الدرس في وصفدت الشياطين 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع المعنى اللغوي لكلمة شيطان على أنه البعيد عن رحمة الله، ويبين أن إبليس هو كبير الشياطين وخلقه من الجن. كما يستعرض سبب ذكره مع الملائكة في القرآن بأنه كان من الجن الصالحين فرفعه الله معهم قبل أن يعصي أمر السجود لآدم.
يتناول المقطع تفسير آية استخلاف آدم ورد الملائكة، ويروي رفض إبليس السجود لكبره وحسده. ثم يوضح تزيين إبليس لآدم للأكل من الشجرة، توبة آدم وإصرار إبليس على الغواية، مبيناً أصل العداوة بين إبليس وبني آدم.
يبيّن المقطع أن الشيطان عدو معلن لبني آدم منذ خلق أبيهم آدم، وأنه يدير حرباً منظمة بجنود وأسلحة وطرق موصوفة في القرآن والسنة. ويؤكد أن على المسلم أن يتخذ الشيطان عدواً حقيقياً، ويعرف مداخله وأساليبه ليستطيع الانتصار عليه، محذراً من مسالمته أو موالاته لأن ذلك يؤدي إلى الخسران والنار.
يشير المقطع إلى أن الدروس القادمة ستتناول عداوة الشيطان وأساليبه لبيان شدتها. ويذكر نعمة الله في رمضان بتقليص شر الشياطين وتسلسلها كفضل على الصائمين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: أخذنا في الدرس الذي مضى ما ذكره العلماء في تسفيد الشيطان في رمضان، وإن شاء الله تعالى نأخذ في هذا اليوم: من هو هذا الشيطان؟ نتعرف على الشيطان الرجيم الذي ذكره الله عز وجل في القرآن، وذكره النبي عليه الصلاة والسلام أيضا في سنته، وحذر منه، وحتى يتبين للمسلم عداوة هذا الشيطان الرجيم، ويعرف وسائسه، ويعرف عداوته وطرقه، فيتبين له أن من النعمة العظيمة التي أنعم الله عز وجل بها على عباده في هذا الشهر أن صُفدت هذه الشياطين، سواء صُفدت كما ذكرنا كلهم، وسواء بعضهم، وسواء كذلك قل إغواءهم وشرهم. وهو كما قلنا الصحيح؛ لأن المصفد والمسلسل والمحبوس أيضا له طرق بقيت، مثلا من الكلام وغيره، فهو لا زال له شيء من الإغواء، لكنه قل إغواءه وشره، وتقلص هذا الشر. فهذا الشيطان الرجيم: المراد بالشيطان، قيل له شيطانا من الشطن، من الشطن وهو البعد، مثل ما يقال شاطئ، فشطن معناه بعد. والشيطان بعيد من رحمة الله، بعد من رحمة الله جل وعلا، وصار هذا علما له، علما لكل شر، أو لكل شرير، فيقال: هذا شيطان. وسواء كان من الجن أو من الإنس أو من الحيوانات أو من غيرها، فكل هذا يعتبر أو يقال له شيطان. فأطلق هذا الاسم على إبليس، الذي ذكره الله عز وجل في قصة آدم، لما خلق الله عز وجل آدم، فإبليس وهو إبليس الأبالسة، أطلق عليه الشيطان. ربنا جل وعلا ذكره باسم إبليس في إحدى عشر آية، لكن أكثر ما كان يذكره بلفظ الشيطان، حتى صار علما له، فيقال: إبليس الشيطان، أو الشيطان إبليس. فهذا إبليس هو علم لهذا الشيطان. لكن ما هي فصيلته؟ هذا إبليس، هل هو من الجن أم من الملائكة؟ لأن في القرآن ذكر الله عز وجل الملائكة وذكر معهم إبليس، لكن قد ذكر أيضا سبحانه وتعالى حتى يعرف جنسه، فذكر أنه من الجن، ولهذا فإبليس من الجن. لكن ما علاقته بالملائكة؟ ما علاقة إبليس بالملائكة؟ لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾، ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي ذكرها الله عز وجل في إباء إبليس في السجود لآدم. فما مناسب الذكر إبليس مع الملائكة؟ فهذا الذي معروف في القرآن أن الله عز وجل استثنى إبليس، وغالبا أن هذا الاستثناء ما يسميه العلماء بالاستثناء المنقطع؛ لأن إبليس ليس من الملائكة. لكن لماذا ذكره الله عز وجل مع الملائكة؟ ذكر العلماء، كابن عباس وغيره، أنه كان لما كان من الجن الصالحين رفعه الله عز وجل حتى صار مع الملائكة. وقيل: أن الله عز وجل جعله مع الملائكة لأنه أبا للجن، معنى: خلقه الله عز وجل من نار ولم يخلق ذريته بعد، فجعله مع الملائكة في السماء، كما أن الله عز وجل لما خلق آدم جعله أيضا في السماء، ثم بعد ذلك خلق الأرض. وهذا يدل عليه الآيات التي في سورة البقرة، لما قال الله عز وجل: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾، أي: في هذه الأرض أجعل خليفة يخلفني، فقالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾. فهذه الآية أخذ بعض العلم منها أن الله عز وجل جعل أو خلق الأرض وجعل آدم فيها، وقيل: أن الآية تدل على أن هناك خلقا قبل آدم وقد سكن الأرض وأفسد فيها، فلذلك قالت الملائكة: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾، أي: أن هناك علما لتلك الملائكة بما حصل من الجن أنهم أفسدوا وسفكوا الدماء في الأرض. هكذا فسرها بعضهم وهو ظاهر. فلذلك ليس هناك عندنا يقين أن الله عز وجل خلق إبليس وخلق الجن وجعلهم في الأرض، وليس أيضا عندنا يقين أن الله عز وجل لم يخلق الأرض قبل آدم، أو قبل أن يخلق آدم أقصد، أنه لم يجعل الله عز وجل فيها من يسكنها، من يسكن هذه الأرض. فهذا لم يأتي فيه شيء عن الله عز وجل صريحا، وإنما هي استنباطات أو ظاهر آيات، أن لما قال الملائكة: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ ﴾، استدلوا بهذا على أن هناك في الأرض من كان يفسد فيها. لكن إبليس لماذا صار مع الملائكة؟ قيل: لأنه أبا لهم، وقيل: لأنه كان من الصالحين ومن عباد الله حتى رفعه الله عز وجل فجعله في منزلة الملائكة، وقيل غير ذلك. لكن المهم أنه كان مع الملائكة في السماء، فلما أمر الله عز وجل بالسجود لآدم، سجدت الملائكة كلهم، لم يتخلف أحد من الملائكة إلا إبليس. الله عز وجل ميزه، قال: ﴿ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ﴾، لم يكن من الملائكة. فأبى إبليس أن يسجد، وتكبر أن يسجد لآدم، قال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾. ظن إبليس أن النار أفضل من الطين، فتكبر أن يسجد لآدم، واختار الشقاء على السعادة لكبره ولحسده. ولهذا الناس يقولون: أن من فعل مثل هذه الأشياء فهو شيطان، حمله الكبر على الغواية، فهذا شيطان، يحمله الحسد على الغواية، هذا أيضا شيطان، يحمله الحسد على أذية الناس، أذية من يحسده، يحمله أيضا شدة الانتقام على الأذى، هذا أيضا يعتبر شيطانا؛ لأن هذا فعل الشياطين، فعل إبليس. انظر إلى هذا الفعل، وهذه العداوة العظيمة التي حصلت من هذا المخلوق العجيب. الله عز وجل خلق آدم وأمره أن يسجد له، فحس أن الله عز وجل فضل آدم عليه، فاستكبر وحسد آدم، وصار أو حلف بالله عز وجل أنه سيغوي بنيه، سيغويه ويغوي بنيه، وبدأ بآدم عليه السلام في تزيين، في تزيين له، تزيينه أو تزيين، تزيين له من الأكل من الشجرة حتى أكل آدم. والآيات معروفة في سورة البقرة وفي الأعراف وغيرها. و ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴾. حلف أنه ناصح لهم، وأن الله عز وجل ما منعه من هذه الشجرة إلا أن تكون ملكين، أو تكون من الخالدين، حتى لا تكون من الملائكة، أنا منعكم حتى لا تكون من الملائكة، أو أن تكون من الخالدين في الجنة. فزين لآدم بهذا الكلام. لكن آدم بعدما فعل، أو أكل من الشجرة، وجاءته العقوبة، ندم وتاب إلى الله جل وعلا، وعرف ذنبه، فتاب إلى الله. أما إبليس فلم يعترف بذنبه، أو اعترف لكنه لم يتُب، بل تمادى في الذنب، أصر. ولهذا من يصر في الذنوب يعتبر على طريقة إبليس، ومن يتوب ويرجع فهو على طريقة نبي الله آدم. فلذلك صارت هذه العداوة الشديدة التي أخذها هذا المخلوق العجيب، ترك الجنة وترك النعيم الذي كان فيه لأجل الانتقام من آدم، مع أن آدم لم يفعل له شيئا، لكن الحسد جعله يفعل هذه الأفعال، بل ويقسم على أنه سيضل ويغوي أمته، وطلب من ربه عز وجل ذلك الطلب، أنه ينظره إلى يوم يبعثون، فأعطاه الله عز وجل هذا الطلب. وهذه حكمة من الله، حكمة من الله جل وعلا، أن