الدرس في أخطاء المصلين 35، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع الفرق بين روايتي «غسل واغتسل» في حديث الغسل يوم الجمعة، مبيناً أن المراد غسل الرأس ثم الجسد أو غسل الزوجة. ويؤكد أن الجمعة يوم عيد يشرع فيه الغسل والسواك تطيباً للنفس واستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنظافة عند كل مسجد.
يستحب للمسلم التزين في يوم الجمعة بلباس نظيف خاص وطيب الرائحة، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على اقتناء ثوبين للجمعة غير ثياب العمل. ويؤكد على ذلك في أحاديث صحيحة متعددة الروايات مشجعاً على التطيب ولو بالقليل.
يؤكد المقطع على سنة التطيب يوم الجمعة بقول النبي صلى الله عليه وسلم «ما يقدر عليه»، مبيناً جواز استخدام طيب النساء إن لم يوجد طيب الرجال. ويحذر من ترك هذه السنة لأن الأجور يوم الجمعة مقيدة بأعمال كالتطيب والاغتسال والتبكير.
يُشير المقطع إلى الآية الكريمة التي تؤكد أن في رسول الله قدوة حسنة للمؤمنين في جميع شؤونهم. ويختتم المتحدث الحديث مكتفياً بما ذُكر مستعيناً بالله تعالى على إتمام الخير.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيما يتعلق بأمر الاغتسال أو الغسل يوم الجمعة، ما جاء في حديث أوس بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من غسل واغتسل»، وجاءت كذلك بالتخفيف: «من غسل واغتسل»، وما معنى هذين الفعلين، وهل بينهما فرق؟ نعم، بينهما فرق. فعلى رواية التخفيف: «من غسل واغتسل»، أي من غسل رأسه وغسل سائر جسده، فالفعل الأول يراد به غسل الرأس؛ لأن بعض الأحاديث جاءت مقيدة بغسل الجنابة، كما مر معنا في حديث عبد الله، في حديث أبي سعيد الخدري: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة»، فأتى بالفعلين: «غسل واغتسل»، أي غسل رأسه ثم غسل سائر جسده. وقيل: «من غسل واغتسل»، من غسل الرجل زوجته إذا جاء معها. وعلى لفظ «من غسل واغتسل» بالتضعيف، أي من غسل رأسه ثم غسل سائر جسده. وأيضاً فُسِّر «من غسل واغتسل» أي من غسل زوجته، وذلك بمجامعتها في يوم الجمعة. هذه المعاني ذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث. وهكذا يوم الجمعة، أيها الإخوة، يوم عيد، عيد الأسبوع، ويوم اجتماع المسلمين، فلذلك يشرع فيه الغسل، وهذا من التخلية. وكذلك يشرع فيه السواك، وهذا من التخلية. فكما اعتنى الإسلام بتنظيف الجسد، اعتنى الإسلام بتنظيف الفم؛ فالجسد بالاغتسال، والفم بالاستياك. فقد جاء في حديث أبي سعيد المتقدم قال عليه الصلاة والسلام: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس من طيب إن وجده». فقوله: «وأن يستن»، أي يستاك في يوم الجمعة، حتى يأتي إلى المسجد بروائح طيبة؛ لأنه سيأتي لأداء الصلاة والاستماع الخطبة التي يحضرها جمع غفير من المسلمين، فيأتي على هيئة طيبة من النظافة. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، أي عند كل صلاة، فيدخل في ذلك صلاة الجمعة من باب أولى. وتعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على السواك عموماً: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك»، «لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء»، «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، فكان يكثر النبي صلى الله عليه وسلم من حث الأمة على السواك. وبينا أن السواك من أسباب حصول رضا الرب سبحانه وتعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب». فحري بالمسلم أن يعتني بهذه السنة النبوية، لا سيما في يوم الجمعة. وهكذا كما اعتنى الإسلام بالتخلية، اعتنى بالتحلية في يوم الجمعة، فيستحب في يوم الجمعة أيضاً أن يتزين المسلم في لباسه، وفي طيب رائحته، ونحو ذلك من الزينة. يقول ابن رشد كما في بداية المجتهد: «آداب الجمعة ثلاثة: الطيب، والسواك، واللباس الحسن، ولا خلاف فيه لورود الآثار بذلك». وقد جاء عند أبي داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر يوم الجمعة: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته»، سوى ثوبي مهنته، ومهنته يعني عمله ووظيفته ونحو ذلك مما يكتسب به الناس. فخص عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة باللباس الخاص، فقال: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة». ذلك على أنه كان متقرراً عند النبي صلى الله عليه وسلم وعند أصحابه لباس الثياب الطيبة النظيفة في يوم الجمعة خاصة. وهكذا من التحلية في يوم الجمعة الطيب، سواء كان بالعطر أو بالبخور أو نحو ذلك من الأدوات أو من المواد التي بمعنى الطيب، بمعنى الطيب. وقد مر معنا في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وأن يمس طيباً إن وجده»، «وأن يمس طيباً إن وجده». هذا اللفظ في الصحيحين. وفي رواية في مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «ويمس من الطيب ما يقدر عليه»، «ويمس من الطيب ما يقدر عليه». وفي رواية: «ولو من طيب المرأة»، «ولو من طيب المرأة». ففي هذه الروايات التأكيد، التأكيد على استخدام الطيب لصلاة الجمعة. وهذا التأكيد أتى في هذه الأحاديث من عدة وجوه: الوجه الأول: في قوله: «ويمس من الطيب»، ففيه الاقتصار على المس، وفيه الأخذ بالتخفيف، يعني: ولو أن يمس شيئاً من الطيب، لا يشترط أن يكون الطيب كثيراً، ولو كان شيئاً يسيراً لا تفرط فيه. فهذا لا شك أنه أسلوب من أساليب الحث والتأكيد على هذه السنة. وهكذا وجه آخر: وهو تيسير الأمر في التطيب بأن يكون بأقل ما يمكن، حتى إنه يجزئ مسه من غير تناول وإكثار منه، وذلك فيه لا شك تحريض على امتثال الأمر فيه. وهكذا من أوجه التأكيد على هذه السنة في قوله: «ما يقدر عليه»، «ما يقدر عليه»، فيه إرادة التأكيد ليفعل ما أمكنه، ما تستطيع، ما تقدر عليه، سواء كان هذا الطيب سائلاً أو بخوراً أو نحو ذلك، ما يقدر عليه. أيضاً الوجه الرابع: قوله: «ولو من طيب المرأة»، فهذا فيه تأكيد على فعل هذا؛ لأن طيب المرأة لا يستخدمه الرجال، لأن صفته تختلف عن صفة طيب الرجال. فطيب المرأة: ما ظهر لونه وخفيت أو خفي ريحه، وطيب الرجال: ما ظهر ريحه وفاح ريحه وخفي لونه، خفي لونه. فإذا لم تجد طيباً من طيب الرجال، فلا تترك الطيب، ولو أن تأخذ طيباً من طيب النساء. هذا كان في الزمن الأول، في الزمن الأول كان نساء طيبهن من الزعفران أو من غيرها من الأشياء التي لها روائح خفيفة، ولربما يكون لها ألوان. أما اليوم، ربما طيب النساء شد فوحانا ورائحة من طيب الرجال، والله المستعان. لكن هذا فيما كان عليه نساء الصحابة رضي الله تعالى عنهن. وفي هذا التأكيد على فعل هذه السنة، ينبغي للمسلم أن يحرص على مثل هذه السنن في ذلك اليوم، يوم الجمعة. وكما تقدم معنا أن بعض الأجور مقيدة بفعل هذه السنن، كالاغتسال، وهكذا التبكير، وغيرها من الأمور التي وردت في حديث أوس، وكذلك في غيرها من الأحاديث. فتركها يدل على الزهد في السنة. فاحذر يا عبدالله أن تزهد بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، طالما أنك قادر ومستطيع لفعل هذه الأعمال. فقد سمعت في هذا الحديث في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ويمس من الطيب ما يقدر عليه»، «ما يقدر عليه»، يعني: بقدر الاستطاعة. فإذا استطعت ذلك، فلا تفرط في مثل هذه السنة النبوية. وهذا كذلك فيها من انشراح النفس وإدخال السرور على المسلمين عندما يشمون منك الرائحة الطيبة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبها، كما جاء في الحديث: «حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة». فالطيب كان محبباً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. بل ذكر أهل العلم أن من السنة شراء الطيب ولو بأغلى الأثمان؛ لأن فيه عبادة، وفيه طاعة لله سبحانه وتعالى. ألا نحب ما كان يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وألا نفعل ونمتثل ما كان يحث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.