وصفدت الشياطين 9

وصفدت الشياطين 9

الدرس في وصفدت الشياطين 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير من صد الشيطان عن الصراط المستقيم

يوضح المتحدث أن خطر الشيطان الأكبر هو صد العباد عن سبيل الله المستقيم مستشهداً بآيات قرآنية وحديث ابن مسعود، ويضرب مثلاً بتفسير ابن عباس لآية الجنة التي أحرقها الإعصار مبيناً أن الأعمال الصالحة قد تُبطل إذا صرف الشيطان صاحبها عنها.

صد الشيطان للعبد عن الخير وسبل مقاومته

يبيّن المقطع أن الشيطان يصد الإنسان عن سبيل الله إما صداً عاماً بترك الدين أو الاستقامة وإما صداً خاصاً بتشويش الأعمال، ويؤكد أن المعركة الحقيقية هي في مقاومة هذا الصد وتحقيق الخشوع بتذكر الآخرة.

محاربة الشيطان للمؤمنين والتغلب عليه بالإخلاص والتواضع

يستعرض المقطع كيف يحاول الشيطان صد العبد عن الخير حتى في لحظات الموت مستشهداً بقصة الإمام أحمد بن حنبل وعمر بن الخطاب، ويبين أن المؤمن الصادق المخلص يغلب الشيطان دائماً بإخلاصه وتواضعه.

