الدرس في وصفدت الشياطين 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع قصة إبليس واستكباره عن السجود لآدم كمنشأ للكبر، معرفاً إياه بـ «بطر الحق وغمط الناس». ويبين أن الكبر مانع من دخول الجنة حتى لو كان بمثقال ذرة، بينما التواضع هو طريق الرفعة الحقيقية.
يوضح المقطع أن الكبر من صفات الشيطان وأهل النار، وأن المتكبرين يحشرون صغاراً يوم القيامة ويعذبون في الدنيا والآخرة. كما يؤكد أن الكبر نوع من الكفر يوجب دخول النار، محذراً من التعالي على الناس واحتقارهم.
كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الكبر في كل صباح ومساء، داعياً ربه أن يخرج الكبر من القلوب ويمنح التواضع. ويؤكد المقطع أهمية الاستعاذة المستمرة من الكبر والسؤال الدائم لله بالتخلص منه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن سفاهات عدو الله إبليس التي ذكرها الله عز وجل في القرآن: الاستكبار، الكبر والاستكبار والإباء. فإن ربنا جل وعلا ذكر من سفاهاته أنه مستكبر، فقال جل وعلا: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾. فإبليس استكبر على الله جل وعلا وأبى ورفض أمر الله سبحانه وتعالى فلم يسجد لآدم. وأما الملائكة فهي مطيعة لربها جل وعلا فسجدت لآدم ولم تأنف ولم تستكبر. وأما هذا الشيطان الرجيم فتكبر على الله، بل قال: خُلقتُ من نار وخُلقَ من طين، فلهذا استكبر وظن نفسه أنه شيء، فطرده الله عز وجل من جنته، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾. فالله عز وجل بيّن له أن الجنة لا يكون فيها متكبر، المتكبر لا يكون من أهل الجنة أبداً بل هو من أهل النار. ولهذا يقول نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم في حديث عبد الله بن مسعود: قال عليه الصلاة والسلام: « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ». سبحان الله، معنى مثقال ذرة: شيء يسير. فصل الله السلام والعافية. فأي أن الكبر إذا كان في قلب العبد لا يصلح أن يكون في الجنة حتى يذهب هذا الكبر منه، لأن المتكبر يعلو بنفسه على خلق الله جل وعلا. فالكبر كما عرفه النبي عليه الصلاة والسلام في نفس الحديث، حديث عبد الله بن مسعود، فقال رجل بعدما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر »، فقال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه نظيفاً ونعله نظيفاً، قال: « الكبر... »، معنى أن هذا ليس من الكبر، قال: « الكبر بطر الحق وغمط الناس ». الكبر: بطر الحق، أي دفعه، ما يقبل الحق، يتعالى حتى على الحق. فقال عليه الصلاة والسلام: « الكبر بطر الحق وغمط الناس ». غمط الناس: احتقارهم وازدراءهم، يرى نفسه أنه شيء، مثل ما فعل الشيطان، فرأى أنه أحسن من غيره، يرى أنه في منزلته عظيمة، يعني يرى له رفعة في نفسه، مع أنها الرفعة إنما تكون من الله جل وعلا. ولهذا جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة، من حديث عياض بن حمار، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: « إن الله أوحى إلي أن تواضعوا، إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر بعضكم على بعض ولا يبغي بعضكم على بعض ». لا يفخر، لا يتكبر أحد على أحد، معنى لا يتكبر على المسلم مثله، معنى مثله يصلي ويصوم فيقوم ويتكبر عليه، فليس هذه الرفعة، بل الرفعة في التواضع، يرفعك الله عز وجل بتواضعك لخلق الله. إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر بعضكم على بعض ولا يبغي بعضكم على بعض. ولهذا أيضاً كما ذكرنا أن الله عز وجل لم يجعل الجنة لمتكبر. ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث واهب بن حارسة في صحيح مسلم، ذكر أهل الجنة وأهل النار، فذكر أهل النار قال: « كل غليظ جوظ مستكبر ». كل غليظ جوظ: غليظ أي قاسي، جوظ أيضاً غلظته شديدة. كل غليظ جوظ مستكبر، هذا أهل الجنة أو أقصد أهل النار، هؤلاء أهل النار هم المتكبرون. وجاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: « اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، لما يدخلني المتكبرون والجبارون؟ واشتكت الجنة إلى ربها وقالت: يا رب، لما يدخلني الضعفاء؟ فقال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب به من أشاء من عبادي. فقالت النار: ما لي يدخلني الجبارون والمتكبرون؟ هذا محلهم وهذا مكانهم مع الشيطان الرجيم لأنهم أخذوا صفته ». ولهذا من حنقه ومن حسده ومن انتقامه على بني آدم أنه ينفخ في بني آدم بالكبر، ينفخ في بني آدم، ينفخ في قلبه في صدره، يجعله يظن أنه شيء، أنه كذا، وأنه له رفعة، وأنه كذا. