الدرس في التقوى فائدة الصيام الكبرى 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المحور أن استشعار العبد لمراقبة الله الدائمة هو من أعظم أسباب التقوى، مستدلاً بالآية الكريمة وحديث الإحسان، ويضرب أمثلة من قصص السلف كقصة الثلاثة في الغار وقصة الكفل حيث منعهم هذا الاستشعار من الوقوع في الزنا فكان سبباً في فرج كربهم.
يوضح المقطع كيف يجتمع استشعار المراقبة مع العلم النافع كسبيل للتقوى، مستشهداً بقصة الكفل وآيات الذكرى، ومؤكداً على دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من علم لا ينفع كدليل على أهمية العمل بالعلم.
يفصل المحور في مفهوم العلم النافع الذي يجلب التقوى، مبيناً أن العلم إما ضار في أصله أو نافع عدم العمل به يجعله وبالاً، وأن معرفة الله وأسمائه وصفاته وعقابه للأمم السابقة تدفع العبد إلى تقواه.
يختتم الدرس ببيان حكمة تفصيل الآيات والعقوبات لتبين سبيل المجرمين فيجتنبها العبد، مؤكداً أن المراقبة والعلم من أهم الوسائل لاستجلاب تقوى الله، مع الإشارة لاكتفاء المتحدث بهذا القدر على أن يستكمل في الدرس اللاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا بالدرس الذي مضى بعض الأسباب التي يستجلب بها تقوى الله جل وعلا، وبعض الأمور التي يستجلب بها تقوى الله سبحانه وتعالى. ومن هذه الأسباب والأمور العظيمة التي يستجلب بها التقوى: استشعار العبد مراقبة الله جل وعلا على الدوام، يستشعر أن الله عز وجل مطلع عليه، فيراقب الله جل وعلا في حركاته وفي سكناته. فهذا الاستشعار يجلب عنده تقوى الله سبحانه وتعالى، وهذا هو معنى قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، أن يراقب العبد ربه جل وعلا. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فلا بد من استشعار مراقبة الله جل وعلا في أمورك، فإذا استشعر ذلك فإن هذا يجلب التقوى، فيتق العبد ما حرم الله جل وعلا. وأما إذا لم يراقب الله فإنه يتجرأ على المحارم ولا يبالي. ولهذا من استشعر هذه المراقبة ولو في وقت المعصية فإنها تنفعه، فيتق الله عز وجل. انظر إلى الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر في قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار، فانسدت عليهم فوهة الغار. فمن هؤلاء الثلاثة رجل، أحدهم قال: إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها، فراودتها عن نفسها فأبت. أنا يريد أن يزني بها ويفعل معها الفاحشة، فأبت. قال: حتى ألمت بها الحاجة، من أحتاجت إلى مال، جاءتها الحاجة، فجاءت إلى ابن عمها تطلب منه مالاً حتى تقضي حاجتها. فقال لها: والله لا أعطيك حتى تمكنيني من نفسك. فرضيت، رضيت بذلك. فلما قال: فلما جلست منها جلوس الرجل من امرأته، قالت لي: اتق الله ولا تفضي الخاتمة إلا بحقه. قالت: اتق الله ولا تفضي الخاتمة إلا بحقه، معنى: لا تحدث شيئاً من الزنا إلا بحقه، معنى أنك تتزوجا وتعقد عليه. قال: فاستشعر هذا العبد مراقبة الله عز وجل له، فقال: فقمت منها وقلت لها: خذي هذا المال لك. قال: فإن كنت عملت ذلك لك يا رب فأفرج عنا هذه الصخرة. ففرجت، إلى آخر الحديث. وأيضاً جاء هذا الحديث مثله عند النسائي في قصة رجل، قال له الكفل: رجل، قال له الكفل: كان أيضاً يراود امرأة يريد أن يلم بها، وكان الكفل لا يدع أو ليس هناك معصية إلا ودخلها، فكان يراود هذه المرأة حتى رضيت. فلما جلس منها مكان مجلس الرجل من امرأته، انتفضت هذه المرأة، انتفض جسدها، معنى: لأنها ستفعل الحرام. فقال: ما لك؟ قالت: خفت من الله. فقام عنها وقال: امرأة تخاف الله وأنت رجل لا تخاف الله؟ فتاب وأناب إلى الله عز وجل، ثم مات في تلك الليلة. فلما أصبحوا وجدوا مكتوباً على بابه: غفر للكفل، أو غفر الله عز وجل للكفل، لأنه تاب إلى الله جل وعلا توبة نصوحاً. وإن كان بعض العلماء ضعف هذه القصة، لكنها يشهد لها ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في خبر الثلاثة. فهذا استشعار لعظمة الله ومراقبة الله عز وجل العبد، وأورثه تقوى الله. قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فلما استشعر مراقبة الله جل وعلا ترك هذا الحرام، ترك هذا الحرام، فاستجلبت هذه التقوى باستشعار مراقبة الله سبحانه وتعالى. فلهذا فالعبد إذا استشعر مراقبة الله فإنه ينجو من أشياء من الحرام كثيرة. فإذا أراد الحرام استشعر أن الله عز وجل مطلع عليه، مراقب له، يراه، فلا يتجرأ على معصية الله عز وجل، ويرجع وينوب. هذا الذي في قلبه إيمان، أن لا زال قلبه حي. أما من مرض قلبه أو مات فلا يستشعر، بل يفعل المعصية وهو يضحك، يأتي الفواحش وهو لا يبالي. لماذا؟ لأن إيمانه قد مرض، أو قد مات، قلبه قد مات أو مرض. فأما القلب الحي فهو الذي يتذكر، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، هذا القلب الحي. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾. ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يَقْصُرُونَ﴾ على الشياطين. وهل الغواية من شياطين الإنس والجن يمدونهم بكل باطل، وبما أيضاً يجعلهم يفجرون ويفعلون الكبائر، يمدونهم بالوسائل التي تجرئهم على المعصية. لكن أهل التقوى وأهل الخوف يخافون الله جل وعلا، يستشعرون أن الله عز وجل يراقبهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾. فلهذا فالاستشعار عباد الله من أعظم ما يستجلب به تقوى الله جل وعلا. وأيضاً ما ذكره العلماء: العلم، العلم من أعظم الأمور التي يستجلب بها تقوى الله. والمراد بالعلم هو العلم النافع الذي ينفع صاحبه، فإن العلم هو طريق إلى الخشية، طريق إلى التقوى. من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة. وكما قال السندي رحمه الله في حاشية النسائي: قال العلم، أو قال: العلم هو سبيل إلى التقوى، العلم سبيل إلى التقوى. وقالت أم سفيان لسفيان: تعلم يا أبني، فإن رأيت هذا العلم يدعوك لتقوى الله فاستمر فيه، وإلا فلا تتعب نفسك، أو كما قالت رحمها الله. فالمراد أن العلم إذا لم يجرك إلى الخير فهذا وبال عليه، فهذا يكون علماً ليس بنافع لك. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من علم لا ينفع، كما جاء في حديث زيد بن أرقم في صحيح مسلم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعوة لا يستجاب لها. وجاء في سنن أبي داود: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من أربع: من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعوة لا يسمع. يتعوذ من هؤلاء الأربع. فالعلم الذي لا ينفع على قسمين: إما أن يكون علماً في أصله، في ذاته، ليس فيه نفع، فهذا لا ينفع العبد، مثل علم السحر، وعلم كذا، علم المنطق. هذه العلوم لا تنفع، بل بعضها يضر كعلم السحر. وهناك علوم نافعة، لكنها إذا لم ينتفع منها العبد فإنها تكون وبالاً عليك. فإن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر في القرآن، في حديث عمر قال: «إن الله لا يرفع بهذا القرآن الكتاب أقواماً ويضع به آخرين». إن الله لا يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين. فالذي لا يعمل بالقرآن لا ينتفع به، ويكون وبالاً عليه يوم القيامة. وهكذا العلم عباد الله، فالعلم النافع الذي يجلب، يجلب التقوى، يتق الله عز وجل. كلما تعلم، كلما اتقى الله، كلما ازداد علماً ازداد تقوى من الله، تقوى الله جل وعلا، والخوف من الله. فهذا العلم النافع الذي يقربك إلى الله ويجعلك تتقي الله عز وجل. فإذا وجدت التقوى وجد العلم النافع، وإذا وجد العلم النافع وجدت التقوى. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾، أي تفرقون به بين الحق والباطل. فهما متلازمان: العلم والتقوى. إن وجد العلم النافع وجدت التقوى واستجلب به التقوى، وإن وجدت التقوى وجد العلم أيضاً النافع الذي ينتفع به. وهذا من الأمور المستلزمة بعضها بعضاً، أن بعض الأمور يلزم بعضها بعضاً. التقوى إذا وجدت وجد العلم النافع، وإذا وجد العلم النافع وجدت التقوى. فكلاهما هذا يلزم هذا، وهذا يلزم هذا. فلا ينتفع العبد بالعلم إلا إذا معه تقوى الله، يتقي الله عز وجل في هذا العلم، ولا تكون هذه التقوى إلا بالعلم النافع أيضاً. العلم النافع يجعلك أيضاً تتسع في أمور التقوى. معنى: أولاً من العلم، العلم بالله عز وجل، العلم بالله سبحانه وتعالى، فتعظم الله جل وعلا، تعرف ربنا جل وعلا بأسمائه وصفاته وتوحيده سبحانه وتعالى وتعظيمه. فكلما تعلمت كلما عظم الرب جل وعلا في قلبك، وإذا عظم العبد ربه جل وعلا لا شك أنه أورثه ذلك تقواه والخوف منه. كذلك بالتقوى، بالعلم تعرف كيف عاقب الله عز وجل، كيف عاقب الله عز وجل من الأمم السابقة الذين عصوا وخرجوا وتمردوا. فربنا جل وعلا ذكر في القرآن أمماً تمردت فعاقبهم الله عز وجل. ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾، ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، وغيرها ما ذكره الله عز وجل لأجل أن يتأمل العبد. فإذا عرف هؤلاء وعرف ما كانوا عليه من المعاصي وغيرها، قاده ذلك إلى تقوى الله جل وعلا. وكذلك ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، فصل الله عز وجل الآيات والعقوبات، وكذا حتى حتى تأتي تأتي تقوى الله عز وجل، ويعلم العبد سبيل المجرمين فيجتنبها ويتقيها. فهذا شيء مما يذكر في الأمور التي يستجلب بها تقوى الله جل وعلا، كما قلنا: المراقبة والعلم. وإن شاء الله تعالى نقوم في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر