الدرس في وصفدت الشياطين 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المحور صفة الكذب وإخلاف الوعد كسمتين ملازمتين للشيطان، مستدلاً بآيات قرآنية ومواقف تاريخية ككذبه على آدم عليه السلام وتخليه عن سراقة بن مالك يوم بدر. ويؤكد أن الشيطان خذول لا يفي بعهد أبداً مهما ادعى النصح أو الحماية.
يسرد المحور قصة عابد بني إسرائيل الذي أغواه الشيطان تدريجياً حتى أوقعه في الزنى والقتل والكفر ثم تبرأ منه، وقصة أبي هريرة مع الجني الذي دل على آية الكرسي فصدقه النبي ﷺ ووصفه بالكذوب. ويحذر من تصديق الجن في الرقية لكونهم يكذبون ليفرقوا بين الأحبة.
يبين المحور أن أصل كلام الشيطان الكذب، مستعرضاً هدي النبي ﷺ والسلف في التعامل مع الجن والممسوسين بالقراءة والضرب لا بالحوار. ويحذر من ظواهر العصر كتكلم الجن على ألسنة السحرة وأصحاب القبور لإضلال الناس، مستشهداً بقصة عبد القادر الجيلاني في رد وسوسة إبليس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكرنا في الدرس الذي مضى بعض صفات الشيطان الرجيم، ونكمل أيضًا في ذكر صفاته. فمن صفاته الملازمة له، والتي دلت عليها الآيات والأحاديث، وأنها صفة له لازمة لا تنفك عنه إلا أحيانًا، ألا وهي صفة الكذب وإخلاف الوعد؛ لأن إخلاف الوعد يعتبر من الكذب عن الذي يعد وهو في نيته أنه يخلف، فيعتبر كاذبًا. فلهذا فهذه الصفة صفة لازمة في الشيطان الرجيم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾. معنى يعدهم: بالكذب، يعدهم ويمنيهم، يعدهم أي يقول له في فكره: أنك ستبلغ كذا، ستكون كذا، ستكون رئيسًا، ستكون كذا وكذا، يمنيه أو يعده. وأيضًا يعطيه أماني، وأنك إذا فعلت كذا ستستفيد، وستفعل وتفعل، فوعودات وأماني كاذبة. يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا. فبالأماني يزين لهم أعمالهم، وبالوعود يجعلهم يطمئنون للنتائج، فيأخذ عليهم، كأنه يأخذ قلوبهم فيمنيهم. فبهذه الأماني، كما قلنا، يحصل عندهم شيء من التفاؤل بمثل هذه الأشياء، فيزين لهم هذه الأعمال، يزين لهم هذه الأعمال بالأماني التي يذكرها، ويجعل في قلوبهم الثقة بالوعيد أو بالوعد. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾. وأول ما كلم هذا الشيطان الرجيم أبانا آدم، كذب عليه. أول خطة فعلها مع أبينا آدم، إن الشيطان ينفذ خططه بالكذب والوعود الكاذبة. فلهذا أول ما جاء إلى أبينا آدم كذب عليه. الله عز وجل نهى أبانا آدم أن يأكل من الشجرة، فجاء إليه وكذب، فقال له: إن الله عز وجل ما نهاكم عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. أن هذه الشجرة خاصة، ما يأكل منها إلا الملوك أو الملائكة أو من كان خالدًا. إذا أردت أن تخلد ولا تموت، فكل من هذه الشجرة. فكذب على أبينا آدم بهذا، وأقسم أنه ناصح له. وأبونا آدم عليه السلام لم يكن يظن أن هناك من يكذب، فلهذا صدق كلامه، صدق كلامه على أن هذه الشجرة هي شجرة الخلد، وملك لا يبلى ولا يذهب ولا يفنى. فلهذا أكل منها، أخذ بكلام هذا. لكن آدم تاب إلى الله عز وجل، وندم على ما فعل، وقال: رب اغفر لي. وقال الله عز وجل: ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾، وقال: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. لكن الشيطان لم يتُب من الكذب، ولا من الاستكبار، ولا من الحسد، بل بقي على ذلك، وينفذ خططه بالكذب. بل أساس الخطط التي يبنيها هو الكذب والوعود الكاذبة. فلهذا نذكر مثالًا في القرآن كذب فيه الشيطان على الكفار، وهو في غزوة بدر. الله عز وجل قال: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ﴾. معنى: وعود، وأيضًا يعدهم أنهم لا يغلبون أبدًا لأنهم أقوياء، وأيضًا أنا معكم وجار لكم. وجاء في سيرة ابن إسحاق بإسناد لا بأس به، وذكره أيضًا الطبراني وغيره، أن الشيطان جاءهم في صورة سراقة بن مالك الكناني، سراقة بن مالك الكناني، وهو رئيس بني كنانة، وبنو كنانة كانوا من أشرس العرب في الحروب وفي كذا. فلهذا قال لهم: أنا جار لكم، معنى: أنتم أقوياء، وأيضًا سأكون لكم دعمًا في الحرب. بل وخرج معهم حتى جاء إلى الميدان، ميدان المعركة وهو في بدر. فقال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ﴾. فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه. لما جاءوا إلى بدر، رأى هذا الشيطان الملائكة، رأى الملائكة تتنزل مع أهل الإيمان، فنكص على عقبيه؛ لأنه فقط أراد أن يستدرجهم إلى هذه الحرب رجاء أن يقتلوا أهل الإسلام. فلهذا أججهم على هذه الحرب، وكان ينفخ في أبي جهل حتى أخرج صناديد قريش معه، حتى من كان لا يريد أن يخرج، كأبي بن خلف، فأخرجه أبو جهل بالتعيير. وكذلك أيضًا الوليد بن المغيرة، ما كان يريد حربًا، بل حتى لما كان في بدر كان يقول لهم: إن تريدون نصيحتي فارجعوا، ارجعوا بأموالكم وأهاليكم. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول وهو في بدر: «اتبعوا صاحب الجمل الأحمر»، يرشد صاحب الجمل الأحمر، وهو الوليد بن المغيرة، والد خالد بن الوليد رضي الله عنه. فالمهم أن الشيطان لما جاء إلى مكان المعركة رأى الملائكة، فنكص على عقبيه، أي رجع وهرب. فرآه هؤلاء الكفار، قالوا له: ما لك؟ ألم تعدنا أنك معنا؟ فقال: ﴿ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ﴾. وهو هنا كذب أيضًا، هو لا يخاف الله. لو كان يخاف الله لسجد لآدم، لو كان يخاف الله لما تجرأ على ربه جل وعلا بالكبر، وحسد بني آدم، أو حسد آدم وغير ذلك. بل أقسم على أنه مع أن الله عز وجل توعده بجهنم فلم يبالي. فلو كان يخاف الله لما تجرأ على هذا، على هذه الجرأة العظيمة مع ربه جل وعلا. لكن الله عز وجل له الحكمة البالغة سبحانه وتعالى، ولعل لنا مجلسًا إن شاء الله تعالى نذكر ما هي الحكمة من خلق هذا الشيطان الرجيم. قد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أحكامًا كثيرة في خلق هذا الشيطان، خلق إبليس، معنى له أحكام عظيمة. طيب، فكذب عليهم، وقال في قوله: ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾، وهو لم يخاف الله عز وجل. وكذب أيضًا، ووعدهم أنه سيكون معهم وقدلهم. ولهذا الله عز وجل في آيات عدة يقول: ﴿ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾. يخذل أصحابه، ويخذل من وعده، لا يفي بوعده أبدًا، بل يعد ويكذب ويخذل. أيضًا مما يذكر وهو بيان لخطواته، خطوات الشيطان وكيف يتدرج مع بني آدم، مما يذكر أيضًا في هذا من الوعود الكاذبة والكذب الذي اقتحف به هذا الشيطان، ما ذكره كثير من المفسرين عن ابن عباس وعن غيره، أنه في سبب نزول قول الله جل وعلا، أو في نزول قول الله جل وعلا: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾. فكذب في قوله: ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾، وأيضًا الوعود التي وعدها لهذا الرجل، كان يعده ويمنيه وأنه سيخرجه من معزقه بعدما أوقعه فيه. وهكذا الشيطان، لنس ذكر معنا هذه القصة باختصار. هذه القصة حصلت في بني إسرائيل، أن ثلاثة نفر من بني إسرائيل كانوا معهم أخت، وهذه الأخ كانت شابة وجميلة. جاءت الظروف عليهم أن يسافروا لأجل العمل ولأجل غيره، لكن احتاروا في أختهم أين يذهبون بها معنا، ما سيأمنون عليها من هؤلاء الذئاب وغيره، معنا أقصد من أهل الشهوات وأهل الباطل، معنا أنهم سيعتدون عليها. فقالوا: لا مكان لها نأمن فيه إلا عند العابد الفلاني. كان عابد عندهم في بني إسرائيل يعرفون صدقه. فقالوا: نتركها عنده، فنحن نأمن أن تكون عنده. فذهبوا إليه وكلموه، فقال لهم: لكن لا تدخل علي الصومعة، تجلس خارج الصومعة. فرضوا بذلك أنها تجلس في ظل شجرة أو ما يكون في الخارج، ويأتيها بأكلها يضعه في طرف الصومعة وتأتي تأخذه. فكان زمانًا على هذا، يأتي لها بالطعام على الظهر، كانت عنده مزرعة وكذا، فيأتي لها بطعامها تأخذه وتمشي إلى مكانها. فجاء، جاء الشيطان وسول، سول له، قال له: لما تجعل هذه البنت في خارج الصومعة؟ قد يكون عليها شمس، عليها كذا، وتتأذى، وقد يأتي عليها الذئاب. فلماذا لا تدخلها عندك؟ فوجد لهذه الفكرة في رأسه، فأدخلها عنده. ثم جاءه الشيطان، وما كان ينظر إليها. ثم جاءه الشيطان وقال: لماذا تجعلها تأكل وحدها وكذا؟ إلى أن أكل معها، وهكذا حتى وقع في الحرام، زنا بها. ثم حملت هذه المرأة، حملت هذه المرأة وولدت. فاحتار هذا الرجل، والعابد، كيف يفعل؟ لو جاء إخوتها ووجدوا أنها معها ولد، فمن أين سيأتي هذا الولد إلا من هذا العابد؟ فجاءه الشيطان وقال له: اقتل الولد واقتلها، حتى إذا جاء إخوتها قل لهم: قد ماتت، وأنت صادق، وأنت صادق في قولك. اقتلها وتخلص منها. والمهم لما فعل ذلك جاء إخوتها، وأخبرهم أنها ماتت، فصدقوا. لكن جاء الشيطان إليهم في المنام، يأتي إليهم في المنام ويخبرهم أن هذا الرجل قد قتل أختكم وجنى بها. فذهبوا وأخبرهم بقبرها، معنى عرفوا قبرها. فذهبوا فحفروا القبر، فوجدوا عندها غلامًا. فعرفوا أن هذا الرجل قتلها. فلما عرف أنهم عرفوا، قال: كيف أفعل؟ هم الآن سيقتلوني. فزين له أنه يخرج من الإسلام، معنى بالخالص يكفر بالله عز وجل، ويذهب إلى مكان بعيد حتى لا يقتلوا، خوفًا من قتلهم. فكفر بالله عز وجل، وعده هذا الشيطان أنه يخرجه ويعمل له حلًا لهذه القضية، لكن الحل أنه يكفر ويعبد الأصنام وغير ذلك إلى آخر معنى. فمثل ما ذكر الله عز وجل: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾. فهذا من وعوده وكذبه. وقد أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام كما قد ذكرنا قبل في حديث أبي هريرة، عندما جاءه ذلك الجن ويأخذ تمر صدقة، فأمسكه في الليلة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه سيعود». حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «تدري يا أبا هريرة من تكلم منذ ثلاث ليال؟ إنه الشيطان». معنى: الذي تكلمه هذا الشيطان، معنى: جني من الشياطين. ثم أخبره أيضًا قبل هذا، أخبره الشيطان أنه يقرأ بآية الكرسي. فهذه الحادثة حصلت لجماعة من الصحابة، حصلت لجماعة من الصحابة، حصل لهم هذا الأمر. جاء نبي أيوب الأنصاري، وذكر أيضًا البيهقي وابن أبي الدنيا عن معاذ وغيرهم. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لهم: «صدقك وهو كذوب». وهذا هو الشاهد: «صدقك وهو كذوب». عن الأصل أنه كذاب، وكذوب صفة مبالغة أنه من صفته الكذب. لكن «صدقك» هنا لأجل يخلص نفسه، معنى: أراد أن يخلص نفسه، لأنه في الليلة الثالثة أبو هريرة لم يفك، أمسكه، قال: ما سأفكك حتى أذهب بك إلى رسول الله، معنى: سأوثقك، سأربطك الآن، والصباح أذهب بك إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. فحاول معه، فلم يطعه أبو هريرة رضي الله عنه. ثم أنه قال: سأخبرك بشيء تحتز به من الشياطين، فذكر له آية الكرسي، فإنك إذا قرأتها في الليل أو قبل أن تنام، فإن الله عز وجل يحفظك من الشياطين حتى تصبح. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقك وهو كذوب». معنى هذا: صدق فيها، لكنه هو كذوب أصلًا، كذاب، صفته الكذب. فلهذا لا ينبغي للشخص أنه يصدق هذا الشيطان. كذب على قوم نوح حتى جعلهم يعبدون الأصنام، كذب أيضًا على النصارى حتى جعلهم يعبدون عيسى، وكذب أيضًا، كل شرك وبلاء كان سببه هذا الشيطان وكذبه ووعوده. ولهذا لا يجوز للمسلم أن يصدق هذا الكذاب، فكلامه كذب. وكذلك أيضًا كلام جنوده وبنيه من الشياطين. فلهذا من باب التنبيه، أن كثيرًا ممن يقرأ على المصروعين تجد أنه يصدق الجن، وهذا غفلة، هذه غفلة من هؤلاء القراء. يصدق الجن فيكلمه، والجن يقول له: ذهب فلان، وخرج فلان، وأن هذا السحر الذي وضعه فلان، والذي ذهب عنده فلان، يحكي له قصة كبيرة، وكلها كذب، وإنما يريد أشياء منها. ولهذا الغالب أن هذا الجن يذكر أحب الناس إلى هذا الشخص، إما زوجته، وإما أباه، وإما أمه، وإما أحب الناس إليه، يذكره وأنهم سحروا، أو صديقًا له، لأجل أن يفرق بينه وبين هذا المحبوب له. فلهذا تجده يكذب، يقول: فلان الذي وضع السحر، أو يأتي بساحر معروف، لكن من الذي ذهب إلى هذا الساحر؟ يقول له: فلان، فلان الذي ذهب إليه، وهو كذب أيضًا، وإنما يريد أن يفرق. لأن الشيطان أعظم شيء، أو من أهدافه العظيمة التي يسعى إليها، هو التفريق بين الأحبة، التفريق بين الأحباب. ولهذا جاء في صحيح مسلم في حديث جابر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، جنوده، يبعث سراياه إلى الناس، فأعظمهم عنده منزلة، أعظمهم فتنة، أعظمهم عنده منزلة، أعظمهم فتنة». وجاء في رواية التفصيل: قال: «فيأتيه الجني فيقول: فعلت كذا وفعلت كذا، فيقول: ما فعلت شيئًا. فيأتي الآخر فيقول: فعلت كذا وفعلت كذا، فيقول: ما فعلت شيئًا. فيأتي آخر فيقول: لم أزل به حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيضمه ويلتزمه، ويقول: أنت، أنت». معنى: أنت الذي فعلت الذي أريده. لأن تفريق الزوج عن زوجته هدم للأسرة، معنى: من أسباب هدم الأسرة العظيمة هو تفريق الزوج عن زوجته. فلهذا يسعى الشيطان إلى الخصومة بين الزوجين وبين الأحبة. فالشيطان يأتي بكذب، ولهذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يكلم الجن. أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من أناس، أخرج منهم جنيًا، لكن لم يكلم الجن أبدًا، وإنما يأمره بالخروج فقط. في حديث عثمان بن أبي العاص، قال: يا رسول الله، إني أجد شيئًا في صدري. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك جني». فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره ونفث فيه، وقرأ المعوذات، وقال: «اخرج عدو الله». فخرج منه الشيطان. قال عثمان: فما وجدت بعد ذلك ذلك الذي كنت أجده. وجاءت أيضًا امرأة بصبي كما في مسند الإمام أحمد، جاءت بصبي قد مسه الشيطان، فرقاه النبي صلى الله عليه وسلم وأخرج الشيطان منه. فلم يكلم الشيطان. لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عن الصحابة أنهم كانوا يكلمون الجن، ولا أيضًا حتى للأئمة، لا عن الإمام أحمد ولا عن غيره. كان الإمام أحمد فقط يقرأ عليه. أو جاء في ذكر المروذي عنه، ذكر كان يقرأ على جن، فقال: لا أخرج حتى يأتي أحمد. هذا الجن يقول: لا أخرج، كان يقول له المروذي: «اخرج عدو الله»، فكان يقول: أنا ما سأخرج حتى يأتي أحمد. فأخبر المروذي أحمد بذلك، فأعطاه عليه، أعطاه عليه، فذهب، فقال: هذا أنا علي أحمد، ويقول له: اخرج. فقال: سمعًا وطاعة لمن أطاع الله، فخرج. وأيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان يقرأ أيضًا على الممسوسين، لكن ما كان يكلم الجن، وإنما كان يضرب، كان يضرب الممسوس. أما الكلام، ما كان يكلم. وما حصل الكلام إلا في العصر هذا، أو في العزمة المتأخرة، يكلمون الجن، فيستمتعون بالكلام الذي يكلمهم به. والغفلة كما قلنا، أنه يصدق مثل هذا، فهذا خطأ كبير، أنه يصدق الجن في مثل هذه الأمور أيضًا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وصفه بالكذب، قال: «صدقك وهو كذوب». فأصل كلامه الكذب، الأصل في كلام الشيطان أنه كاذب. كذلك أيضًا ما ذكره العلماء، أنه يكذب كثيرًا على من يستغويهم في الشرك بالله جل وعلا. انظر في الأصنام، لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث في صحيح مسلم، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، قال له: «يا خالد، اذهب واهدم العزى». فذهب خالد إلى مكان يسمى الشلال، قرب الطائف، فيه العزى التي كان يعبدها آل سفيان، فذهب خالد رضي الله عنه وكسر البناء الذي كان فيه، وكان هؤلاء بعضهم يقولون: يا عزى، عوريه، يا عزى، قدليه، فعناء، يقولون: هذا، يا عزى ستفعل به شيئًا. فكسر البناء، خالد رضي الله عنه، وخرج. فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قد كسرت ما كان يبنونه أو ما بنوه. فقال: «ما فعلت شيئًا، اذهب واقتل العزى» أو كذا. فذهب خالد، فلما ذهب رأى امرأة عارية