يتناول تطور كتابة الحديث من النهي في عهد النبوة إلى الإجماع على جوازه في عصر التابعين، مبيناً الفرق بين الكتابة للحفظ والتصنيف المُرتب.

أصول التصنيف في علم الحديث وأوائل المصنفين

يستعرض النص آراء العلماء في أول من صنف الكتب في الحديث، مميزاً بين مجرد جمع الأحاديث والتصنيف المنهجي. ويذكر أبرز الأسماء كابن جريج وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة ومالك وابن المبارك وأحمد بن حنبل وأبي داود الطيالسي مع بيان اختلاف مناهجهم.

منهج الأئمة في تصنيف الحديث وأهمية تدوين العلل

يستعرض المقطع تطور تصنيف كتب الحديث من المسانيد إلى الصحيحين والسنن، مبيناً تميز الترمذي ببيان العلل وذكر أقوال الفقهاء. ويناقش موقف الإمام أحمد من تدوين الفقه مع الحديث ثم ترخيصه لاحقاً لضبط كلام السلف.

خاتمة الجلسة وإعلان الانتهاء

يعلن المتحدث عن انتهاء المقطع الحالي والاكتفاء بما تم طرحه، مختتماً الجلسة بعبارة إن شاء الله. وتكون هذه الفقرة ختاماً للدرس دون إضافة محتوى علمي جديد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المصنف -يعني الترمذي- في سبب تأليف هذا الكتاب من قول الفقهاء وعِلل الأحاديث: قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله: "وإنما حملنا على ما بينا في هذا الكتاب من قول الفقهاء وعِلل الحديث لأن سئلنا عن ذلك فلم نفعله زماناً، ثم فعلناه لما رجونا فيه من منفعة الناس، لأن وجدنا غير واحد قد تكلفوا من التصنيف ما لم يسبقوا إليه، مبينين كلام أهل العلم في الحديث". وهذا من أعظم ما وجد في السنن؛ معنى: الترمذي يهتم بأن يذكر كلام أهل العلم في الحديث، وكذلك العِلل، يذكر العِلل. وإن كان هناك أيضاً من يذكر العِلل: أبو داود أيضاً، والنسائي، وابن ماجه، لكنه قليل. وابن ماجه يُقال إنه تكلم في علل الحديث في تسعة مواضع من كتابه. لكن أكثر من كان يكثر: الترمذي، والنسائي، وأبو داود. ولعل الترمذي أكثرهم، والنسائي كذلك في السنن الكبرى خاصة يكثر من الكلام في العِلل. أما في المجتبى فكأنه انتخبه من السنن الكبرى، فلذلك كان كلامه قليلاً. وإلا في السنن الكبرى تجد غالباً يتكلم على الحديث ويذكر اختلافات الحديث. طائفة منهم: هشام بن حسان، أي هؤلاء الذين سبقوا في التصنيف، وعبد الملك، هشام بن حسان الكردوسي صاحب ابن سيرين، مولى لآل سيرين، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وإمام الحرم، وسعيد بن أبي عروبة صاحب قتادة، ومالك بن أنس، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو كوفي يعتبر من حفاظ الحديث، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل العلم والفضل. طيب، ممكن تعرف على مناطق هؤلاء؟ هشام بن حسان يعتبر من أين؟ قلنا: مولى لآل سيرين، بصري. هشام بن حسان الكردوسي بصري. وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج: مكي. وسعيد بن أبي عروبة: بصري. ومالك بن أنس: مدني. محمد بن سلمة: بصري. عبد الله بن المبارك: مروزي، مروزي، خرساني. ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة: كوفي. وأنتم ما أنتم مختلفين؟ ها، كوفي. ووكيع بن الجراح: كوفي. وعبد الرحمن بن مهدي: بصري. وغيرهم من أهل العلم والفضل. صنفوا فجعل الله تبارك وتعالى في ذلك منفعة كثيرة، فنرجو لهم بذلك الثواب الجزيل. أيضاً علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، عند الله تعالى ما نفع الله المسلمين به، وهم القدوة فيما صنفوا. قال: "أعلم أن العلم المتلقى عن النبي عليه الصلاة والسلام من أقواله...". على أنه... أعلم أن العلم المتلقى عن النبي عليه الصلاة والسلام من أقواله وأفعاله، كان الصحابة رضي الله عنهم في زمن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم يتداولونه بينهم، حفاظاً حفظاً له ورواية. هذا نحن كلام الشارح أو كلام الترمذي؟ آه، كلام الرجل. آه، إنه معقود فرق. يعمل بين قوسين لكلام الترمذي. قالوا: منهم من كَتَب كما تقدم في كتاب العلم عن عبد الله بن عمر بن العاص. انتهى. انتهى. طيب، معنا هنا يقول: حديث أبي هريرة: «ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عني مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب». هذا في البخاري. وفي السنن: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق». قال: ثم بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، وما جاء من نهي عن الكتابة، عن نهي عن كتابة الحديث جاء في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم. لكن كثير من أهل العلم يقولون إنه منقطع، أن فيه انقطاعاً. وبعضهم رووه موقوفاً على أبي سعيد، وهو الصحيح: أنه موقوف على أبي سعيد، وليس مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وقد جاء بالإسناد الصحيح أن أبا سئل: نكتب عنك؟ فقال: «لا، نحن تلقيناه كما تلقيناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذناه حفظاً، فأنتم خذوه حفظاً». هذا الذي ثبت عن أبي سعيد. والظاهر أنه حصل خطأ في الحديث الذي في مسلم، فرفعه بعضهم. وإن صح، معنى: إذا صح حديث أبي سعيد في النهي عن الكتابة، فيحمل على الكتابة جميعاً، معنى: أن يكتب الإنسان القرآن والسنة معاً في صحيفة واحدة حتى لا يختلط. لكن إذا كتب هذا في صحيفة وهذا في صحيفة فلا بأس. هذا إذا صح النهي. وبعضهم يقول إنه منسوخ. لكن النسخ يحتاج إلى شيء صريح. على النهي عن الكتابة قالوا: منسوخ، منسوخ بحديث عبد الله بن عمر، وأيضاً: «اكتبوا لأبي شاه»، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يعلم الناس الكتابة، وهكذا، ينحط على تعليم الكتابة. قال: ثم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان بعض الصحابة يرخص في كتابة العلم عنه، وبعضهم لا يرخص في ذلك. ودرج التابعون أيضاً على مثل هذا الاختلاف. قد ذكرنا كراهية كتابة الحديث والرخصة فيه مستوفى في كتاب العلم من هذا الكتاب. واستقر بعد ذلك في زمن التابعين أو أتباعهم، استقر بإجماعهم جواز كتابة العلم. وبعضهم يقول: إنما هذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، النهي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يختلط القرآن مع غيره، لكن بعد زمنه عليه الصلاة والسلام ميز القرآن من غيره، خاصة في عهد أبي بكر وفي عهد عثمان لما جمع القرآن. قال: الذي كان يكتب في زمن الصحابة والتابعين لم يكن تصنيفا مرتّباً مبوباً، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط. ثم إنه في عصر تابع التابعين صُنّفت التصانيف، وجمعت طائفة من نهي العلم -يعني: من حديث النبي صلى الله عليه وسلم-، وبعضهم جمع كلام الصحابة. واختلفوا في أول من صنف، كما سيذكره. قال عبد الرزاق: أول من صنف الكتب ابن جريج. وصنف الأوزاعي حين قدم على يحيى بن أبي كثير كتبه. خرّجه ابن عدي وغيره، وخرّجه أيضاً جماعة، ذكره ابن أبي حاتم، هو أولى من ابن عدي. معنى: أولى من ابن عدي، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل في ترجمة الأوزاعي. ويقال أن أول من صنف هو أبو داود