الدرس في التقوى فائدة الصيام الكبرى 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التقوى هي أفضل زاد يتزود به العبد في سفره وحضره، كما دل عليه القرآن والحديث. من لم يتزود بالتقوى في غربته يخسر في سفر الآخرة.
أوصى النبي ﷺ بتقوى الله والتكبير عند كل شرف، مبيناً أن التقوى هي اللباس الباطن الذي يصون المسلم. الآيات تؤكد أن لباس التقوى خير من اللباس الظاهري.
قسم ابن القيم الناس إلى ثلاثة أصناف حسب عنايتهم بالباطن والظاهر، محذراً من الغلو في المظهر على حساب التقوى. السبيل المستقيم هو الجمع بينهما مع تقديم الباطن.
الاهتمام بالثياب الظاهرة ليس مقصوداً لذاته، بل العبرة بتقوى الله التي هي اللباس الحقيقي النافع. ثمار التقوى ستفصل لاحقاً في مواضع أخرى.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في دروس التقوى ما ذكرناه من منزلة التقوى العظيمة، وكيف تتمثل هذه المنزلة العظيمة في أشياء من الوصايا، والتمييز بين أهل الإيمان وغيرهم، وأيضًا أنها هي باب الإكرام، أو باب كرامة العبد عند ربه جل وعلا ورفعته. ومن ذلك أيضًا مما يدل على منزلة التقوى في شريعة الله جل وعلا أنها هي زاد العبد، زاد العبد الذي ينبغي عليه أن يحافظ عليه في سفره وفي حضره، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾. ربنا جل وعلا لما ذكر التزود في السفر وللحج ولغير ذلك، ذكر جل وعلا أن أعظم وأفضل الزاد الذي يستعد به العبد هو تقوى الله جل وعلا. وأيضًا فيه تذكير للعبد أنه على سفر هذه الحياة، مثل السفر للدار الآخرة. ولهذا في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر أنه قال: وضع النبي عليه الصلاة والسلام يده على منكبي، وقال: «يا عبد الله، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. وعابر السبيل هو المسافر الذي ينزل إلى بلدة من البلاد، فعابر سبيل فيها مسافر يريد حاجته، يقضي حاجته ويذهب. كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ما لي وللدنيا، إنما أنا كرجل استظل تحت شجرة ثم تركها وذهب». أخذ ظلها، أخذ خيرها، أخذ نعيمها وذهب. فلهذا فالتقوى خير زاد يتزود به العبد إلى ذلك السفر العظيم، إلى سفر الآخرة. فمن لم يكن له زاد من التقوى فهو خاسر، لابد أن يتزود من تقوى الله جل وعلا. وهذا الزاد أيضًا يحتاجه في الدنيا كما أنه يحتاجه في الآخرة، يحتاجه في الدنيا لأجل الآخرة، لأن العبد إذا كان متقيًا لله عصمه الله عز وجل من الوقوع في المزالق والمعاصي. فلهذا فهو يحتاج في سفره وفي حضره، وفي السفر أعظم؛ لأنه غريب عن بلده، بعيد عن أنظار من يعرفه. قال العلماء: إن الرجل إذا سافر تجد أن نفسه تغره على الباطل، لماذا؟ لأنه لا يجد من يعرفه، فقد النفس تستحي من من يعرفها فلا تفعل الباطل. وكذلك أيضًا هو غريب في ذلك المكان لا يجد متعته، فلهذا النفس تفتح له المتعة. ولهذا تجد كثيرًا، خاصة في هذا الزمان، من يسافر لأجل شهوته، من يسافر لأجل أن يقضي شهواته، يسافر إلى بلاد الغرب، قد يكون في بلاده من ظاهرهما الالتزام، لكن يذهب إلى هناك ويفعل المنكرات. وهذا لأجل أنه ما استجلب التقوى معه، وما استزاد من تقوى الله جل وعلا. فلهذا تقوى الله عز وجل يحتاجها المسافر أكثر من غيره. في الحديث الذي أخرجه الإمام... (حديث) أبي هريرة، ذكره الشيخ الألباني في الصحيحة: أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله أوصني، قال: «إني مسافر فأوصني»، قال له: «إني مسافر فأوصني»، فقال عليه الصلاة والسلام: «عليك بتقوى الله والتكبير في كل شرف». عليك بتقوى الله والتكبير في كل شرف. كل شرف: أي كل مرتفع. اتق الله، حاول أنك تكون معك تقوى الله، وكبر في كل شرف. وما معنى أن الإنسان يكون معه تقوى الله؟ معنى إيمانه. وهذا الإيمان يمنعه من الوقوع في ما يغضب الله جل وعلا، حتى لو كان في سفر، حتى لو كان غريبًا عن بلده لا يعرف أحد. وهو يعامل الله، تقوى الله هي الشيء الذي يكون في الإنسان يعامل الله عز وجل به، لا يعامل الناس، يعامل الله في كل مكان، فهو في بلده مثل ما يكون في سفر في بلد أخرى. صحيح أن الإنسان لا يقدره الغرباء مثل ما يكون من من يعرفه، قد يكون هذا الرجل له جاه في بلده، له رئاسة، له مثلاً له قدوة، معنى يتخذونه قدوة في الخير، لكنه إذا ذهب إلى بلاد أخرى لا يعرف أحد، لا يقدره أحد، فليس ذلك معنى أنه يجعله يقع في الرذيلة، يقع في ما يغضب الله. فالنفس