الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 676، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الحديث عن شيخ كبير عليل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة يُرجى فيها ليلة القدر، فأمره بالسابعة من العشر الأواخر. ويبين المقطع فضل ليلة القدر وعظم أجرها وحرص النبي والصحابة على تحريها بالاعتكاف.
يوضح المقطع كيف تحرى النبي ليلة القدر فاعتكف في العشر الأول ثم الأوسط ثم الأواخر، وكيف رُفع علمها بسبب تخاصم رجلين. ويبين أن اجتهاد النبي في العشر كان شديداً وأن ليلة القدر غالباً في الليالي الوترية وتحديداً ليلة سبع وعشرين.
يوضح المقطع أن ليلة القدر ليست ليلة محددة بل تنتقل بين الليالي الوترية، مستدلاً بأقوال الصحابة والأحاديث المختلفة. ويذكر علامات ليلة القدر كصفاء الجو وسكينة الليل وطلوع الشمس بلا شعاع، مبيناً أن قول النبي "عليك بالسابعة" يعني أنها أرجى الليالي لا محددة قطعاً.
أطال النبي صلى الله عليه وسلم القيام في ليالي ثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين حتى خشي الصحابة فوات السحور. وأيقظ أهله في ليلة سبع وعشرين للصلاة فيها لنيل فضلها العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو الإمام المبجل، إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، كان إماماً في كل شيء في العلم، أي في الحديث والفقه، ومعرفة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، والتاريخ، وكذلك اللغة وغير ذلك من العلوم. وأيضاً أخذ علم الأصول عن الشافعي رحمه الله. قال: حدثنا معاذ بن هشام، وهو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، يُقال: إن اسم أبي هشام كيسان. قال: حدثني هشام أبي، وهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي البصري، كان من حفاظ البصرة. قال: عن قتادة، وهو ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي، ولد أكمه، ولد أعمى، لكن الله عز وجل آتاه حافظة عظيمة حتى سُمّي أو لُقّب بـ «صاحب المصحف» لقوة حفظه، فكان رحمه الله إذا حفظ شيئاً لا ينساه. قال: عن عكرمة، وهو مولى ابن عباس أبو عبد الله البربري. قال: عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رجلاً أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا نبي الله، إني شيخ كبير عليل، يشق علي القيام، فأمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها ليلة القدر. قال: «عليك بالسابعة». قال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، لأن عكرمة لم يروِ له مسلم، فلهذا قال: على شرط البخاري. هذا الحديث فيه أن هذا الرجل الكبير، أو الشيخ الكبير، فالشيخ غالباً الذي بلغ أكثر من خمسين سنة يُقال له: شيخ، أي شاخ في عمره. فقال: إني شيخ كبير عليل، «عليل» بمعنى مريض، يشق علي القيام، بمعنى كثرة القيام يشق عليه، وهو عنده حرص على القيام إذا كانت ليلة القدر. قال: فمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها ليلة القدر. فقال: «عليك بالسابعة»، سابعة سبع وعشرين. وهذا الحديث فيه أولاً: حرص الصحابة رضي الله عنهم على ليلة القدر، لأن ليلة القدر قدرها عظيم، فهي خير من ألف شهر كما ذكر الله عز وجل، وهي ليلة مباركة: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴾ [الدخان: 3]. فهذه الليلة العظيمة، ليلة القدر، سُميت ليلة القدر لأن قدرها عظيم عند الله جل وعلا، وقيل: سُميت ليلة القدر لأنها يُقدر فيها، يُقدر فيها أعمال الخلائق، وهذا قوله جل وعلا: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 4]، وهذا هو الصحيح لأنها سُميت كذلك، ولا يمنع أيضاً أنها سُميت ليلة القدر لقدر عظمها أو لعظمها، فهي ليلة قديرة عظيمة. وهذه الليلة من حرم أجرها فقد حرم، كما جاء في حديث أبي هريرة: «من حرم أجرها فهو محروم». فلهذا ينبغي لأهل الإيمان أن يستغلوا هذه الليلة. وقد كان نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام يتحراها، كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى ليلة القدر حتى يعتكف في المسجد لأجل ليلة القدر، أي أنه لا يفوته شيء من ليلتها من كثرة العبادات. فإذا كان في المسجد فجلوسه في المسجد عبادة. ولهذا الصحابة، كما قال عروة وغيره، كان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد، قالوا: «نحفظ صيامنا، نحفظ صيامنا»، لأن الغالب الإنسان لما يكون في المسجد يكون وقته عبادة، فجلوسه عبادة ووقته أيضاً غالباً عبادة. وهذا لمن يعرف قدر هذا المسجد، ليس المسجد لأجل أن الناس يتحدثون فيه ويجلسون فيه ويتحلقون فيه حلقاً للكلام، وإنما هو لكتاب الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما بُنيت المساجد لما بُنيت له»، أي لما بُنيت له من ذكر الله ومن الصلاة وغيرها من الطاعات التي تعمل في هذا المسجد. فلهذا كانوا يجلسون في المسجد رجاء أن يحفظوا صومهم. