الدرس في التقوى فائدة الصيام الكبرى 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع أن تذكر الموت والقبر والآخرة يوقظ القلب ويزيل الغفلة وقسوته. ويجعل المؤمن أقرب لتقوى الله مستشهداً بأحاديث النبي ﷺ وأقوال العلماء.
يؤكد المقطع أن صلاح القلب يكون بتقوى الله وإحيائه بذكر الموت والقبر ولقاء الله. ويستشهد بحديث صلاة المودع وكلام معروف الكرخي بضرورة استشعار الموت في كل لحظة.
يبيّن المقطع أن الموت قريب من الإنسان لا ينظر إلى سنه أو صحته مستدلاً بأحاديث نبوية. ويؤكد أن تذكر الموت وما بعده يدفع المسلم للتقوى والتزود لها كخير زاد للآخرة.
يختتم المتحدث الدرس الحالي داعياً الله أن ينفع الحاضرين بما سمعوا. ويعلن أن الدرس القادم سيتناول ثمار وفوائد التقوى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فمن الأمور التي يستجلب بها تقوى الله جل وعلا -قد ذكرنا مجموعة من هذه الأمور، وإن شاء الله تعالى نختم بهذا الأمر- فمن هذه الأمور العظيمة التي يستجلب بها تقوى الله: تذكر الموت والدار الآخرة، وكل ما يتعلق بذلك. فإن هذه -أو تذكر هذه الأشياء- توقظ القلب، وتذهب الغفلة، وتذهب قسوة القلب. فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام كما في الترمذي يقول: «تذكروا هادم اللذات، هادم اللذات وهو الموت». أن يتذكر العبد الموت؛ لأجل أن يصلح قلبه، لأجل أن يجعل قلبه حيًّا؛ لأنه إذا نسى الموت غفل القلب، فنسيان الموت هو من أسباب قسوة القلب فيمرض القلب بذلك. لهذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الوهن هو حب الدنيا وكراهية الموت. حب الدنيا وكراهية الموت، حب الدنيا ينسي الموت فيقس القلب ويمرض، فيبتعد عن تقوى الله جل وعلا. وإذا تذكر الموت، تذكر القبر، وتذكر الدار الآخرة، وأنه سيقف بين يدي الله، فإن قلبه يلين، قلبه يحيى، ويتيقظ من الغفلة، فيكون أقرب إلى تقوى الله جل وعلا. وكما قد ذكرنا في ذلك الحديث، حديث عبد الله بن مسعود الذي حسنه الشيخ الألباني رحمه الله عليه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «استحوا من الله حق الحياء». قالوا: الحمد لله، إنا لنستحي من الله. قال: «ليس ذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وليذكر الموت والبلاء، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، وليذكر الموت والبلاء». والبلاء هو القبر؛ لأن فيه تبلى الأجساد. فقال: «وليذكر الموت والبلاء». فمن فعل ذلك فقد استحى من الله حق الحياء. وهذا يوقظ قلب المؤمن ويحييه، وأما القلب الميت المريض فهو بعيد عن تقوى الله جل وعلا. ﴿ أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ﴾، نور التقوى، نور العلم. فالتقوى هي نور القلب وضياؤه، وطريقه إلى الله. فلذلك إذا صلح القلب نعيش بتقوى الله جل وعلا، امتثل أمر الله واجتنب نواهيه على ما استطاع. فلذلك يحتاج المؤمن إلى إحياء قلبه بذكر الموت، ذكر القبر، وذكر دار الآخرة ولقاء الله. فلذلك إذا تذكر مثل هذه الأشياء أحيى الله عز وجل قلبه. ويحتاج المؤمن في تذكر هذه الأشياء إلى أسباب؛ مثلا: حضور الجنائز، حضور المحتضرين، القراءة في الكتب التي ألفت في هذه الأشياء، في تذكر الموت، في الوعظ، في كلام السلف في الموت وتذكروه، وغير ذلك من هذه الأمور التي تحيي القلب وتعضه. لأن الإنسان يحتاج إلى الاستعداد لذلك اليوم، وما