تكون أشهى في تلك المواضع، لكن من لزم تقوى الله عز وجل فإنه ينجو بإذن الله، ويكون متزودًا بهذا الزاد العظيم: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾. أيضًا كذلك مما يدل على منزلة التقوى أنها خير لباس وأعظم لباس يلبسه الإنسان، وهو اللباس الباطن. ولهذا لما ذكر الله عز وجل من امتنانه سبحانه وتعالى على عباده باللباس: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ﴾. ولباس التقوى ذلك خير. لما أنعم الله عز وجل وامتن سبحانه وتعالى بهذه النعمة على عباده أنه أنزل عليهم اللباس، وأنزل عليهم الريش وهو الزينة الخارجية: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ﴾ أي غطى عوراتكم، ﴿ وَرِيشًا ﴾ وهو ما يتزين به، ما يتزين به في اللباس، لأن الريش غالبًا هو زينة العصافير وغيرها. ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ﴾، أي أشار الله عز وجل إلى أن هناك لباسًا لا ينبغي أن يهمل، لا ينبغي أن يهمله الإنسان، وهو لباس الباطن، لباس الباطن وهو تقوى الله جل وعلا، أن ينظف قلبه ويلبسه بتقوى، بتقوى الله جل وعلا. فلهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله وغيره أن الناس في هذا الباب على أنواع، ظهر ذكر أنه ثلاثة أحوال: منهم من يهتم بلباسه الباطن ولا يهتم بلباسه الظاهر، وهذا يعتبر مقصر، يعتبر مقصرًا أنه لم يهتم بلباسه الظاهر، وخاصة إذا كان فيه غلو في الباطن دون الظاهر، مثل ما حصل من بعض أهل التصوف، اهتم بقلبه حتى بلغ إلى الوساوس، وترك نظافة الظاهر، ترك نظافة الظاهر ولباس الظاهر، حتى أن بعضهم كان يلبس خرقًا حتى تكون عورته ترى من هذه الخرق، ما يبالي باللباس، وأيضًا يلبس الثوب المتسخ، بل بعضهم كان يتعمد اتساخ هذا الثوب، يذهب إلى المزابل، يذهب كذا، فتركوا النظافة الخارجية واهتموا بالنظافة الباطنية، وغلوا في ذلك فلم يصيبوا الحق. وهناك من عكسهم، تجد أنه يهتم بنظافة خارجه ولباسه الظاهر، تجد أنه يلبس من أفضل الثياب، وأيضًا يحب أن يرى بأن ثوبه نظيفًا ليس فيه شيء من الاتساخ، ويلبس ما يعجب الناس، لكن لباسه الباطن خاوٍ، لا يهتم به ولا يبالي به، أهم شيء عنده نظافة الخارج، ينظف شعره، يمشط شعره، وأيضًا يرجله، وأيضًا يفعل ما يكون فيه زين له، وكذلك في ثيابه، لكن الباطن لا يهتم به، قلبه لا يهتم به. وهذا تجد أكثر الناس، أكثر أهل الإسلام تجدهم على هذه الصفة، فضلًا عن غيرهم، إلا من رحم الله عز وجل واهتم بقلبه، اهتم بقلبه ومواطن التي يحيى فيها هذا القلب، يحييه بتقوى الله جل وعلا، يلازم تقوى الله سبحانه وتعالى. لكن تجد كثيرًا من الناس يهمل هذا الباب. وإن كان مثلاً الذي يتزين بالزينة الثياب وغيرها ليس فيه شيء إذا لم يكن هناك تكبر. النبي عليه الصلاة والسلام سئله، سأله رجل: إنه يحب أن يكون ثيابه حسنة ونعاله حسنة، فقال: «أفهل هذا من الكبر؟» قال: «لا، إن الله جميل يحب الجمال». الجمال: إن الله جميل يحب الجمال. «الكبر بطر الحق وغمط الناس». وجاء في حديث صحيح الألباني: «إن الله نظيف يحب النظافة». فهذا لا شيء فيه إذا كان يلبس الثياب، لكن لا يغلو، لا يغلو في هذا ويترك ما هو مهم وهو تقوى الله جل وعلا، أو يلبس الحرام. فلهذا المؤمن يهتم بباطنه أكثر. ولهذا كما قلنا الحالة الثالثة: هو من يهتم بباطنه وظاهره، أن يهتم بلباسه الباطن ولباسه الظاهر، يلبس النظيف لكنه أيضًا يهتم بقلبه أكثر. صحيح أنه قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «البذاذة من الإيمان». البذاذة هي الهيئة الرثة. «البذاذة من الإيمان». وقال العلماء: المراد بهذا الحديث أن الإنسان قد يكون أحيانًا في ثياب رثة ليس فيه شيء، لأنه قد يتواضع بذلك، يظهر للناس في ثياب نظيفة ويظهر للناس في ثياب غير نظيفة مثلاً أحياناً، فهذا لا شيء فيه، لأن هذا ليس مهمًا جدًا، وإنما المراد بالشرع أن الإنسان لا يهتم بهذا كثيرًا، بخلاف أن يكون اهتمامه بقلبه، اهتمامه بلباسه الباطن، فإن هذا هو الذي ينفعه سواء كان في الدنيا أو في الآخرة. فتقوى الله عز وجل هي اللباس العظيم الذي ينبغي للمسلم أن يلبسه. وأخيرًا في منزلة التقوى: أن التقوى هي تستجلب كل خير في الدنيا والآخرة، التقوى يستجلب بها كل خير في الدنيا والآخرة، وإن شاء الله سيأتي ذكر هذا الخير في الدنيا والآخرة في ثمار وفوائد التقوى. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم. الحمد لله رب العالمين.