الدرس في أخطاء المصلين 34، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع خطأ ترك الاغتسال والتزين والتطيب والتسوك لصلاة الجمعة، مبيناً فضلهما من الأحاديث النبوية وأقوال العلماء. ويشير إلى خلاف الفقهاء في حكم الغسل، ورأي المحققين بوجوبه على من حضر الجمعة مستدلين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل».
يستعرض المقطع أدلة العلماء القائلين بوجوب الغسل يوم الجمعة، منها حديث عمر بن سليم الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". كما يذكر أثر عمر بن الخطاب مع أحد المهاجرين الذي اكتفى بالوضوء، فأنكر عليه عمر وقال: "والوضوء أيضاً، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل".
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الاغتسال للجمعة واستدلوا بحديث «الغسل أفضل» لصرف الأحاديث الدالة على الوجوب، بينما رأى ابن حزم وابن تيمية أن الأفضلية لا تنفي الوجوب. وينصح المسلم بالحرص على الاغتسال عند السعة لقدره وفضله العظيم، على أن يكون الاغتسال عند الإتيان للصلاة لا قبلها ولا بعدها.
يبدأ وقت الاغتسال يوم الجمعة من طلوع الفجر وينتهي بانتهاء صلاة الجمعة، ومن اغتسل قبل الفجر أو بعد الصلاة لم يمتثل للأمر ولم ينل الأجر المذكور في الفضل. ويؤكد المقطع أن الوقت المحدد هو جزء من الامتثال للأمر النبوي المتعلق بيوم الجمعة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن أخطاء المصلين في يوم الجمعة من تلك الأخطاء: ترك الاغتسال والتزين والتطيب والتسوك لصلاة الجمعة، وكل ذلك يدور بين التخلية والتحلية. ولو نظرت في الأحاديث الواردة في مثل هذه الأعمال لوجدت أن الفضل يثبت بمجموعها. ولذلك يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى معدداً الفوائد المستنبطة من الحديث المتقدم، حديث أبي هريرة: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما...» إلى آخر الحديث، قال: «وفي هذا الحديث من الفوائد الحض على الاغتسال يوم الجمعة وفضله، وفضل التبكير إليه». قال: «وأن الفضل المذكور يحصل لمن جمعها». ومر معنا أيضاً في حديث أوس بن أوس: «من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام...» إلى آخر ذلك. والاغتسال يوم الجمعة هو آكد تلك الأعمال المذكورة، ولذلك اختلف الفقهاء في حكم الغسل يوم الجمعة، ليدل كذلك على فضل الاغتسال في يوم الجمعة. فذهب بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن حزم، وكثير من العلماء المعاصرين إلى وجوب الغسل يوم الجمعة لمن حضرها ولمن شهدها. ودليلهم على ذلك أحاديث جاء فيها الأمر بالاغتسال، وأنه حتم. من ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» متفق عليه. واللام في الفعل المضارع لام الأمر، والأصل فيه الوجوب، فدل هذا الحديث على أن الغسل لصلاة الجمعة لمن يأتي إليها، أما من لم يأت إليها فلا غسل عليه. وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن من اغتسل بعد صلاة الجمعة لم يغتسل للجمعة، إنسان بعدما صلى الجمعة اغتسل ولم يغتسل قبلها، فلا يحصل على الأجر الوارد في فضل الاغتسال في يوم الجمعة، ولم يمتثل الأمر لمن قال بالوجوب. وابن حجر العسقلاني أيد هذا القول وانتصر له وقال: وهو الحق. وهكذا جاء عن عمر بن سليم الأنصاري، من أدلة القائلين بالوجوب، هذا الحديث أيضاً: حديث عمر بن سليم الأنصاري رضي الله عنه قال: «أشهد على أبي سعيد»، قال: «أشهد»، أي أبو سعيد، قال: «أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم»، على كل محتلم؛ لأن المحتلم تجب عليه الجمعة، تجب عليه الجمعة. ومن تلك أيضاً الأحاديث ما جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم يخطب بالناس في يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فناداه عمر: «أي ساعة هذه؟» يعني ينكر عليه تأخره عن الصلاة أو عن خطبة الجمعة. فقال له: «أي ساعة هذه؟» قال: هذا المهاجري: «إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي»، يعني أرجع إلى أهلي، «حتى سمعت التأذين»، يعني سمعت الأذان، أذان صعود الخطيب على المنبر؛ لأن كان في عهد عمر أذان واحد، إنما الأذان الثاني فعله عثمان رضي الله تعالى عنه، فالمراد بالتأذين هنا الأذان الذي يكون بعد صعود الخطيب على المنبر. فقال هذا الرجل: «فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضعت»، يعني بسرعة توضأت وجئت. فقال: «والوضوء أيضاً، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل». وهذا الأثر جاء في صحيح البخاري. فبمجموع هذه الأحاديث ذهب من ذهب من العلماء إلى وجوب الاغتسال يوم الجمعة. وأما جمهور العلماء فذهبوا إلى الاستحباب، وجعلوا الصارفة لتلك الأحاديث التي فيها الوجوب حديث الحسن بن أبي الحسن عن سمرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة، ومن اغتسل فالغسل أفضل». قالوا: فقوله «الغسل أفضل» هذه اللفظة تدل على عدم الوجوب. والحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود، وإن كان الحسن عنه وهو مدلس، لكن بعض المحدثين حسنه وقواه بمجموع الطرق، بمجموع الطرق. فذهبوا بهذا الحديث، أو جعلوا هذا الحديث صارفاً للأحاديث الواردة في الوجوب. ولم يرتضِ أهل الوجوب هذا الصارف، فقد رد ذلك ابن حزم في المحلى وغيره، وقال: إن هذه اللفظة ليست صريحة في صرف الوجوب، فلا يلزم من ذكر الأفضلية عدم الوجوب. واستدل بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم﴾، فالإيمان والتقوى ليست أمراً مستحباً وإنما هي أمر واجب، أمر واجب. وأيد ذلك أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يرتضوا أن يكون هذا الحديث صارفاً للوجوب. على كل حال ينبغي للمسلم أن يحرص على الاغتسال، لا سيما عند السعة والاستطاعة، كأن تكون الأمور ميسرة عنده، الماء وعنده الحمام، وعنده وجود البرد الساخن ونحو ذلك، فلا يفرط في مثل هذا الأمر؛ لما ورد فيه أولاً من الأمر به، ولما ورد ثانياً فيه من الفضل والأجر. فإنه كما تقدم أن بعض الأجور التي وردت في فضل يوم الجمعة مقيدة ببعض الأعمال، ومنها الاغتسال: «من غسل واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب واستمع ولم يلغو كان كل خطوة يخطوها يرفع الله عز وجل بها درجة ويحط عنه بها خطيئة»، فضل عظيم. فجاء مقيداً بالاغتسال وبغيره من الأعمال، فلا يفرط المسلم في هذا العمل الفاضل في ذلك اليوم. ويكون الاغتسال عند الإتيان إلى الجمعة، لا يكون قبل الجمعة ولا بعد الجمعة. فذكر العلماء أن الاغتسال يوم الجمعة يبتدئ من طلوع الفجر، يبتدئ من طلوع الفجر، إذا طلع الفجر فهنا يبتدئ وقت الاغتسال، وينتهي عند انتهاء الصلاة. إذا صلى الناس ولم تأتِ إلى المسجد فهنا انتهى وقت الاغتسال. فمن اغتسل قبل الفجر أو بعد الصلاة فلم يمتثل هذا الأمر، ولم كذلك ينل تلك الأجور التي جاءت في فضل من اغتسل يوم الجمعة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقه نفوسكم في دينه. إلى هنا والله تعالى أعلم.