الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 678

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 678

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 678، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حنين الجذع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزات محبة المخلوقات

يروي المقطع حديث حنين جذع النخلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم عندما تحول عن الخطبة عليه إلى المنبر، وسكن حين احتضنه النبي، وهو حديث متواتر عن جمع من الصحابة. كما يذكر معجزة البعير الذي سجد للنبي محبةً وخضوعاً، دليلاً على محبة الله له ووضع القبول له في قلوب المخلوقات جمادها وحيوانها.

منهج أهل السنة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم بين الغلو والتفريط

يستعرض المقطع مواقف تدل على محبة المخلوقات للنبي صلى الله عليه وسلم كالحجارة والبعير، ويؤكد منهج أهل السنة في محبته محبة شرعية معتدلة لا غلو فيها كما فعلت النصارى ولا تفريط. مستدلاً بأحاديث محبته فوق الوالد والولد، وآية الصحبة في الجنة.

محبة النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه سبب للقرب في الجنة

يُبيّن المقطع أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم والشوق إليه من أعظم العبادات التي تُقرّب العبد منه في جنة الفردوس، كما دلّ عليه حديث الأعرابي: «المرء مع من أحب». كما أن الإكثار من الصلاة على النبي يجعل العبد أقرب الناس إليه مجلسًا يوم القيامة، وأهل الحديث أحقّ بذلك لكثرة ذكرهم وصلاتهم عليه.

