وصفدت الشياطين 10

وصفدت الشياطين 10

الدرس في وصفدت الشياطين 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير من إغواء الشيطان بوعد الفقر وأهمية التوكل على الله في الرزق

يستعرض المقطع تحذير الله من اغترار الشيطان لبني آدم بوعدهم الفقر وتخويفهم من المستقبل، مبيناً أن الرزق بيد الله وحده ورد في أكثر من سبعين آية مقابل آية واحدة لوعد الشيطان. فمن صدق الشيطان فقد ترك أمر الله، والتوكل على الله يضمن الرزق ويبعد عن وساوسه.

التوكل على الله ودفع وساوس الشيطان بالخوف من الفقر

يشرح المقطع كيف يوسوس الشيطان للعباد بالخوف من الفقر والمستقبل، بينما المؤمن الحق يتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب مستشهداً بقصة إبراهيم عليه السلام. ويؤكد أن الرزق بيد الله وحده وأن التفاؤل والخوف من الله فقط هو سبيل النجاة والسلامة.

هدف الشيطان الأكبر: إلقاء الناس في النار

يبيّن المقطع أن غاية الشيطان الأساسية هي إضلال بني آدم وإدخالهم النار مستشهداً بآيات قرآنية وحديث صحيح عن بعث الأمم. ويؤكد أن المؤمن يتسلح بالعلم والإيمان لمواجهة هذا العدو وتحقيق النجاة من السعير.