ناشرة شعرها، وكانت هذه جنية، على هذه الجنية التي كانت تكلمهم في القبر. فلما رأى خالد، جللها بالسيف حتى قتلها، قتل هذه الجنية التي كانت تلعب بهم على أنها إله. وهكذا أيضًا يحصل عند القبور الآن، الذين يتمسكون بالقبور، يأتي الشيطان ويتكلم على أنه الولي الفلاني، يضل الناس. مثل ما قالوا: أحمد الرفاعي، جاء، جاء، أو جاءه النبي عليه الصلاة والسلام وزاره، وأراد أن يصافحه، فأخرج أحمد الرفاعي يده. من هذا الكلام الذي يتم به، وأنه كان يكلم الزوار ويفعل ويفعل، وكله كذب، وإنما يفعل هذا الجن لأجل أن يضل الناس. ولهذا كما قال شيخ الإسلام: ما تجد قبرًا يعظم من هذه القبور إلا وعنده الجن، إلا وعنده الجن. وهذا بحسب استخدام هذا الشخص للجن، أو من يستخدمهم من السدنة، فقد يكون استخدامه قويًا جدًا في استخدم هؤلاء الجن حتى يرفعوه، حتى يفعلوا الذي يريده منه، ويطلبه منه الناس. وأيضًا كذلك يفعل مع السحرة، كان كما ذكر شيخ الإسلام، كان قال بعض السحرة في دمشق يطلبون منه الشيء فيوفره، حتى أنهم طلبوا منه حلوى من دمشق، فجاء بهم، جاء بها إليهم. فلما سألوا في دمشق، قالوا: أنها أخذت عليهم دون أن يعلموا من الذي أخذها، معنى: أن سرقوها، سرقتها الجن. ولعله إلى زمن قريب نحن نسمع برجل يقال له: هام الطيور. هذا الرجل أيضًا ساحر، كان يقول لأصحابه: تريدون؟ يقولون: نريد حلوى مثلًا من مكة وكذا، هو في دوعة، فيرسل الجن والشياطين إلى ذلك المكان، ويأتون بالحلوى. حتى بعضهم راح وسأل الرجل في يوم كذا: من جاء عندك؟ قال: جاءني رجل غريب وأخذ أكثر الحلوى التي عندنا. والمهم يستخدمون هؤلاء الجن لأجل إضلال الناس، معنى: السحرة يستخدمونهم، لأن السحرة عملهم كله بالجن والشياطين. وكذلك هؤلاء أصحاب القبور الذين يسمون أولياء وغيرهم، أيضًا الشيطان يسيطر على القبر، وأحيانًا يكلم من يأتي، ويطلب منه شيئًا، ويعدهم، وأشياء من هذه القبور تحصل عندها مثل هذه القبور، ويظنون أن هذا الولي الذي يتكلم. وأيضًا مما يفعله هؤلاء الجن والشياطين، أنهم يمنون بعض العباد حتى يظلونهم. حتى أنه ذكر شيخ الإسلام عن الجنيد، الجنيد، معنى: كبار الصوفية، لكنه كان معتدلًا على الكتاب والسنة، لكن عنده شطحات. جاء عن الجنيد أنه قال: كان يمشي فسمع أحد يقول له: يا عبدي، الجنيد، لا، ليس الجنيد، عبد القادر الجيلاني، قال له: يا عبد القادر، أحللت لك ما حرمت على الناس، أنا خلاص الآن أحللت لك. لأن هناك من الصوفية من يصدق مثل هذا الكلام، فيفعل المحرمات ولا يبالي، على أنها حلال له. فقال له: أحللت لك ما قد حرمت على الناس. فقال: اخسأ عدو الله. قال: اخسأ عدو الله، فذهب. فقال الشيخ عبد القادر: كيف عرفت أن هذا شيطان؟ فقال: الدنيا لم تحل، أو هذه المحرمات لم تحل نبينا عليه الصلاة والسلام، فكيف ستحل لي؟ هذا نبينا عليه الصلاة والسلام لم تحل له المحرمات، فكيف سيحلها الله عز وجل؟ وهذا لاتباعه، رضي الله ورحمه الله. والمهم أن كذب الشيطان قد فعل به الأفاعيل، وهو كما قلنا أصل خططه وأصل ضلاله للناس. نسأل الله عز وجل أن يجنبنا الشيطان، ويجنبنا نزغاته ووساوسه. والحمد لله رب العالمين. إياك الله.