الطيالسي. لكن تجد أن كل واحد يذكر ما يعرفه. بعضهم يقول: حماد بن سلمة أيضاً صنف، أول من صنف حماد بن سلمة، أي في أهل البصرة. إما أبو داود الطيالسي أو حماد. لكن حماد أقدم من أبي داود الطيالسي، أن حماد يعتبر في مرتبة شعبة، فهو أقدم من أبي داود. لكن قد يكون التصنيف في وقت واحد. وصنف أيضاً ابن أبي ذئب، الموطأ. وصنف مالك الموطأ. وعبد الرزاق لعله بحسب علمه ذكر أن ابن جريج هو أول من ألف. لكن قد ألفت مؤلفات كثيرة في ذلك الوقت. أيضاً سعيد بن أبي عروبة أيضاً هو أقدم من ابن جريج، ويحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، وإن كان سفيان لم يذكر عنه أنه ألف. قال: وانقسم الذين صنفوا الكتب أقساماً. منهم من صنف كلام النبي عليه الصلاة والسلام أو كلامه وكلام أصحابه على الأبواب، كما فعل مالك، وابن المبارك، وحماد بن سلمة، وابن أبي ليلى، ووكيع، وعبد الرزاق، ومن سلك سبيلهم في ذلك. عن حماد بن سلمة أيضاً كان ألف كلام الصحابة وكلام النبي عليه الصلاة والسلام. وابن المبارك أيضاً في كتبه في كتاب الزهد والمسند. ومالك أيضاً في الموطأ يذكر كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة. وهكذا غيرهم. قال: ومنهم من جمع الحديث على مسانيد الصحابة، كما فعلوا: أحمد، وإسحاق، وعبد بن حميد الدارمي، ومن سلك مسلكهم في ذلك. وقبلهم أيضاً أبو داود الطيالسي، ألف كتابه المسند، فهو أول من ألف في المسند. ويقال أيضاً: أول من ألف أيضاً ابن منيع، أو من أول من ألف أحمد بن منيع. لكن أبو داود الطيالسي قديم، هو ألف من أول من ألف في المسند. وقيل: أن أبا داود لم يؤلف، وإنما جمعه بعض أصحابه. قال ابن أبي خيثمة، وهو أحمد بن عمر بن أبي خيثمة صاحب التاريخ: قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: أخبرني محمد بن حسن، عن مالك بن أنس، قال: أول من دوّن العلم ابن شهاب، يعني الزهري. ومحمد بن حسن كأنه ابن زبالة، لا يعتمد عليه. وقال ابن خراش: قال: إن أول من صنف الكتب سعيد بن أبي عروبة. وابن زبالة معروف بالكذب. لكن صحيح أن الزهري هو أول من دوّن الحديث، بأمر عمر بن عبد العزيز مع محمد بن عمر بن حزم، أو أبو بكر بن محمد بن عمر بن حزم، أمره عمر بن عبد العزيز أن يدوّن الحديث واستعان بالزهري. وقال عقبة بن شيبة: يقولون إن أول من صنف الكتب بالكوفة يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وبالبصرة حماد بن سلمة. وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: أول من صنف الكتب من هو؟ قال: ابن جريج وابن أبي عروبة، يعني ونحو هؤلاء. وقال ابن جريج: ما صنف أحد العلم تصنيفي. قال: سمعت أبي يقول: قدم ابن جريج على أبي جعفر، يعني المنصور، فقال له: إني قد جمعت حديث جدك عبد الله بن عباس، وما جمعه أحد جمعي، أو نحو ذا، فلم يعطه شيئاً. وقال أبو محمد الرامهرمزي في "المحدث الفاصل": وهو أول ما ألف في علم الحديث: الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد. قال: أول من صنف وبَوَّب فيما علم: الربيع بن صبيح بالبصرة، ثم سعيد بن أبي عروبة بها، وخالد بن جميل الذي يقال له العبد، ومعمر باليمن، وابن جريج بمكة، ثم سفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وصنف ابن عيينة بمكة، والوليد بن مسلم بالشام، وجرير بن عبد الحميد بالري، وابن المبارك بمرو وخراسان، وهشيم بواسط. وصنف في هذا العصر بالكوفة: ابن أبي زائدة، وابن فضيل، ووكيع. ثم صنف عبد الرزاق باليمن، وأبو قرة موسى بن طارق، وأبو قرة موسى بن