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كما في السنن، حديث أبي هريرة وغيره، أمرنا بالاستعاذة من نفخ الشيطان، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: « أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من نفخه ونفثه وهمزه ». فنفخ الشيطان هو الكبر، نفخ الشيطان هو الكبر، ينفخ في بني آدم حتى يظن نفسه أنه أعلى من غيره فيتكبر على خلق الله ويحتقر الناس. فلهذا استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من نفخ الشيطان وهو الكبر الذي يلقيه على بني آدم. فلهذا فصفة الكبر صفة خبيثة، صفة من صفات الشيطان الرجيم. ومن هذا الكبر صارت أيضاً من صفته أنه مطرود ملعون، طرده الله عز وجل من جنته سبحانه وتعالى، فمن صفاته أنه المطرود الملعون من رحمة الله جل وعلا. وكل من اتخذ أو اتصف بصفته فهو يتبعه، إلا من اتبعك من الغاوين. فربنا جل وعلا جعل جهنم لإبليس ومن اتبعه، فقال: ﴿ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿ وَالْحَقُّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾. فلهذا المسلم ينبغي أن يتنزه عن الكبر، يحاول بقدر المستطاع أنه لا يحتقر الناس ولا يفخر على الناس. معنى الكبر يأتي به الفخر ويأتي به أيضاً احتقار الناس والطعن في الأنساب. ولهذا نبينا عليه الصلاة والسلام قال: « خصلتان في أمتي هما بهم كفر، خصلتان في أمتي هما بهم كفر: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب ». لأن هذا محل الكبر، والكبر أصله في النار، والكبر أيضاً هو الكفر. ولهذا الله عز وجل دائماً يقول: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾. فلهذا فمن أعظم ما يكون به الكفر هو الكبر. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن من أقسام الكفر: كفر الإباء والتكبر، كفر الإباء والتكبر. فالله عز وجل لا يجعل الجنة لمن يتكبر، بل يذله يوم القيامة، حتى يحشر الله عز وجل المتكبرين، يحشر الله عز وجل المتكبرين كأمثال الذر، يحشرهم في أرض المحشر كأمثال الذر صغاراً لهم، وأيضاً احتقاراً لهم لأنهم احتقروا عباد الله جل وعلا. ولهذا قال الله عز وجل لإبليس: ﴿ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾. فمن كان متكبراً فإنه يعذبه الله ويكون من الصاغرين، وأيضاً يكون من أهل النار. في صحيح مسلم، حديث أبي هريرة، النبي عليه الصلاة والسلام قال: قال الله عز وجل: « الكبرياء إزاري والعظمة ردائي، فمن نازعني فيهما عذبته ». من ينازع الله عز وجل في الكبرياء يعدمه الله عز وجل. ولهذا الشيطان لما اختار هذه الصفة الخبيثة، حده الله أو أوعده الله عز وجل بالنار، هو ومن اتبعه، هو ومن اتبعه من عباد الله من بني آدم أو من الجن، فكلهم في نار جهنم والعياذ بالله. فلهذا فهذه الصفة من الصفات التي ينبغي أن العبد يتقيها. فإذا رأى في نفسه شيئاً من التعالي على عباد الله، يرى نفسه أنه أفضل من غيره، أنه أحسن من غيره، أي أقصد في معنى الرفعة: أن أنا لست مثل فلان، أنا كذا، فهذا خطأ، فهذا يؤدي إلى الكبر، العياذ بالله. والمسلم ينبغي أن يبعد الكبر عن قلبه بشتى الوسائل، يتواضع لخلق الله جل وعلا، يتواضع للحق إذا جاءه الحق، ولو كان من أصغر منه، إذا جاءه الحق ولو كان من عدوه لكنه حق فإنه يقبله. فلهذا لا يتكبر على الحق، وهذا من أعظم الكبر: أن العبد يتكبر على الحق، على شرع الله، على مثلاً أنه يتخاصم في شيء فيعرف أن هذا الحق فيتكبر، لماذا؟ لأن هذا كيف يكون الحق لفلان وهو ليس مثلي أو ليس بمنزلتي، فلان يكون له الحق علي وفلان كذا، فهذا من الكبر الذي لا يجوز للمسلم أن يكون معنى أن يجعله في قلبه. فإن الجنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ». فلهذا فينبغي للمسلم أن لا يكون متابعاً لهذا الشيطان الرجيم، فكل الوسائل التي تؤدي إلى الكبر ينبغي المسلم أن يبتعد عنها، يبتعد عنها حتى لا يقع بعد ذلك في قلبه كبر. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يبين أن الرفع ليس في التكبر، الرفع ليس في الإباء، وإنما الرفع في التواضع، الرفع في الرفق والرحمة. ولهذا جاء في الحديث، حديث أبي هريرة الذي تقدم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: « وما تواضع أحد لله إلا رفعه، وما تواضع أحد لله إلا رفعه ». فالتواضع هو الرفع عند الله جل وعلا، والتكبر وضعه عند الله، يضع صاحبه إما في الدنيا وإما في الآخرة. فأما من تكبر على عباد الله فإنه يضعه الله عز وجل في الدنيا قبل الآخرة. وقد جاء في الحديث الذي في سنن أبي داود والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: « إن الله عز وجل عجل عقوبة البغي، البغي عجل عقوبته ». فالبغي هذا الذي يتكبر على غيره ويظلم الناس ويأخذ حقوقهم، يستحل لنفسه أنه يأخذ حقوق هؤلاء لأن هؤلاء ضعفاء، ولأن هؤلاء مثلاً يرى أنهم لا يستحقون هذا الشيء، فيرى لنفسه أنه يستحق، فيظلم هؤلاء من عباد الله من أهل الإسلام، فيأخذ حقوقهم ويأخذ أشياء ليست له لأجل أن هؤلاء لا يستحقون. فهذا كله من الكبر الذي جعله الله، الذي نفخ فيه الشيطان في قلب هذا العبد. فنسأل الله عز وجل أن يجنبنا الكبر. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا يستعيذ منه، وفي كل يوم كما جاء في الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: « أصبحنا وأمسى الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، اللهم إني أعوذ بك من الكبر ». استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم في صباحه ومسائه من الكبر. فاستعيذوا بالله عز وجل من الكبر. نسأل الله عز وجل أن يخرج الكبر من قلوبنا ويجعلنا متواضعين له سبحانه وتعالى، والحمد لله رب العالمين.