تفسير آيات الصيام 3

تفسير آيات الصيام 3

الدرس في تفسير آيات الصيام 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية "أيامًا معدودات" ورخصة الفطر للمريض والمسافر

يشرح المقطع قول الله تعالى ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ مبينًا أن الصيام فرض في أيام قليلة يسيرة، ثم يوضح رخصة الفطر للمريض والمسافر بشرط القضاء في أيام أخر. كما يستعرض خلاف العلماء في حد المرض المبيح للفطر، مؤكدًا أن القضاء يكون بعدد الأيام فقط دون مراعاة طول النهار أو حرارته.

أحكام قضاء صيام رمضان وتفسير آية الفدية وقراءاتها

يبيّن المقطع أن قضاء صيام رمضان مستحب المبادرة به ولا يجب الفور، ومن أخره لرمضان آخر فعليه الفدية عند الجمهور. كما يستعرض قراءات وآراء المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ مبيناً أنها كانت رخصة مبكرة نسخها وجوب الصيام.

تدرج فرض الصيام ونسخ التخيير بالإطعام وحكم الكبير العاجز

يوضح المقطع أن الصيام فُرض على مراحل تخفيفاً على المكلفين، فابتدأ بتخيير المطيق بين الصيام والإطعام، ثم نسخ ذلك بوجوب صيام رمضان على من شهد الشهر واستطاع. وبقي الإطعام فدية للشيخ الكبير والعاجز عن الصيام مع بقاء القضاء للمريض والمسافر.