دعاء الختام والاستغفار

يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن يجعله من عباده الصالحين المخلصين وأن ينجيه من النار وسعيرها. ويختم المحاضرة بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما نسمع، ويعلمنا ما ينفعنا، جل وعلى، ويزيدنا علمًا. أيها الإخوة الكرام، قد ذكرنا في دروس مضت بعض ما حذر الله عز وجل منه مما يتعلق بالشيطان الرجيم، وأيضًا كذلك من التحذيرات العظيمة التي حذر الله عز وجل من الشيطان الرجيم؛ حذر بني آدم، حذر الناس جميعًا، حذرهم من الاغترار، من الاغترار بالشيطان الرجيم، حذرهم من الاغترار به. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. الغرور هو الشيطان، عن الفتح الغين: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. جعله الله عز وجل غرورًا لأنه يغر الناس، فالغرى هو الغواية والإضلال، وهي التي أقسم عليها، أقسم برب العزة سبحانه وتعالى على أنه يغوي الناس، فقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. فلهذا حذر الله عز وجل من إغرائه وإغوائه، لما يحصل، ولما أيضًا استخدم من الوسائل لإضلال بني آدم ولانحرافهم عن الطريق الصحيح؛ فيغرهم بالدنيا، أو يغرهم بالنفس الأمارة بالسوء، أو يغرهم بغير ذلك مما يكون يعني يلهي الإنسان ويشغل، وأيضًا كذلك يبعده عن الله. وعلى الإجمال، أي أنه يغريهم بالشهوات والشبهات؛ يغريهم بالشهوات وبالشبهات. فشهوات الدنيا، شهوات البطن، شهوات الفرج، كل ذلك يستخدمه الشيطان لإغواء بني آدم وإغوائه. وأيضًا الشبهات التي يبثها في قلبه، سواء كان في العقيدة، أو سواء كان في اعتقاده بالله في أمور الرزق وغيره، مثل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَعِدُكُمُ الشَّيْطَانُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. يعدكم الفقر، أن يتوعدكم ويلقي في قلوبكم الفقر. فربنا جل وعلا يحذر عباده أنهم يتبعون الشيطان في هذا، وكما قال الحسن البصري رحمه الله، وهو ذلك الإمام الفقيه: قال ربنا جل وعلا ذُكر في القرآن أكثر من سبعين آية في أنه هو الرزاق، وأن الرزق منه، وأن العباد يطلبونه منه، فهو بيده الرزق، جل وعلا يرزق من يشاء، وأيضًا يمنع من يشاء، يعطي من يشاء ويمسك عن من يشاء. فلهذا قال الحسن رحمه الله: جاء في القرآن في أكثر من سبعين آية أن الرزق من الله، وفي آية واحدة، في آية واحدة جاء أن الشيطان يعدكم الفقر. قال: فصدقتم الشيطان وتركتم أمر الله. ما معنى كلامه؟ يريد أن يبين أن العبد يأتي الشيطان فيخوفه: كيف ستأتي، كيف ستأتي الأيام المقبلة؟ سيكون فقر، ستكون مثلًا ما عندك طعام، ما عندك كذا، ما تستطيع أن تعيل أولادك، ما تستطيع أن تفعل وتفعل لأجل الرزق، سيذهب عليك العمل، سيذهب عليك كذا. يخوفك بمثل هذه الأفكار، والوضع تأزم، والوضع كذا، كيف سنفعل وكيف سنعمل؟ هذه كلها من تحزين الشيطان وتخويفه، ومن إعادته بالفقر، ومن إعادته بالفقر. والله عز وجل قد ضمن رزقك، بل قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. فلهذا إذا اعتمدت على الله عز وجل فإن رزقك بيد الله جل وعلا، رزقك بيد الله، ليس بيد الشيطان، وليس بيد غيره، لا فلان ولا فلان، ولا صاحب العمل إذا طردك مثلًا. رب الناس يقول: قطع رزقي، وكذا من هذه الأشياء التي قد يظنها الإنسان صحيحة وهي خطأ من تسويل الشيطان وإعادته وإغرائه. فلهذا يغري الشيطان عباد الله عز وجل بهذه الشبهات، يجعلها في قلبه، يخوفه من المصير، يخوفه من المستقبل، يخوفه من كذا. لكن الذي يعبد الله ويتوكل عليه لا يخاف أبدًا، ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. فالمؤمن لا يخاف أبدًا، لا يخاف أحدًا دون الله جل وعلا، ولا يخاف أيضًا عن رزقه، وعن مستقبله، وعن كذا؛ يعلم أن الله عز وجل بيده الأمور، ليس بيده أحد. فلهذا يعتمد على الله ويتوكل على الله جل وعلا مع فعل الأسباب. ليس معنى ذلك أن الإنسان يترك الأسباب، فإن هذا خدش في الاعتقاد، لا يترك الأسباب، لكن يعمل بها ويتوكل على الله جل وعلا، ولن يضيعه الله سبحانه وتعالى. انظروا إلى قصة إبراهيم، نبي الله إبراهيم، وضع زوجته وابنه صغيرًا في وادٍ غير ذي زرع، لا ماء ولا طعام ولا شيء، معها جراب من تمر أعطاها إياه وتركهم في ذلك الوادي، لأن الله عز وجل أمره بذلك، يعلم أنه رزق من الله. فلهذا قالت له: يا إبراهيم، لمن تتركنا في هذا الوادي الذي لا ماء فيه ولا طعام؟ فلم يستطع أن يتكلم يجيبها، فقالت: الله أمرك بذلك؟ فأشار إليها نعم، أشار إليها نعم، أن الله عز وجل أمرني بذلك. فقالت: إذن لن يضيعنا الله، إذن لن يضيعنا الله. ثقة بالله جل وعلا. وهكذا المؤمن يثق بالله، يتوكل بالخير، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب الفأل ويكره الطيرة». التطير والتشاؤم للأمور خطأ، ولو مثلًا قال المحللون أنه سيحصل كذا وسيحصل كذا وسيحصل كذا، هذه كلها تخمينات، ولو كانت حقائق فالأمر بيد الله، فالأمر بيد الله. فالواجب على المسلم أنه يتفاءل، يتفاءل بالخير من عند الله جل وعلا، يعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى، فلن يضيعه الله عز وجل أبدًا. وأما إذا ركن إلى الشيطان، ركن إلى الأوهام، ركن إلى الخيالات، فإنه إنما يضيع نفسه. فلهذا الشيطان حريص على مثل هذه الأمور، الشيطان يعدكم الفقر، يقول لكم: ستفتقرون، سيصيبكم كذا، ما ستجدون طعامًا، ما ستجدون كذا، ويأمركم بالفحشاء، وكأن الفحشاء هي التي ستأتي لك بالرزق. والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا، الفضل من الله والمغفرة من الله. فلهذا يا عبد الله، اعتمد، اجعل قلبك معتمدًا على الله، فإذا وثقت بالله وتوكلت عليه ودعوته سبحانه وتعالى فلن يخيب، فلن يخيبك أبدًا. فلهذا تجد أن أهل الإيمان، من النبي عليه الصلاة والسلام، بل الأنبياء والصحابة رضي الله عنهم، ما كانوا يفكرون في مسألة الرزق ولا يهمهم ذلك، لأنهم يعلمون أنهم من الله. بل كان نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله، كان يدعو ربه جل وعلا أن يجعله، أن يجعل قوته كفافًا، الذي يكفيه فقط، ليس ما يريد زائدًا، ويجعل... وبعضها العلم أيضًا، يحسن حديث: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين». فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار هذه العيشة، مع أنها فيها التنغيص، فيها كذا، لكن يعلم أن الرزق من الله جل وعلا. الصحابة رضي الله عنهم عاشوا في الفقر، ما يجد أحدهم حتى العباء التي يلبسها، الثوب، الإزار الذي يلبسه. قال أبو سعيد كما في الصحيحين: قال: كنا نجلس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يختع بعض، يستر بعضنا ببعض من العري، ما عندنا إلا أزر ضيقة، يعني يخاف الإنسان، يخاف الصحابي أنه يعمل شيء يتمزق، هذا الإزار ضيق جدًا. وحتى أنهم كانوا إذا ركعوا انحسر، انحسر هذا الكُم لأنه صغير وضيق، فإذا ركع انحسر من خلف. فقال النبي عليه الصلاة والسلام للنساء: «لا ترفعن رؤوسكن من الركوع حتى يرفع الرجال»، حتى لا يروا شيئًا من عورات الرجال. قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: «لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال رؤوسهم» أي من الركوع. هذا كلهم من ما كان عليهم من الضيق. ثم فتح الله عز وجل عليهم وجاءهم الرزق من كل مكان، وأغدق الله عز وجل عليهم بالخيرات والنعم. فلهذا فالشيطان يحزن ابن آدم ويخوفه من الرزق ومن عدم الرزق وكذا. فهذا في الإغراء. وأخيرًا أيضًا نذكر أمرًا مهمًا حذر منه ربنا جل وعلا بالنسبة للشيطان، وهو هدفه الذي يريده من الناس، والذي يريده من بني آدم وغيرهم من الجن، من أصحابه، وهو أنه يلقيهم في النار ويجعلهم من أهل السعير، وأيضًا يحشرون معه في النار. فهذا هدفه الأكبر، وهدفه الأعظم، هو وأصحابه وجنوده، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَعِدُكُمُ الشَّيْطَانُ﴾... قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا * إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. إنما يدعو حزبه، أي من يتحزب له ومن يتبعه. ولهذا قال الله عز وجل قال ردًا على الشيطان: ﴿إِنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾، أو ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. فلهذا يحذر الإنسان من هذا الشيطان الرجيم. حذر الله عز وجل من هجفه الأساسي، وهو إلقاء الناس في النار. وفعلا نجح، نجح هذا الشيطان بإغراء كثيرًا من الناس حتى أغواهم في جهنم، والعياذ بالله. ومما يدل على هذا ما جاء في الصحيحين في حديث بحيرة، بحيرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول يوم القيامة: «يا آدم، ابعث بعث النار». يا آدم، ابعث بعث النار. قال: يقول آدم: وما بعث النار يا رب؟ قال: «من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون». من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. معنى أن الناجي واحد. وهذا العدد، العدد كله في النار. هذه الأمة التي هي أقل الأمم، وأيضًا هي كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في متن الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء على متن الثور الأبيض». معنى شعرة من آلاف الشعر، هذه الأمة، وهي أيضًا ثلثا أهل الجنة. فالأمم تلك الكبيرة والعظيمة كلها، وأيضًا ما يكون من هذه الأمة يكونون كلهم في النار، والعياذ بالله. وهذا عمل الشيطان ودأبه وهدفه، حقق هذا الهدف، والعياذ بالله. لكن المؤمن يستعد، وأيضًا يواجه هذا الشيطان الرجيم بما أعطاه الله عز وجل من قوة العلم، وقوة الإيمان، وقوة الاعتقاد، وغير ذلك من الأمور والأسلحة التي تسلح بها المؤمن حتى يدافع عن نفسه من هذا الشيطان الرجيم الذي يريد إغواءه، ويريد أيضًا أن يجعله من أصحاب السعير، والعياذ بالله. فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده الصالحين المخلصين، وينجينا جل وعلا من ناره ومن سعيره، والحمد لله رب العالمين.