يبتلي العبد بهذا العدو الغاشم الذي لا يترك طريقا ولا مسلكا إلا سلكه لأجل غواية بني آدم وإضلالهم. فلذلك فالشيطان عدو، كما ذكر الله عز وجل في عدة آيات: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾. إن لم تتخذه عدوا فإنه سينتصر عليك. لابد أن تتخذه عدوا، تحاربه. ولهذا من تأمل في الآيات يجد كأنها حرب حقيقية، أقصد أنها مثل الحرب التي تكون بين الناس: هناك قائد وهو إبليس، هناك جنود، كما ذكر الله عز وجل: ﴿ أَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي ﴾، وذكر أيضا جنوده، وأيضا له سرايا كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، وله أيضا حزب، ذكره الله عز وجل: ﴿ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ﴾، وأيضا له أسلحة يحارب بها الناس، وطرق يحارب بها الناس، وكل ذلك موجود في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فرغ نفسه لعداوة بني آدم ولحربهم. ولهذا قال بعض العلماء من باب الاستنباط: أن الله عز وجل إذا ذكر عداوة الشيطان ذكر العداوة قبل ذكر الإنسان، أو يذكر الإنسان ثم يذكر العداوة، أقصد: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾، فيذكر الإنسان ثم يذكر عداوته، أي عداوة الشيطان. وهذا يستفاد منه الحصر: أن الشيطان ليس له عدو إلا الإنسان. ليس له عدو. لم يذكر العداوة ثم ذكر الإنسان، حتى لا تكون العداوة من الشيطان للإنسان ولغيره. لا، ذكر الإنسان ثم يذكر العداوة، ومعنى ذلك أن الشيطان خص عداوته للإنسان، لآدم وبنيه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾. معنى جعل: هناك أناس أولياء للشياطين، وهم أهل الكفر والفساد، صاروا أولياءه وجنوده، سواء كان من الجن أو من الإنس، سواء كان من الجن أو الإنس. وهل الجن كلهم شياطين؟ لا، ليس الجن كلهم شياطين. يعني: ليس الجن كلهم شياطين. وكان يطلق على الشياطين جن، لكن لأجل أن إبليس منهم، وأيضا الذين ذكرهم الله عز وجل في إغواء بني آدم هم من الجن، لكن ليس كل الجن. بل ذكر ربنا جل وعلا في القرآن أن من الجن من هم من أهل الإسلام، ومن هم من الصالحين، ﴿ وَمِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ﴾. فلذلك فعداوة هذا الشيطان عداوة قديمة، منذ أن خلق الله عز وجل آدم، فعزم الشيطان على عداوة بني آدم. والخلاصة من هذا الكلام: أننا أردنا أن نبين أولا من هو الشيطان، ثم نبين أنه عدو للإنسان، فلابد للإنسان أن يتخذ السلاح الذي يحارب به هذا الشيطان، وأيضا يعرف عداوة هذا الشيطان وطرقه. فإذا عرف عدوه، والإنسان إذا عرف طرق العدو سهل عليه المحاربة، سهلت عليه الرد، سهل عليه أن ينتصر على هذا العدو. لكن إذا لم يعرف مداخله ولم يعرف طرقه وأساليبه فإنه قد يفشل معه. ولهذا الله عز وجل لما ذكر أهل الفساد وأهل الشر وأهل الإجرام، قالوا: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾. لابد أن تتبين طريق أهل الإجرام. فالشيطان لابد أن تتبين عداوته. ولهذا الله عز وجل دائما ينبه بعداوته: ﴿ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾. أنا إذا أردت أن تنجو منه لابد أن تتخذه عدوا، لا تسالمه أبدا. فإن سالمته فإنك خاسر. فإن صرت من أوليائه فأنت معه في النار، والعياذ بالله. فلذلك ربنا جل وعلا نبه عباده وحذرهم من هذا الشيطان الرجيم. وإن شاء الله تعالى في الدروس اللاحقة نذكر أشياء من عداوة هذا الشيطان وأساليبه وطرقه، حتى يتبين لنا شدة هذه العداوة التي اتخذها هذا الشيطان الرجيم، وحتى يعرف نعمة الله عز وجل عليه، خاصة في هذا الشهر، من تقلص شر هؤلاء، وكذلك أيضا حبس ربنا جل وعلا وتصفيد وتسلسل هذه الشياطين، وأنها نعمة على العبد الصائم من الله سبحانه وتعالى. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.