حكم من أصيب بالخرف أو الزهايمر في التكليف الشرعي

يُبيّن المقطع أن من أصيب بالخرف أو الزهايمر وفقد عقله يسقط عنه التكليف، فلا صيام عليه ولا فدية. ويؤجل تفصيل المسائل المتعلقة بالآية للدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله عند تفسير قوله جل وعلا: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقول رحمه الله: ولما ذكر أنه فرض عليهم الصيام، أخبر أنه أيام معدودات، أي: قليلة في غاية السهولة. ثم سهل تسهيلا آخر فقال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فربنا جل وعلا بعدما ذكر فرض الصيام على عباده قال: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾. "أياما" نصبت على الظرفية، أو نصبت على تقدير المحذوف: "صوموا أياما معدودات". فأياما معدودات ثم باب التسهيد، أي: أن هذا الذي تصومونه الذي كتب عليكم إنما هي أيام معدودات، ثم بعد ذلك تنتهي أيام معدودات وتنتهي. فهذا كما قال المؤلف رحمه الله في غاية السهولة: أنك تصومها، ثم سهل تسهيلا آخر فقال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. قال: وذلك للمشقة الغالبة، رخص الله لهما في الفطر. ولما كان لابد من حصول مصلحة الصيام لكل مؤمن، أمرهما أن يقضياه في أيام أخر إذا زال المرض وانقضى السفر وحصلت الراحة. فالله عز وجل سهل أيضا لمن كان مريضا، رخص له أن يفطر، أو على سفر، أو كان مسافرا، أيضا رخص الله عز وجل له بالفطر. وهناك ذكر العلماء في المريض: أنه الذي يضره الصيام، أو يضر الصيام مرضه، سواء كان يؤديه للهلاك، أو يضر صيامه، أو يؤخر الشفاء. كل ذلك يكون ضررا. فإذا كان فيه ضرر هذا الصيام على مرضه، فهنا جاءت الرخصة. وهذا قال به جمهور العلماء. وأما الظاهرية فيرون الترخص في كل مرض، يرون الترخص في كل مرض. وهذا ليس صحيحا؛ لأن هذه الآيات وغيرها تقوم على التعليل. فإذا كان لا يضر مرضه الصيام، فما الباعث على الإفطار؟ ليس هناك ما يدل على الإفطار. لكن قال العلماء: إذا كان مثلا مريضا قد يضر، لكن يتحامل على نفسه فيصوم، مثلا إنسان عنده حمى فيصوم، لعجزه يصوم هذا اليوم وهو مريض، فيتحامل على نفسه، فيجوز صيامه، جائز. وكذلك المسافر إذا صام، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على مسائل السفر وعلى مسائل المرض. قالوا: ذلك المشقة الغالبة، رخص الله لهما في الفطر. ولما كان لابد من حصول مصلحة الصيام لكل مؤمن، أمرهما أن يقضياه في أيام أخر إذا زال المرض وانقضى السفر وحصلت الراحة. وفي قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ دليل على أنه يقضي عدد أيام رمضان، كاملا كان أو ناقصا، سوى كان رمضان كاملا أفطر، أو أنه أفطر بعض أيام. وعلى أنه يجوز أن يقضي أياما قصيرة باردة عن أيام طويلة حارة، كالعكس. سواء كان صام رمضان في أيام باردة وقضى في أيام حارة في الصيف، أو العكس: صام في رمضان أياما حارة، فلا يلزم أنه يقضي في أيام حارة، بل لو قضى في الشتاء لا بأس بذلك. إذا قضى في أيام الشتاء الباردة والأيام القصيرة لا بأس بذلك. فالمهم أنه يقضي أياما. ولهذا بعض العلماء يقول: لم يحدد الله عز وجل هذه الأيام، فقال: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فلم يذكر أن هذه الأيام تكون بين رمضان ورمضان، لم يذكر أنها تكون بين رمضانين، وإنما قال: "أيام أخر"، أي: على اختيار العبد يصومها في غيرها من الأيام. ولكن عند جمهور العلم أنه يستحب المبادرة بهذا القضاء، استحب أن يبادر العبد المؤمن والمؤمنة أن يبادر بالقضاء؛ لأن العمر يقتضي الفورية غالبا. لكن إذا كان... وأيضا يعتبر من المسارعة في الأعمال، يعتبر من المسارعة في الأعمال وقضاء حق الله جل وعلا. فإذا أخره لا بأس، وليس هناك ما يدل على إلزام القضاء، وأنه لابد أن يقضيه في أقرب وقت. ليس هناك ما يدل على الإلزام. ومن قال بوجوب ذلك فهو لم يأت بدليل صحيح صريح يدل على الوجوب. وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقضي في شعبان. وأيضا الآية قال الله عز وجل: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، لم يحدد هذه الأيام، ولم يأمر بأن تكون هذه الأيام قريبة. ولهذا كما قلنا قال بعض العلم: حتى لو قضاها بعد رمضان الآخر فهو لم يخرج عن النص. وذهب جمهور العلماء أن هذه الأيام يقضيها بين الرمضانين، فإذا تأخر بدون عذر فإنه يطعم كفارة مع الصيام. هذه الكفارة تكون مثل كفارة له على أنه أخرها بعد رمضان. فمن ناحية الأدلة ليس هناك دليل يدل عليها عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن جاء عن بعض الصحابة، فلهذا عمل به جمهور العلماء: الشافعي وأحمد ومالك وغيرهم من العلماء، عملوا بهذا على أن تكون كفارة. وإلا في الآيات أو في الأدلة ليس هناك ما يدل على ذلك. قال رحمه الله: وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، أي: يطيقون الصيام، فدية عن كل يوم. يطيقونه. وأكثر القراء من القراء العشرة قرؤوا بها على هذه القراءة، على قراءة عاصم: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. وقرأها بعضهم بفتح الياء: ﴿يُطَاقُونَهُ﴾، وهي في قراءة نافع، على قراءة أهل المدينة. وقرأها ابن عباس، وكذلك هي في قراءة أيضا عائشة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوِّقُونَهُ﴾. وجاءت في قراءة عائشة بفتح الياء: ﴿يُطَوَّقُونَهُ﴾، ﴿يُطَوَّقُونَهُ﴾ بفتح الياء الأولى. وجاء في قراءة ابن عباس بضمها: ﴿يُطَوِّقُونَهُ﴾، أن يشق عليهم. فالفرق: أن معنى هنا ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أن يطيقون الصيام، يطيقون الصيام. الذي يطيق الصيام. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، على الذي يستطيع أن يصوم، له أن يفتدي، له أن يفتدي فيتصدق دون أن يصوم. له أن يفتدي فيتصدق ولا يصوم. هذا كان في أول ما فرض رمضان. فكان لأحدهم أن يدفع صدقة ولا يصوم، يدفع مثلا يتصدق على الإنسان بطعام ولا يصوم. وقال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾، على من زاد في الصدقة في البر فهو خير له. ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أن الصوم خير، أفضل من الصدقة وأفضل من الفدية. وقد جاء ذلك على أن هذا كان موجودا، جاء عن عبد الله بن عمر، وسلمة بن الأكوع في صحيح البخاري. إياهما في صحيح البخاري. بل حديث سلمة بن الأكوع يدل أن ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك. فنسخت بعد ذلك هذه الآية بقوله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. دل على أن شهر رمضان إذا شهده العبد، ليس مريضا، ولا أيضا مسافرا، ولا امرأة عندها ما يمنع الصيام، فإنه يجب عليه الصيام. وربنا جل وعلا ذكر في الصيام مراحل، لأنه شاق على النفس، فلهذا ذكره على مراحل. النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسأل عن ذلك، فقالوا: إنهم يقولون أنه يوم نجى الله عز وجل موسى وقومه من الغرق، وأغرق فرعون وقومه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بموسى منكم»، فصام وأمر بالصيام. وجاء في حديث أم الربيع، وأيضا كذلك أم الربيع، وأيضا جاء في حديث سلمة بن الأكوع وغيرهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر من ينادي في الأمصار وفي القرى: «أن اليوم يوم عاشوراء، فمن كان صائما فليتم صومه، ومن كان مفطرا فليصم». فدل على أنه كان فرضا. ثم فرض رمضان، فصار عاشوراء: من شاء صامه، ومن شاء لم يصمه، كما جاء حديث ابن عمر وعائشة. لكن هذا الذي فرض أولا كان بالتخيير: إن شاء صام، وإن شاء أطعم. ثم بعد ذلك صار صيام الشهر واجبا، ولا يجزي الإطعام. قال: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. وهذا في ابتداء فرض الصيام، لما كانوا غير معتادين للصيام، وكان فرضه حتما فيه مشقة عليهم. وهذا من باب رحمة الله عز وجل بعباده، تسهيل لهم. فلم يفرضه عليهم فرضا، لكن جعله بالخيار: من شاء صام، ومن رأى أنه يشق عليه فإنه يطعم. مع أن هذا الصيام كان موجودا في الجاهلية، أنهم كانوا يصومون عاشوراء. ثم جاء في حديث عائشة: كانت قريش تصوم عاشوراء، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يصوم، لكن لم يعتادوا أن يصوموا شهرا كاملا. فلهذا سهل الله عز وجل عليهم: من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفتدي افتدى. قال: وكان فرضه حتما فيه مشقة عليهم. درجهم الرب الحكيم، درجهم، معنى: جعل بعد جعل، الحكم على تدرج. قال: وكان فرض حتما فيما شق عليهم، درجهم الرب الحكيم بأسهل طريق، وخير المطيق للصوم بين أن يصوم وهو أفضل، أو يطعم. ولهذا قال: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. ثم بعد ذلك جعل الصيام حتما على المطيق، وغير المطيق يفطر ويقضيه في أيام أخر. وقيل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أن يتكلفونه، وهي قراءة ابن عباس، ويشق عليه مشقة غير محتملة، كالشيخ الكبير، فدية عن كل يوم مسكين. وهذا هو الصحيح، أخذ به أكثر أهل العلم، بقول ابن عباس: وأن الشيخ الكبير إذا لم يستطع الصيام يخرج فدية. والذين أخذوا بأن هذه الآية ليس فيها هذا، قالوا: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام ليس عليه شيء. لكن باب الأحوط أنه يخرج. على الكبير الذي لا يستطيع الصيام يخرج عنه فدية: طعام مسكين، أي يطعم عنه في كل يوم مسكين. وأما إذا كان قد ذهب عقله فليس عليه شيء. إذا خرف، أو جاءه كما يقولون الزهايمر، فهذا ليس عليه شيء، ولا فدية، ولا صيام. طيب، إن شاء الله المسائل هذه الآية نتركها في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلى وأعلم. اشتركوا في القناة.