الدرس في أخطاء المصلين 32، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس بالتحذير الشديد من ترك صلاة الجمعة بغير عذر شرعي، مستعرضاً الأحاديث النبوية التي توعد المتخلفين بالختم على قلوبهم وعزم النبي ﷺ على حرق بيوتهم. ويؤكد المتحدث وجوب أدائها كأعظم الفرائض بعد الصلوات الخمس.
يسوق المقطع الأحاديث والآثار المحذرة من التخلف عن الجمعة ثلاث مرات، مبيناً أن ذلك يوجب الطبع على القلب وجعله قلب منافق، وأن ترك ثلاث جمع متواليات يعد نبذاً للإسلام. وينقل خلاف العلماء في اشتراط التوالِي في الثلاث المتروكات.
يبيّن المقطع أن ترك ثلاث جمع متوالية هو موجِب للوعيد الشديد بالطبع على القلب، بينما ترك جمعة واحدة آثم دون بلوغ ذلك الوعيد، وأن ذكر الثلاث رحمة وإمهال للتوبة. وينقل عن ابن الإخوة وجوب تعزير من يشغل عن الجمعة بتجارة أو لهو بالضرب بالعصا دون محاباة.
يوضح المقطع أن للحاكم سلطة تعزير تارك الصلاة بعقوبات مشددة كالسجن أو ما يراه مناسباً لردع التساهل في أداء الفريضة. ويختتم الدرس بدعوة للمتابعة في دروس قادمة والاشتراك في القناة.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ففي دروس ماضية وقبل شهر رمضان أخذنا جملة من أخطاء المصلين في الصلاوات الخمس، وفي كذلك أفعالها وأقوالها وبعض ما يتعلق بها، وننتقل إلى أخطاء المصلين في صلاة الجمعة خاصة. فمن أعظم وأشنع تلك الأخطاء التي يقع فيها بعض المصلين فيما يتعلق بصلاة الجمعة: التهاون في ترك صلاة الجمعة من غير عذر، إما لتجارة ودنيا، وإما لنزهة ولهو ولعب، وإما لاصطياد ونحو ذلك. فقد جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام الوعيد الشديد لمن ترك صلاة الجمعة هاونًا وتعمدًا. فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «على أعواد منبره لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات» يعني عن تركهم الجمعات «أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين». والختم على القلوب هذا دليل على الجفاء، وعلى كذلك القسوة، وعلى الغفلة. فمن ترك هذه الصلاة ولم يعتني بها ولم كذلك يؤديها فهو متوعد بهذا الوعيد. وقد جاء أيضًا في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم». فقد عزم النبي صلى الله عليه وسلم على حرق بيوت من يتخلف عن صلاة الجمعة، كما هم عليه الصلاة والسلام بحرق بيوت من يتخلف عن صلاة الجماعة. وهذا يدل على وجوب صلاة الجمعة، وأنه لا يجوز للمسلم أن يتخلف عنها إلا لعذر كمرض أو نحوه. وهكذا جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم» والصبة هي السربة، إما من الخيل وإما من الإبل وإما من الغنم، وقيل أنها ما بين العشرين إلى الثلاثين، وقيل ما بين العشرة إلى الأربعين، يعني يرعى بمجموعة من الأغنام. فقال: «ألا عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكَلأ، يعني لا يجد الكَلأ قريبًا، قال فيرتع، يتتبع ماذا؟ الكَلأ والعشب، قال فيرتع، ثم تجيء الجمعة، بسبب بعده وبسبب تماديه في الرعي، تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها، وتجيء الجمعة الثانية فلا يشهدها، وتجيء الجمعة الثالثة فلا يشهدها حتى يطبع على قلبه». هذا الحديث رواه ابن خزيمة وابن ماجه والحاكم في المستدرك، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع. وهذا فيه دليل على أنه لا ينبغي للمسلم بسبب الدنيا من رعي أو تتبع صيد، سواء كان من صيد البر أو البحر، أو من نزهة ولهو ولعب، لا ينبغي له بسبب هذه الأمور أن يتخلف عن صلاة الجمعة. وجاء عن محمد بن عبد الرحمن بن الزرارة قال: سمعت عمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، طبع الله على قلبه، وجعل قلبه قلب منافق، وجعل قلبه قلب منافق». هذا الحديث رواه البيهقي وأبو يعلى، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب. وفيه زيادة على الأحاديث المتقدمة قوله: «وجعل قلبه قلب منافق»، فهي علامة من علامات النفاق: التخلف عن الصلوات عامة، وعن صلاة الجمعة خاصة. وجاء أثر موقوف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح رواه أبو يعلى أن ابن عباس قال: «من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره، فقد نبذ الإسلام وراء ظهره». ولذلك اختلف العلماء فيما جاء في الأحاديث المتقدمة في ترك ثلاث جمع: هل هي متوالية أو لا يلزم أن تكون متوالية؟ على قولين، والأقرب أنها متوالية لما جاء في أثر ابن عباس، والغالب أن مثل هذا لا يقال بالرأي فله حكم المرفوع. فالقول بأن هذه الجمع متوالية هو الأقرب. وليس معنى ذلك أن يتهاون المسلم بترك جمعة، بترك جمعة أو جمعتين، بحجة أن الأحاديث التي جاء فيها هذا الوعيد إنما هو لمن ترك ثلاث جمع. نعم، هذا وعيد شديد، هذا وعيد شديد وهو الطبع على القلب، لكن من ترك جمعة واحدة فلا شك أنه آثم، لا شك أنه آثم، ويلحقه الإثم، وإن لم يلحقه هذا الوعيد الوارد في الأحاديث المتقدمة. فلا يجوز للمسلم أن يتهاون في مثل هذه الصلاة. وذكر الثلاث، ذكر العلماء له حكمة: لماذا هذا الوعيد جاء في حق من ترك ثلاث جمع؟ قال العلماء: واعتبار الثلاث إمهال من الله تعالى للعبد ورحمة به، لعله يتوب من ذنبه. يعني إذا ترك الجمعة الأولى لعله يتوب من ذنبه فلا يلحقه ذلك الوعيد، ولعله يعود إلى رشده فيندم ويتحسر على تركه لهذه الجمعة فيؤدي الجمعة ولا يتركها بغير عذر، فهو من باب الإمهال ومن باب الرحمة، رحمة الله عز وجل بعباده. يقول ابن الإخوة في كتابه معالم القربة في أحكام الحسبة، يقول في حق تارك صلاة الجمعة: «من شغل عنها» أي شغل عن صلاة الجمعة بتثمير مكسبه، يعني بالتجارة في ماله وطلب الزيادة، «أو لها عنها بالإقبال على لهوه ولعبه، فحده بالآلة العمرية». وما هي الآلة العمرية؟ يعني عصا عمر، درة عمر، درة عمر. فيقول: «من شغل عنها بتثمير مكسبه أو لها عنها بالإقبال على لهوه ولعبه فحده بالآلة العمرية التي تضع من قدره وتذيقه وبال أمره». قال: «ولا يمنعك من ذي شيبة شيبته، ولا من ذي هيئة هيئته، فإنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد». وقوله هنا: «فحده بالآلة العمرية» لا يريد الحد الشرعي، يعني ما جاء في الشرع أن من ترك هذه الصلاة يضرب بالعصى، وإنما هو من باب الزجر ومن باب التعزير له، ومن باب التعزير له. بل إذا رأى الحاكم أنه يعزر بما هو أعظم من ذلك عزره، ولو بالسجن، ولو بغير ذلك، حتى لا يتساهل ويتهاون في أمر هذه الصلاة التي فرضها الله عز وجل على عباده. نكتفي اليوم بهذا، ونكمل إن شاء الله في دروس قادمة. إلى هنا والله تعالى، شكرًا لكم. شكرًا لكم، اشتركوا في القناة.