طارق. أما كتابة الحديث الآن، ففرق بين كتابة الحديث وبين التصنيف. فكتابة الحديث وجمعه: أول من كتبه كما قلنا أبو بكر بن محمد بن عمر بن حزم مع الزهري، بأمر عمر بن عبد العزيز. وأما هؤلاء الذين ذكروا هنا فهو أول من صنفوا العلم، صنفوا الأحاديث، أي جعلوا أحاديث كما جعل أحمد بن سلمة أحاديث التوحيد معاً، وأيضاً صنفوا في الفقه، وصنفوا مسانيد الصحابة، هذا يعتبر تصنيفاً، ليس جمعاً فقط لأحاديث. قال: أول من صنف المسند، قال ابن عدي: إن أول من صنف المسند بالكوفة يحيى الحماني، يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو حافظ لكنه مرجئ. وأول من صنف المسند بالبصرة مسدد، هو مسدد أبو الحسن البصري. لكن قبله أبو داود الطيالسي. وأول من صنف المسند بمصر: أسد السنة. وأسد قبلهما وأقدم موتاً. من أسد السنة هذا؟ أسد بن موسى. وقال الحازمي: إسحاق بن إدريس الأسواري، يُقال إنه أول من جمع المسند بالبصرة. ويقال: أول من صنف المسند موسى بن قرة الزبيدي، معنا بالبصرة. وقال الحاكم: أول من صنف المسند على تراجم الرجال في الإسلام: عبيد الله بن موسى العبسي، وأبو داود الطيالسي، وبعدهما أحمد وإسحاق وأبو خيثمة والقواريري. وإنما لم يذكر كما قلنا العلماء مسند أبي داود الطيالسي لأنه ليس هو الذي ألفه، وإنما ألفه بعض أهل نيسابور، جمع حديث يونس بن حبيب عن أبي داود الطيالسي، وجعله في المصنف. أيضاً مسند الشافعي، مسند الشافعي أيضاً أخذ من رواية الربيع بن سليمان، أو من رواية محمد بن عبد الرحمن العُصم عن الربيع بن سليمان المرادي. قال: ذكر الحاكم في تاريخ نيسابور أن أبا جعفر عبيد الله بن محمد المسندي شيخ البخاري، إنما قيل له المسندي لأنه أول من جمع مسند الصحابة على التراجم بما وراء النهر، وراء النهر يعني: سمرقند وخراسان وغيرها. وكان عبد الله المسندي أو عبد الله بن محمد المسندي المسند الجعفي. قالوا: الذين صنفوا منهم من أفرد الصحيح، كالبخاري ومسلم، ومن بعدهما كابن خزيمة وابن حبان، ولكن كتابيهما لا يبلغ مبلغ كتاب الشيخين. فلا شك أن صحيح البخاري هو من أصح الكتب التي ألفت في الحديث، وكذلك يتبعه مسلم. وقد ذكرنا في الكتب السابقة ترجيح البخاري على مسلم. قالوا: منهم من لم يشترطوا الصحة، وجمعوا الصحيح وما قاربه، ما فيه بعض لين وضعف. وأكثرهم لم يبينوا ذلك، ولم يتكلموا على التصحيح والتضعيف. وأول من علمناه بين ذلك أبو عيسى الترمذي رحمه الله. وقد بين في كلامه هذا أنه لم يسبق إلى ذلك. وأبو داود أيضاً يعتبر في نفس سن الترمذي، لكن أبو داود أكثر ما تكلم على العِلل. قالوا: اعتذر بأن هؤلاء الأئمة الذين سماهم صنفوا ما لم يسبقوا إليه، فإذا زيد في التصنيف بيان العِلل ونحوها كان فيه اقتداء بهم في تصنيف ما لم يسبق إليه. وقد صنف ابن المديني، ويعقوب بن شيبة مسانيد معللة. وكذلك تلميذه يعقوب بن شيبة أخذ ذلك عن علي بن المديني، وألف كتاب مسند عمر معنا بالتعليلات، حتى أن بعضهم يقول أن الدارقطني أخذ العِلل من يعقوب بن شيبة، معنا أخذ من كتاب يعقوب. وهذا كلام بعيد جداً، معنا أين كلام يعقوب بن شيبة من كلام الدارقطني. يعقوب بن شيبة يأتي بشيء يسير، لكن الدارقطني يأتي بالتفصيل ويأتي بالطرق التي لم يسبق إليها. قال: وأما الأبواب المعللة فلا نعلم أحداً سبق الترمذي إليها. وزاد الترمذي أيضاً ذكر كلام الفقهاء. وهذا كان قد سبق إليه مالك في الموطأ، وسفيان في الجامع، سفيان الثوري. وكان أحمد يكره ذلك وينكره رحمه الله، أن يدخل كلام الفقهاء في الحديث، حتى لا يشتبه. قال: حتى أنه أمر بتجريد حديث الموطأ وآثاره عما فيه من الرأي الذي يذكره مالك من عنده. وكان يحمد أيضاً أن يكتب مع الحديث كلام في سيره ويشرحه. وكان يكره على من صنف الفقه كأبي عبيد وأبي ثور وغيرهما. ورخص في غريب الحديث الذي صنفه أبو عبيد أولاً، ثم لما بسطه أبو عبيد وطوله كرهه أحمد، وقال: هو يشغل عما هو أهم منه. ولكن بعد العهد بكلام السلف، وطول المدة، وانتشار كلام المتأخرين في معاني الحديث الفقه، انتشاراً كثيراً بما يخالف كلام السلف الأول، فتعين ضبط كلام السلف من الأئمة وجمعه وكتابته، والرجوع إليه، ليتميز بذلك ما هو مأثور عنهم مما أحدث بعدهم مما هو مخالف لهم. وسبحان الله، الحافظ ابن رجب مهتم بهذا الباب اهتماماً عظيماً، حتى يقال: إن بعض العلم أن فيه نفس السلف. حتى كتابه الذي ألفه "فتح الباري"، كما قال الشيخ عبد الكريم: الفرق بين كتاب "فتح الباري" ابن رجب وابن حجر. قال: كتاب ابن رجب فيه نفس السلف، معنى: يحاول أن يأتي بكلام السلف وطريقتهم. ولهذا ابن رجب من أول الناس أو من أكثر العلماء من حاول أن يعيد مذهب السلف في تعليل الحديث. حتى الحافظ ابن حجر، الحافظ ابن حجر له باع لكنه مشى على طريقة المتأخرين من ناحيته، من ناحية التصحيح والتحسين، وانتقاد العلماء والأئمة. لكن ابن رجب حاول أن يظهر مذهب العلماء، وأيضاً أن يظهر مذهب أئمة الحديث في التعليلات. وهذا الكتاب من هذا الباب، خاصة الجزء الثاني، حاول أن يظهر كيف كان العلماء يعللون الحديث. قال رحمه الله: فتعين ضبط كلام السلف الأئمة وجمعه وكتابته والرجوع إليه، ليتميز بذلك ما هو مأثور عنهم مما أحدث بعدهم مما هو مخالف لهم. وكان ابن مهدي يندم على أن لا يكون كتب عقب كل حديث من حديثه تفسيراً. وكذا الكلام في العلماء والتواريخ، قد دونه أئمة الحفاظ، وقد هجر في هذا الزمان ودرس. أي هجر: ما أجد أحد يتكلم في هذا. قال: ودرس، أي محي، ودرس: حفظه وفهمه. فلولا التصانيف المتقدم فيه لما عُرف هذا العلم، يريد علم العِلل، لما عُرف هذا العلم اليوم بالكلية. ففي التصنيف فيه ونقل كلام الأئمة المتقدمين مصلحة عظيمة جداً. أي يريد أن يبين أن هذا فيه مصلحة. وإنما كرهه أحمد حتى لا يختلط كلام الناس بكلام النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وقد كان السلف رضي الله عنهم مع سعة حفظهم وكثرة الحفظ في زمانهم يأمرون بالكتابة للحفظ، فكيف بزماننا هذا الذي هجرت فيه علوم سلف الأمة وأئمتها، ولم يبق منها إلا ما كان مدوناً في الكتب، والتشاغل أهل الزمان بمدارسة الآراء المتأخرة وحفظها. قال أبو قلابة: «الكتابة أحب إلي من النسيان». أي الكتاب، وأيضاً الإمام أحمد اهتم بالكتابة، مع أنه حافظ كبير إلا أنه اهتم بالكتابة. قال: وقال ابن المبارك: «لولا الكتاب لما حفظنا». وقال في "الخلال": أخبرنا الميموني، أنه قال لي: أبي عبد الله، يعني أحمد بن حنبل، قد كره قوم كتاب الحديث بالتأويل، قال: «إذن يخطئون إذا تركوا كتاب الحديث». وقال: «حدثون قوم من حفظهم وقوم من كتبهم، فكان الذين يحدثون من كتبهم أتقن». ولهذا كان يثني الإمام أحمد على من كان يحدث من كتبه، كان يثني على أهل البصرة كعفان بن مسلم، وحبان بن هلال، وبهز بن أسد، وأيضاً هشام الدستواعي وغيرهم، يثني عليهم بسبب كتابتهم الحديث وإتقانهم. قال إسحاق المنصوري: قلت لأحمد: من كره كتاب العلم؟ قال: كرهه قوم ورخص فيه قوم. قلت: لو لم يكتب ذهب العلم. قال أحمد: «ولولا كتابته أي شيء كنا نحن». فكتابة العلم مهمة جداً. طيب، إن شاء الله نكتفي من هذا.