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعتكف، أولاً لم يعرف ليلة القدر في أي أيام هي، وكان يعتكف في العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف في العشرين، ثم أُعلم أنها في العشر الأواخر، فمكث ليلة وقال: «إني أُريت ليلة القدر، وإني أُنسيتها، أو قال: وإني على صبيحتها أسجد على ماء وطين». فقال أبو سعيد: فبتنا تلك الليلة في المسجد، وأصبحنا على مطر، فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام قد سجد على طين وماء. وأيضاً جاء في البخاري من حديث ابن بكير أيضاً أنها كانت في ثلاث وعشرين، فسجد النبي عليه الصلاة والسلام على طين وماء. ثم أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى أن الصحابة كانوا يرون ليلة القدر، فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد تواطأت رؤياكم، فالتمسوها في العشر الأواخر، فالتمسوها في العشر الأواخر». وقد أُعلم بها عليه الصلاة والسلام لكن رُفعت، فقد جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج ليخبر الناس بليلة القدر، فتلاحى رجلان، «تلاحى» تخاصم رجلان، فرفعت، وقد يكون خصامهما في ليلة القدر أو في غيرها. فقال عليه الصلاة والسلام: «إني أُخبرت بليلة القدر، أو أُنبئت بليلة القدر، فأردت أن أخبركم بها، فتلاحى رجلان فرفعت، فالتمسوها في أوتار العشر الأواخر، فالتمسوها في أوتار العشر الأواخر». وجاءت أيضاً أحاديث كثيرة بهذا أنها في العشر، وأنها في أوتارها، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحث على التماسها في العشر. وجاء في حديث أبي سعيد وغيره أيضاً أنه قال: «التمسوها في تسع مضين، أو سبع مضين، أقصد، أو قال: التمسوها في تسع بقين، أو سبع بقين، أو خمس بقين، أو ثلاث بقين، أو آخر ليلة». فقال أبو سعيد: قال له الراوي: «إن كنتم خيراً منا في العد أو الحساب». قال: «نعم، فإنها إذا كانت ليلة إحدى وعشرين فالتي تليها هي التاسعة التي بقيت، يعني اثنين وعشرين. فإذا كانت ليلة ثلاث وعشرين فالتي تليها سبع بقين، وهي ليلة أربع وعشرين، وهي التي أنزل فيها القرآن كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد بإسناد حسن. قال: فإذا كانت ليلة خمس وعشرين فالتي تليها خمس بقين، يعني ست وعشرين، وهكذا». وهذا يدلك على أن ليلة القدر في العشر، وأن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «التمسوها في العشر الأواخر»، وقوله: «التمسوها في أوتار العشر الأواخر»، ليس بينهما تضاد. فالعشر الأواخر قد تكون ليلة القدر في أفرادها، وقد تكون في شفعها، قد تكون ليلة القدر في الأفراد وقد تكون في الشفع، لكن غالباً ما تأتي في الأفراد، غالباً ما تأتي في الأفراد. وهذا بخروج الشهر، إذا كان خروج الشهر تسعاً وعشرين فغالباً تأتي في الأفراد، وإذا كان خروج الشهر ثلاثين فغالباً تأتي في الشفع، أي تكون في الشفع. فلهذا ذلك يدل على أن المسلم المؤمن الراغب في طاعة الله، الذي يريد وجه الله وثوابه، فإنه يحرص على العشر الأواخر أكثر. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها. وقالت عائشة: إذا دخلت العشر... قالت: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله. «شد مئزره» أو قالت: «أحيا ليله وشد مئزره وأيقظ أهله»، أي في العشر الأواخر من رمضان، لما يدل على أنها ليالي عظيمة، لتحري النبي صلى الله عليه وسلم فيها ليلة القدر. واختلف العلماء: هل هي ليلة معينة أو ليست معينة؟ صحيح أنها ليست ليلة معينة كما قد ذكرنا في الأحاديث. وأما تعينها بالسابعة فهذا من باب أنها أرجى لياليها، أن غالباً تأتي في سبع وعشرين، أرجى لياليها. وأما ما جاء عن أبي بن كعب في صحيح مسلم أنها في سبع وعشرين، وأقسم على ذلك، فهذا يحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بها على أنها في سبع وعشرين، ثم بعد ذلك رُفعت هذه الليلة، وصارت ليست ليلة معينة، صارت ليست ليلة معينة. وهذه الأدلة أكثرها تدل على ذلك، على أنها لم تُعين، وإنما تنتقل هذه الليلة، تنتقل. فلهذا جاءت في الأحاديث أنها إحدى وعشرين، وجاءت في الأحاديث أنها ثلاث وعشرين، وجاءت أيضاً كذلك أنها سبع وعشرين. فلهذا قد يكون أيضاً أقسم أُبي رضي الله عنه لأنه وافق ليلة القدر في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كانت ليلة سبع وعشرين. ومما يدل على أنها ليست معينة ما ذُكر في حديث أبي نفسه في صحيح مسلم من العلامات: «وأن ليلتها صحوة، لا باردة ولا حارة»، يعني تكون ليلة صحوة وهادئة وساكنة، ليس فيها هواء شديد، يعني ليس فيها برد ولا حر، فهي ليلة ساكنة وهادئة. وأيضاً من العلامات التي جاءت أيضاً: «أنها لا يُرمى فيها بالشهب»، لا يُرمى فيها بالشهب، أي هذه النجوم التي تُرمى على الشياطين لا تُرمى في ليلة القدر، لأن ليلة القدر تكثر فيها الملائكة وتتنزل الملائكة، فلا يستطيع مسترقو السمع أن يقربوا من السماء، فلذلك فلا تكون في تلك الليلة شهب. وأما علاماتها بعد الليلة فذُكر أيضاً في حديث أُبي: «أنها تصبح، أو تكون صبيحتها، الشمس لا شعاع لها»، أنها تصبح الشمس لا شعاع لها، تشرق أول ما تشرق، فإذا جاء وقت الشعاع إنما ترتفع، ما تجد فيها شعاعاً. وجاءت بعض العلامات فيها ما هو ضعيف لا يصح، فيها أيضاً ما صح لكن بالشواهد. وكما قلنا في هذا الحديث: قال: «عليك بالسابعة»، وهذا لا يدل على أنها في 27، وإنما هي أرجى لياليها. لأن هذا الرجل طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدله على ليلة يجتهد فيها، لأنه رجل كبير ومريض يشق عليه القيام، فيصلي وهو جالس، هذا مفهوم الحديث، يصلي وهو جالس. لكن إذا يريد ليلة لا يجلس فيها، يريد ليلة لا يجلس فيها، لماذا؟ لأن معناه يريد أن يحافظ على الأجر. عن النوافل يجوز للإنسان أن يجلس فيها، النوافل يجوز خاصة صلاة الليل يجوز أن يجلس فيها، لكن أجر الجالس ليس كأجر القائم. أجر الجليس ليس كأجر القائم، فإنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجر الجالس نصف أجر القائم»، أقصد: يتحصل نصف أجر القائم، القائم يتحصل على ضعف أجر الجالس. هذا إذا كان في نافلة وهو يستطيع القيام. أما إذا كان لا يستطيع القيام، إذا كان لا يستطيع القيام أو يشق عليه كثيراً وقد يمرضه، فهذا إن شاء الله أجره كامل، أجره كامل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يُكتب للعبد ما كان يفعله مقيماً صحيحاً»، الله كما جاء في حديثه بموسى في صحيح البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا مرض العبد أو سافر، إذا مرض العبد أو سافر، كُتب له ما كان يفعله أو يعمله صحيحاً مقيماً، كُتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً». فإن كان هو محافظ على القيام في صلاته وجلس لأجل المرض، فإنه يُكتب له كذلك. إذا كان في الفرض يقوم وجلس لأجل مرضه، فإنه أيضاً يُكتب له أجر قيامه كاملاً. وإنما إذا كان يستطيع القيام وجلس في النافلة للترخص، فالشرع جعل له نصف الأجر، حتى حثت على أن يقوم. فهذا الرجل كان يشق عليه القيام فيصلي جالساً، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: دلني على ليلة القدر، أو ليلة... يعني يوفقني فيها ليلة القدر، لعل الله يوفقني فيها ليلة القدر. فقال: «عليك بالسابعة». ولهذا يقول العلماء: أن أرجى لياليها هي ليلة سبع وعشرين، أرجى لياليها هي ليلة سبع وعشرين. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما قام بهم في حديث... قام بالصحابة، قام بهم ليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، فقام كثيراً. قال أبو ذر: حتى خشينا الفلاح، أو قال: حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قالوا: يا أبا ذر، ما الفلاح؟ قال: السحور. أنا خشيوا أن الفلاح يفوتهم لأن النبي عليه الصلاة والسلام أطال في ليلة سبع وعشرين. وجاء أيضاً كذلك في الحديث أنه أيقظ، أو جمع أهله في تلك الليلة، يعني أخرج أزواجه يصلين تلك الليلة. طيب، فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.