دعاء ختامي بطلب محبة النبي صلى الله عليه وسلم والجنة

يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله أن يجعله ومن معه من محبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يجمعهم به في جنة الخلد. ثم يحمد الله ويثني على الحضور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عفان، عفان بن مسلم الصفار، أبو عثمان البصري، قال: أخبرنا حماد، حماد بن سلمة، حماد بن سلمة بن دينار البصري، وهو حافظ إلا أن له أخطاء في الحديث لا تخرجه عن الثقة. قال: عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر، فلما اتخذ المنبر وتحول إليه حن إليه، فأتاه فاحتضنه فسكن، فقال عليه الصلاة والسلام: «ولو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة». وقال: وحدثنا عفان، قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، عن النبي عليه الصلاة والسلام مثله. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وحماد هو ابن سلمة. وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا حسن بن موسى، وهو الأشيب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، وثابت البناني، عن أنس بن مالك، أي: جاء معناه. عمار بن أبي عمار رواه عن ابن عباس، وعن ثابت عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يخطب في جذع نخلة، فلما اتخذ المنبر تحول إلى المنبر، فحن الجذع حتى أتاه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاحتضنه فسكن، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة». فهذا الحديث أيها الإخوة الكرام قد جاء عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم. ذكره البخاري ومسلم أيضا هذا الحديث عن أنس، وعن أبي هريرة، وعن غيرهما، فالحديث مشهور عن الصحابة رضي الله عنهم، وعاينوا تلك الحادثة العظيمة. هذه الحادثة العظيمة التي حصلت أن حن الجذع، جذع النخلة، حن إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإلى كلامه. وقد جاء في صحيح البخاري أن امرأة من الأنصار جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقالت: يا رسول الله، إن ابني نجار، فاجعل له أو أمره أن يفعل لك كرسيًا تخطب الناس فيه، فقال: افعل. فجهز هذا الولد هذا الكرسي وهو المنبر، وأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام، فخطب النبي عليه الصلاة والسلام فيه. قد كان يخطب في جذع النخلة، جذع نخلة في المسجد، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصعد فيه ويخطب، فلما خطب النبي عليه الصلاة والسلام على المنبر حن الجذع، والجذع جماد، حن إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإلى كلامه. فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل الله عز وجل فيه بركة، وجعل أيضا للمخلوقات له محبة، أحبه الله عز وجل فوضع الله عز وجل له القبول في الأرض، فكل شيء كان يحبه عليه الصلاة والسلام، حتى الحيوانات. ففي حديث عبد الله بن جعفر: لذاك البعير الذي صار كالكلب، إذ صار متوحشًا، جاء بعض الأنصار إلى النبي عليه الصلاة والسلام يشكون من هذا البعير الذي كان يسقيه سقيا، إذ يخرج الماء من البئر، فلم يقبل بعد ذلك وتوحش عليه، فقال: دلوني عليه. فلما توجه النبي عليه الصلاة والسلام إليه، قالوا: يا رسول الله، إنا نخشى عليك منه، فإنه صار كالكلب العقور. فقال: «لا عليكم، لا عليكم مني»، أي: لا تخشوا علي. فلما قرب النبي عليه الصلاة والسلام من هذا البعير هرع إلى النبي عليه الصلاة والسلام وبرك، وسجد، برك كالسجود للنبي عليه الصلاة والسلام. فقال معاذ: يا رسول الله، هذه بهائم لا تعقل ولا تتكلم تسجد لك، أفلا نسجد لك؟ قال: «لا، لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقها عليه، ولكن يسجد لله جل وعلا». فهذا حيوان، وكذلك كانت الأحجار تسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال رسول الله: «إني لا أعلم حجرًا بمكة ما مررت من عنده إلا سلم عليه». وأيضًا ذاك البعير الذي وجده النبي صلى الله عليه وسلم في بستان من البساتين، فجاء وقرب إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فوجده يبكي حتى دمعت عيناه، أي: هذا البعير. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لمن هذا البعير؟» فقال رجل أو فتى من الأنصار: يا رسول الله، لي. قال: «فإنه قد اشتكى لي أنك تجيعه وتتعبه، أنك تجيعه وتتعبه»، معنى: تتعبه كثيرًا، والعمل عليه كثير، والأكل الذي تعطيه قليلا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فاتقوا الله في هذه البهائم، اتقوا الله في هذه البهائم». فهذا الجذع وهو جماد حن لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحن لكلامه، صلوات الله وسلامه عليه. فكيف بالذي يدعي محبته وهو لا يبالي بكلامه، صلوات الله وسلامه عليه؟ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه سيكون بعدي أناس من أمتي، لو أن لأحدهم كذا وكذا أنه يراني، أنه لو يعطى كذا وكذا وأنه يرى النبي عليه الصلاة والسلام لاختار رؤية النبي عليه الصلاة والسلام»، أي: أنهم عندهم شوق لرؤية رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وهذا لما أوقع الله عز وجل في قلب أهل الإيمان من محبته وتبجيله وتعظيمه، صلوات الله وسلامه عليه. لكن هذا التعظيم والتبجيل والمحبة على ما جاء وفق شرع الله جل وعلا، لا غلو فيها ولا تفريط. وبحمد الله أهل السنة في مسألة النبي عليه الصلاة والسلام فهم ليسوا من الغلاة الذين يعطون النبي عليه الصلاة والسلام فوق منزلته، ويعطونه شيئًا من خصائص ربوبية الله جل وعلا. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام نبه بعض الناس في هذا، فقال: أناس كما جاء في النسائي، يعني: أناس جاءوا ناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وهو كذلك عليه الصلاة والسلام. لكن قال لهم: «يا أيها الناس، قولوا بقولكم، لا يستزلنكم الشيطان»، معنى: يجعل لكم جرية، معنى: يجريكم إلى أن تغلوا وتأتوا بأشياء ليست فيه. الآن تقولون: خيرنا وابن خيرنا، ثم بعد ذلك تغلون حتى جاء من بعدهم وقالوا: وعطى النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعلم الغيب، وأنه يفعل ويفعل من خصائص ربوبية الله جل وعلا. وكما قال ذاك الشاعر، شاعرهم، شاعر أهل التصوف، صاحب البردة، البصيري: «زعمت دعواهم النصارى في نبيهم، وحكم بما شئت في نبينا، واحدة فقط أن تقول أنه ابن الله، لا تقول ابن الله، لكن قل ما شئت من الألفاظ». هذا كلام باطل. فأيضًا كذلك أهل السنة لا يفرطون في محبة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يقدمون أحدًا على قوله، ولا أيضًا يقدمون أحدًا على محبته، بل محبة النبي عليه الصلاة والسلام هي أفضل شيء عند أهل السنة، أنهم لا يقدمون على محبة الله أحدًا من الخلق. وأقصد محبة النبي عليه الصلاة والسلام فهو أحب إليهم من كل أحد، أحب إليهم من كل أحد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». فلهذا فمحبة النبي عليه الصلاة والسلام من المحبة الشرعية، وأيضًا كذلك من العبادات العظيمة الحنان إلى رسول الله. وهذا قد كان الصحابة رضي الله عنهم يجدونه، يحنون إلى النبي عليه الصلاة والسلام في كل وقت وحين، حتى أن رجلًا من الصحابة من الأنصار قال: يا رسول الله، قال: يا رسول الله، نحن الآن نراك ونحب أن نسمع كلامه، فإذا دخلت الجنة فأنت في أعلى الجنان، أنت ستكون في أعلى الجنة، فما سنراك؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]. في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء أعرابي وقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال: «وما أعددت لها؟» قال: ما أعددت لها كثرة صيام ولا صلاة، ولكني أحب الله ورسوله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «المرء مع من أحب، المرء مع من أحب». قال أنس رضي الله عنه: ما فرحنا بشيء مثل فرحنا بهذا، أي: بهذا الكلام. فقال: فإني أحب رسول الله وأبا بكر وعمر، وأسأل الله أن أحشر معهم. انظر إلى هذه المحبة العظيمة التي كانت في قلوب الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأيضًا كما قلنا أن هناك عبادة وهي الحنان إلى رسول الله والشوق إليه وإلى رؤيته، وإلى أيضًا أن يكون العبد معه في جنة الله جل وعلا. فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قد ذكر أشياء يبين فيها صلوات الله وسلام عليه أن من فعلها فهو معه في الجنة، مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة». وأيضًا كذلك في حديث البخاري عن جابر في الأذان، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من سأل لي» - أو قال: «من قال لي» -: «إن هناك منزلة عند الله لا يبلغها إلا عبد من عباد الله، فأرجو أن أكون أنا». وقال: «قد حلت لمن أتى بالدعاء الذي بعد الأذان: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، قال: حلت له شفاعتي». وأيضًا كذلك هذا الحديث الذي ذكرناه، وهو الشوق والمحبة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ترفع العبد إلى أعالي الجنان، يكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، أي: في أعالي الجنان، في جنة الفردوس، فيكون مع هذه الرفقة العظيمة، وهذا الرفيق الأعلى الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله يدعو الله عز وجل، فيقول: «في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى». ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]. فلهذا من هذا الباب أن العبد يطمع ويسأل الله عز وجل أن يكون مع رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جنة الفردوس، فإن هذه المحبة وهذا السؤال قد يعطيك الله عز وجل ما تمنيت وما سألت، بسبب هذه المحبة التي في قلبك يبلغك الله عز وجل هذه المنازل العظيمة. وكما قال ذلك الأعرابي: «ما أعددت كثرة صيام ولا صلاة، ولكني أحب الله ورسوله». فلهذا فمحبة النبي عليه الصلاة والسلام وذكره، صلوات الله وسلامه عليه، والصلاة عليه من الأمور العظيمة. ولهذا جاء في الترمذي، جاء في الترمذي أن النبي - الحديث بأبي هريرة وغيره - أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أكثرهم مني مجلسًا يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة، أكثرهم عليّ صلاة» - أو قال: «أكثرهم عليّ صلاة أقربهم مني مجلسًا يوم القيامة». ولا شك أن أهل الحديث هم أفوز الناس بهذا الحديث، كما قال ابن حبان بعد أن أخرج هذا الحديث، فقال: أهل الحديث هم أفوز الناس بهذا الحديث لأنهم أكثر صلاة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن شغلهم الحديث، فهم دائمًا يذكرون الحديث ويذكرون النبي عليه الصلاة والسلام ويصلون عليه. فهو أيضًا ذكر ابن حبان أن أسعد الناس بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام وبهذا الحديث والقرب من النبي، أسعدهم هم أهل الحديث لأنهم أكثر صلاة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلهذا قد يذكر الواحد منهم الحديث أو عدة أحاديث في مجلس واحد، فيصلي على النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من عشرين مرة، أو بل أكثر من هذا. وهذا كله يدل على أن أهل الحديث هم أسعد الناس بهذا الحديث، وأيضًا بمحبة النبي عليه الصلاة والسلام. ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا من محبي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وممن يكون معه في جنة الخلد. والحمد لله رب العالمين، وجزاك الله خيرًا.