سيستعد إلا إذا كان يعض نفسه بذكر هذا الموت. فأكيس الناس كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أكثرهم استعدادا للموت». كلما كان الإنسان مستعدا للقاء الله عز وجل كلما كان أكثر، وأكيس، وأذكى، وأيضا أفطن في هذه الحياة؛ لأن هذه الحياة دار ممر وليست دار مقر يجلس فيها. فلذلك يحتاج المؤمن إلى أن يذكر نفسه باليوم الآخر، يذكر نفسه بالموت، يذكر نفسه بالقبر. كان بعض السلف إذا ذكر الموت بكى، وبعض السلف كان إذا ذكر القبر بكى، بعضهم إذا ذكر لقاء الله بكى. وهكذا التذكير يذكر نفسه، لا يجعل نفسه غافلا عن هذه الأمور، ولا يمني نفسه الأمان وأنه سيعيش وأنه كذا، وإنما يجعل في قلبه أنه سيموت ولو بعد لحظات، ولو في نفس اللحظة. ولهذا في حديث معاذ قال النبي عليه الصلاة والسلام له: «صَلِّ صلاة مودع، كأنك تصلي آخر صلاة، ثم تموت». فلذلك إذا عرف الشخص -كما ذكر معروف الكرخي- أن رجلا كان يقول أو يتذكر أنه قد ينام ولا يصبح، ورجل يتذكر أيضا أنه قد يصلي فلا ينصرف من الصلاة إلا وقد مات. فقال معروف: من رأى أن الموت بعيد عنه فهو في غفلة، بل يتذكر أنه في كل لحظة سيموت، أو كما قال رحمه الله: أن يتذكر أن الموت في هذه اللحظة التي هو فيها يفجأه الموت. فالموت ليس بعيدا عن الإنسان، بل يخيط به كما أخبر -أو كما ذكر- نبينا عليه الصلاة والسلام، لما خط أو عمل نقطة ثم مدها بخط طويل، فقال: «هذا الإنسان، وهذا أمله». ثم جعل هناك مربعا يقطع هذا الخط، مربعا يحيط بهذا الإنسان، قال: «وهذا أجله». هذا الخط العريض: هذا الأمل. ثم جعل خطوطا صغيرة خارج هذا الخط أو الدائرة، وقال: «هذه الآفات، كلما أخطأه عرض نهشه آخر». وهذا الحديث صحيح من حديث عبد الله بن مسعود. كذلك حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معه ثلاثة أعواد، فذكر وقال: «هذا». فغرز عودا، وقال: «هذا الإنسان». ثم ذهب به عودا بعيدا، وقال: «هذا أمله». وجاء بعود قرب العود الأول، فقال: «هذا أجله، إن أجله قريب منه جدا، وأما الأمل فبعيد». فلذلك يتذكر هذا الأجل أنه سيأتيه في أي لحظة. لا الموت لا ينظر إلى عمر الإنسان، هل هو شاب لازال أو صغير أو كبير أو كذا، الموت لا ينظر، وأنا أقصد أن الله عز وجل يتوفى الأنفس سواء كانت... ﴿ إِذَا حَضَرَ أَجَلَهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾. فمدام أنه قد حضر أجله فليس الموت لأجل المرض أو الموت بسبب كذا وكذا، هذه إنما هي أسباب فقط، وإلا قد يموت الصحيح ويبقى العليل والمريض، وهذا مشاهد في هذه الحياة. فلذلك الواجب على المسلم أنه يتذكر هذه الأشياء العظيمة التي تحصل بعد موته، إنه يحتاج إلى الاستعداد لها، يحتاج إلى زاد. وكما قد ذكرنا أن هذه من درجة أو من منزلة التقوى أنها زاد للعباد، ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾. فهذا الزاد هو الذي يحمله معه إلى تلك الدار. فإذا تذكر أنه راجع لله، عمل واتقى الله عز وجل، واتقى الله عز وجل. وهذه هي النقطة التي أردنا أن نصل إليها: وهو أن ذكر الموت وذكر أمور الآخرة توصل إلى تقوى الله جل وعلا، وتستجلب تقوى الله سبحانه وتعالى. وبهذا إن شاء الله نكتفي بما ذكرناه من الأمور التي استجلب بها تقوى الله. إن شاء الله في الدرس القادم نأخذ ثمار وفوائد التقوى. فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، الحمد لله رب العالمين.