ضعف كيد الشيطان ויأسه أمام عزيمة المؤمن

يؤكد المقطع أن كيد الشيطان ضعيف وسرعان ما ييأس وينسحب عندما يواجه مؤمناً قوي العزيمة، فلا يستطيع الشيطان أن يصد المؤمن أو يوقفه، ويختتم بالتأكيد على أن الله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، فممّا أخذنا من تحذيرات الله عز وجل من الشيطان أخذنا بالأمس اتباع الخطوات، وكذلك أيضًا من التحذيرات التي حذرنا الله عز وجل من الشيطان أنه لا يصدنا عن الخير، لا يصدنا عن سبيل الله، لا يصدنا عن دعوة الله، فهذا أيضًا مما حذر الله عز وجل عباده من الشيطان أنه لا يصدهم. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَصُدَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾. وذكر ربنا جل وعلا هذه الآية بعدما ذكر صراطه المستقيم، فقال جل وعلا: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَا يَصُدَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾. يصدكم عن سبيل الله، يصدكم عن الصراط المستقيم. قد ذكرنا بالأمس حديث عبد الله بن مسعود عندما خط النبي صلى الله عليه وسلم خطًّا طويلًا وقال: «هذا صراط الله»، وخط بجانبيه خطوطًا يسيرة، قال: «هذه السبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، وقرأ قوله جل وعلا: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾. لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. هذه السبل هي التي يصد بها الشيطان عن الصراط المستقيم، أن يوجد العبد في صراط الله عز وجل فيأتيه الشيطان من هنا ويأتيه من هنا حتى يصده. فلهذا مسألة الصد هي المحك الذي يبين الصادق من الكاذب في طريقه إلى الله، لأن الصادق لا يستطيع أن يحول بينه وبين الحق، أي الشيطان لا يستطيع أن يحول بينه وبين الحق. ولهذا اعترف بذلك الشيطان نفسه، فأقسم على ربه جل وعلا، قال: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾. مخلصين، أي الصادقين، أهل الصدق في سيرهم إلى الله جل وعلا. وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾. فلهذا فلا يستطيع الشيطان أن يصد الصادق إلى الله، قد يوسوس له، قد يوسوس له، لكنه لا يصده عن الطريق، فهو لا يلتفت إلى هذه الطرق المعوجة. فلذلك كما قلنا، المحك الذي يبين الصادق من الكاذب هو: هل يصدك الشيطان أم لا؟ أما وسوسته فهي موجودة، نزغاته فهي موجودة، ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾، هذه الأشياء موجودة، لكن من الذي يثبت في الطريق، ومن الذي يأخذه الشيطان عن طريق الحق ويصده؟ فلهذا ذكرنا في درس مضى، في الجمعة من باب النصيحة، حديثًا أو في التفسير الذي جاء عن عمر في قول الله جل وعلا: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ﴾. هذه الآية ذكر، كما ذكرنا قبل، البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس أن عمر كان في مجلسه، عمر كان في مجلسه الفقهاء الصحابة، وأيضًا كبار المهاجرين ومسلمة الفتح، فقال رضي الله عنه: «من عنده علم بهذه الآية، عنده تفسير هذه الآية؟» فقالوا: الله أعلم. فقال: «من علم فليقل، ومن لا علم له فليسكت». فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، عندي منها علم. قال: «قل، ولا تحقرن نفسك». قال: «قل، ولا تحقرن نفسك». قال: هذا مثال ضربه الله عز وجل لعمل. قال: «عمل ماذا؟» قال: عمل في الخير. فجاءه الشيطان، قال: «بلى، هذا عمل يعمل العبد ثم يأتيه الشيطان فيصرفه عن عمله». وجاء فيه: فيصده عن عمله، يأتيه الشيطان فعندئذ تجد أنه سنوات في الخير وهو على الطريق المستقيم، فيأتيه الشيطان ويصرفه عن الخير. فلهذا حذر الله عز وجل من هذا الصد: ﴿ وَلَا يَصُدَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ﴾. وهذا الصد قد يكون صدًّا عامًا عن الخير، وقد يكون صدًّا خاصًا عن عمل من أعمال الخير. فالشيطان يزين لك الباطل، يزين الباطل حتى لا ترى للحق وصولًا، وحتى لا ترى أن الحق هو حق، وترى الباطل هو حقًا. ولهذا قال الله عز وجل على لسان الهدهد في ملكة سبأ لما كانوا يعبدون الشمس، فقال جل وعلا على لسان الهدهد: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾. صدهم عن الخير، عن الحق، وإلا فهم قلوبهم كانت قلوبًا راجعة ومخبتة. ولهذا لما جاءها خطاب سليمان ورأت ما رأت من العجائب التي معه أسلمت، قالت: ﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. لكن الذي صدهم الشيطان، صدهم الشيطان عن سبيل الله جل وعلا، فهم لم يهتدوا بسبب ذلك. فلهذا فقد يكون الصد عامًا، يصدك عن الخير كله، إما أنك تترك دين الله، وكثير من هؤلاء تجد أنه يرتد عن دين الله والعياذ بالله، أو أنك تترك طريق الخير، طريق الاستقامة، وتذهب إلى المعاصي وإلى ما يغضب الله جل وعلا. أو يكون هذا الصد في عمل من الأعمال، مثلًا إنسان يواظب على صلاة الجماعة، فتجد الشيطان يريد يشغله، يشغله بأشياء، يشغله بأمور قد تكون تافهة، فيصده عن صلاة الجماعة، يصلي في بيته أو يصلي في عمله، أو يأتي آخر بعدما ينتهي الناس. تجد يزين له عمله، يقول: هذا عمل، هذا جهاد في سبيل الله. العمل جهاد، صحيح العمل جهاد، لكن لا يصدق عن الحق وعن الواجبات، يذهب يعمل ويترك الصلاة أو يضيع صلاة الجماعة، وهذا من الصد. فهذا أيضًا من الصد. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾. فلذلك فالصد عن سبيل الله جل وعلا مما حذر الله عز وجل، حذرنا الله عز وجل من الشيطان الرجيم، يصدك عن الخير ويزين لك الباطل. جاء في حديث عبد الله بن مسعود، وهو حديث حسن أخرجه أحمد والترمذي، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن للعبد من الشيطان لمة، ولله لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الله فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». فلهذا فالشيطان يصد ابن آدم عن الخير. فلذلك فالمعركة التي تكون في وطيسها، وفي أيضًا كذلك جدتها، هو عند الصد. هل تستطيع أن تغلب الشيطان أو يغلبك؟ هنا المقاتلة، وهنا المعركة. هل يستطيع الشيطان أن يغلبك في صدك عن الحق أو عن هذا العمل، أو لا يستطيع؟ الإنسان أحيانًا تجد أنه مثلًا بعض الأشياء قد تكون بسيطة، لكن الشيطان له دور كبير في هذا. تجد مثلًا بعضهم تجد أنه يحافظ على السنن، يحافظ مثلًا على سنة الفجر، يحافظ على سنة الظهر، تجد يأتيه الشيطان ويكسل عليه، يكسل عليه حتى يصرفه عن هذه السنة. أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا أن الشيطان يأتي لابن آدم في صلاته. النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين في حديث أبي هريرة قال: «إذا نودي بالأذان أدبر الشيطان وله ضراط، يهرب إذا نودي بالأذان، فإذا سكت أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر، فإذا سكت أقبل، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى». وجاء في حديث آخر: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته». وفي حديث آخر: «إذا أشكل على أحدكم في صلاته، أخرجه منه شيء أو لم يخرج، فلا يخرج -أي من الصلاة- حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». فيأتي الشيطان لأجل أن يشغلك عن الصلاة، هذا يعتبر من الصد، يعتبر من الصد في الأعمال الخاصة. فإن أيضًا يذكرك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيقول لك: اذكر كذا، واذكر كذا». أنت تصلي، تسبح، تذكر كذا.حيانًا بعض الأشياء ما تذكرها إلا في الصلاة، فيذكرك هذه الأشياء حتى لا تحس بالصلاة ولا تحس بخشوع في الصلاة، يخرجك عن الصلاة. فلذلك هنا أيضًا يعتبر محكًا في مسألة الصد وغير الصد. فقد يحصل من الإنسان هذا السهو، حاصل لكل إنسان، ولكن من الناس من يسترسل مع التفكير، يعرف أنه في الصلاة وأن الشيطان يشغله، لكنه يسترسل مع تفكيره، ثم يبني أشياء ويفعل أشياء كلها في تفكيره، وينشغل عن الصلاة. لكن المؤمن الذي يعي معناه يكيد الشيطان ويقاتله في مثل هذا المكان، ويجتهد عليه أنه ينصرف، ينصرف عن هذه المشاغل، لا يجعل الشيطان يجعله يسترسل. إذا تذكر خرج وانتبه للصلاة، تذكر الآيات، تذكر يوم القيامة، تذكر لقاؤه بين يدي الله، وغير هذه الأشياء. الشيطان يريد فقط يصرفك إلى الدنيا. ولهذا قال العلماء: أن عدم الخشوع في الصلاة هو التفكر في الدنيا. أما إذا تفكر في الآخرة، ولو انشغل فهو أيضًا خشوع، يعتبر لو تفكر الإنسان في الآخرة، بل حتى لو تفكر في أمور من أمور الدين، مثلًا في العلم، تفكر في مسائل العلم، مسألة في الفقه، مسألة كذا، هذا يعتبر أيضًا من الخشوع، ما يعتبر من عدم الخشوع. عدم الخشوع هو ما يكون في الدنيا، ما يحدث له شخص نفسه في الدنيا، فهو ليس حاضرًا مع الله. أما إذا كان في أمور الآخرة فهو مع الله عز وجل. ولهذا يقول عمر رضي الله عنه كما ذكر البخاري: قال عمر رضي الله عنه: «وإني لأجهز الجيش في صلاة». يقول عمر: «وإني لأجهز الجيش في صلاة». قال الإمام ابن القيم: هذا من أعظم الأشياء التي توفق للعبد، أن يجمع عبادتين معًا، يجمع عبادتين معًا، يصلي ويفكر كيف ينظم الجيش، هناك سيرسل جيشًا إلى مكان، يفكر كيف ستكون تنظيم هذا الجيش، ومن الذي سيقوده، ومن الذي سيكون على اليمين ومن على اليسار. فقال: «إني لأجهز جيشًا وأنا في الصلاة». لهذا ساق الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله في شرح البخاري أقوال العلماء أن هذا لا يقدح في خشوع العبد، بل هذا من شدة اهتمامه بالدار الآخرة أو بالخير. وذكر أن ترك الخشوع إنما للتفكير في الدنيا. ولهذا جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه». وجاء في الصحيحين أيضًا من حديث عثمان: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه». وفي حديث عقبة بن عامر: «إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية». فلذلك فهنا كما قلنا يكون المحك: هل يصدك هذا الشيطان عن الخير، أم أنك تغلبه؟ لا شك أن الشيطان غلب كثيرًا من الناس، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ﴾. هذا الشيطان أضل كثيرًا من الناس. المؤمن يعقل، المؤمن فطن، المؤمن كيس، لا يلدغ من جحر مرتين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. لا يجعل الشيطان يلعب به ويضحك عليه. فلذلك المؤمن المخلص الصادق يغلب الشيطان دائمًا. ولهذا لا يستطيع الشيطان على أهل الإيمان وأهل الإخلاص: ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾. ما أستطيع لهؤلاء، ما أستطيع، هم يغلبونه دائمًا. ولهذا يذكر عن الإمام أحمد، ذكر ابن الجوزي في ترجمته أن عبد الله بن أحمد رحمه الله قال: لما احتضر أبي الوفاة، احتضر، لما جاءت الوفاة احتضر الإمام أحمد، كان في مرض الموت، قال: فكأنه أغشي عليه، معنى أغمي عليه يسيرًا، فسمعوه يقول: «لا بعد، لا بعد»، يقول: «لا بعد، لا بعد». فلما أفاق قالوا له: يا أبت، عبد الله، إيش «لا بعد»؟ قال: لما أغمي عليه رأيت الشيطان وهو يقول لي: «قد فزتني يا أحمد، قد فزتني يا أحمد»، يعني يريد أن يدخل في نفسه الغرور في آخر لحظة. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من تخبط الشيطان عند الموت، عند الموت يخبط عليك الشيطان، حتى عند الموت ما يتركك. فقال: «قد فزتني يا أحمد». قال: فقلت له: «لا بعد، لا بعد، هذا ما زلت في الحياة، أنت لازلت فتنتك موجودة». فلم يصده حتى في آخر لحظة، لماذا؟ لأنه كان من الأتقياء، من العباد. أراد أن يأخذ عليه فقط هذا الشيء في آخر حياته، أراد أن يأخذ، يعني أن يجعل العجب في نفسه، وأنه قد فات الشيطان. انظر إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، مع أنه قد بشره النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة، إلا أنه محتاط حتى في آخر لحظة من حياته. دخل عليه ابن عباس وقال: يا أمير المؤمنين، فعلت وفعلت، وجيشت الجيوش، وغزوت، وكذا. قال: «والله ما أريد إلا كفافًا، لا لي ولا علي، أنا أريد أن أقابل الله عز وجل حتى كفافًا». معنى: ما أريد لي ولا علي. وهذا من تواضعه لربه جل وعلا. وكان يقول لعبد الله بن عمر: «يا عبد الله، ضع خدي على الأرض، لعل الله عز وجل يرحمني»، أو قال: «يغفر الله لي، أو يغفر الله لي». فهو عرفوا الله عز وجل وعرفوا سبل الشيطان. فالشيطان يأتي ابن آدم يتخبطه حتى عند الموت. فقال أحمد: «لا بعد، لا بعد»، أي لم أفوتك حتى أموت، حتى ألقى الله عز وجل. فلذلك فالشيطان كما قلنا يصد الإنسان في الأمور العامة، يصرفه عن الطريق المستقيم، أو قد يكون في الأمور الخاصة، معناه في الخير، يصده عن الخير. يريد أن يتصدق، يصده الشيطان عن الصدقة. يريد أن يصوم، يصده الشيطان عن الصوم. يريد أن يتطوع، يفعل الخير، يعاون الناس، كذا، يصده الشيطان عن هذه الأفعال التي فيها الخير. فلذلك فالحرب تكون هنا، هو أنه: هل يصدك أو لا يصدك؟ فإن علم الشيطان منك الحزم، وأيضًا كذلك الإقدام وعدم الرجوع في الخير، فإنه ييأس، ييأس من أن يصرفك عن هذا. مثل ما يأس، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «يأس من أمر الصحابة أنهم يرجعون إلى الشر، لما رأى أن الناس تمسكوا بدين الله وكسروا الأصنام، ولم يكن هناك من يعتقد في غير الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون». أيس في ذلك الوقت، الشيطان هو ما يعلم الغيب، لكن مما رآه من الإقبال على الله والبعد عن الشرك، قال: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون». هذا الباب سيغلق، أغلقه. قال: «لكن رضي بالتحريش، يحرش بين الناس حتى يتقاتلوا، حتى يتقاسموا، حتى يتقاطعوا». لكن رضي بالتحريش. فلذلك فالشيطان سرعان ما ييأس، مثل ما ذكر الله عز وجل: ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾. كيده ضعيف، سرعان ما ينسحب، سرعان ما يختزل ويخذل أصحابه. فلذلك إذا رأى المؤمن قويًا في عزيمته، فإن الشيطان لا يستطيع أن يقف بين يديه، ولا يستطيع أن يصده. هذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا المقام، فنكتفي به، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر