كتاب التفسير من صحيح البخاري 265

كتاب التفسير من صحيح البخاري 265

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 265، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير باب "والرجز فهجر" وسند رواية الليث عن عقيل عن الزهري

يشرح المقطع قول البخاري "باب: والرجز فهجر" مبيناً أن الرجز يعني الأوثان التي يجب هجرها، ثم يسرد سند الحديث عبر عبد الله بن يوسف والليث بن سعد وعقيل بن خالد إلى ابن شهاب الزهري، مع ذكر قصة الزهري وعلمه بقضايا عمر بن الخطاب التي أهلته للقاء الخليفة هشام بن عبد الملك.

منزلة الزهري عند هشام بن عبد الملك وحديث فترة الوحي

حظي الزهري بمكانة رفيعة عند الخليفة هشام بن عبد الملك لفطنته وعلمه، فقضى ديونه وأجلسه عنده سفيراً. ويروي الزهري حديث فترة الوحي ونزول سورة المدثر بعد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل على كرسي بين السماء والأرض، مع نقد رواية مرسلة له عن هم النبي بالتردي من الجبل لانقطاع الوحي، مبيناً ضعف سندها واستحالة صدورها عن نبي.

لقاء النبي بورقة بن نوفل ونزول سورة الضحى لتثبيته

يروي المقطع اصطحاب خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم إلى ورقة بن نوفل بعد الوحي الأول، فبشّره ورقة بأنه نبي هذه الأمة وتنبأ بإخراج قومه إياه، وآمن به قبل البعثة. ثم يتحدث عن حزن النبي لانقطاع الوحي (الفترة) وظنه أن الله قد قلى، حتى نزلت سورة الضحى مبشرةً إياه بالرضا ومذكرةً إياه بنعم الله عليه من كفالة اليتيم والهداية والغنى، دليلاً على اصطفائه ومحبة ربه له.

الخاتمة وتفويض العلم لله تعالى

يختتم المؤلف كلامه بعبارة تفويض العلم لله تعالى، مؤكداً أن ما ذُكر هو ما تيسر إيراده، وأن العلم المطلق لله وحده.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد. ثم بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: والرجز فهجر». يقال: الرجز والرجس العذاب. هذا تفسير بعضهم أن الرجز أو الرجز العذاب، وسيأتي تفسيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجز هي الأوتان، وهذا هو المعروف: أن الرجز والرجز فهجر، أي الأوتان فهجرها، ولا تعظمها كتعظيم هؤلاء، معنى كتعظيم المشركين الذين يعظمون هذه الأوتان والأصنام. فقال: والرجز فهجر. وقال الله عز وجل: ﴿وَاجْتَنِبُوا الرُّجْزَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾، ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾، ﴿وَاجْتَنِبُوا الرُّجْزَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾، فبين أن الرجز يعتبر من الأوثان. وهنا: والرجز فهجر. قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، وهو التنيسي الدمشقي، حافظ الحفاظ أهل دمشق، وكان أيضا من رواته الموطأ، موطأ مالك، قد اعتمده الإمام البخاري في رواية الموطأ، واعتمد مسلم رواية عبد الله بن قعنب القعنبي. قال: أي في رواية الموطأ، موطأ مالك. قال حدثنا عبد الله بن يوسف، قال حدثنا الليث، أي ابن سعد، أبو الحارث الفهمي، عن عقيل، وهو ابن خالد الأيلي. وهذا عقيل شرطي من شرطة أهل مصر، كان تابعا للدولة الأموية. ولما يأتي ابن الشهاب إلى مصر، قال: ابن الشهاب يعتبر مثل الوزير في دولة بني أمية، أدخله هشام بن عبد الملك معه في الوزارة، فكان يذهب باسم الدولة، لكنه لم يكن يذهب إلى سياسات وكذا، وإنما يذهب إلى العلم أو أمورا تختص بالأمراء، لكن يستغل هذه الزيارات في نشر العلم. فكان ابن الشهاب من أكثر الناس نشرا للعلم، ما يستقر في مكان إلا ويحدث، حتى أن عقيلا كان يقول: أي عقيل هذا، ابن خال، قال: كان إذا جاء ابن الشهاب إلى مصر نخرج معه إلى الكفرات، الكفرات معناه القرى عند المصريين، كفر كذا وكفر كذا، فالمراد به القرية أو القرى خاصة في الصعيد. فكان قال عقيل: فكان يخرج إلى الكفرات ويحدثهم بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يبث العلم حتى في العوام، يبث، وكان كريما، حتى يقول عقيل: كان مرة يحدث فجاء ناس عنده من أهل الكفر واستمعوا له، فكان أراد أن يعطيهم هدايا فأعطاهم، ثم نقص على ما وجد لأحدهم شيئا يعطيه، فقال: يا عقيل أعطني عمامتك، قال: فأعطيته، أعطاها، أعطاها للأعرابي أو لهذا الرجل الذي أراد، فكان كريما رحمة الله، مع أنه كان وزيرا ويعطى من المال، إلا أنه كان يوزع هذا المال كله في سبيل الله وفي سبيل العلم. قال عن عقيل: قال ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري: لما جاء من المدينة أخذته الديون، أنه صار مدينا كثيرا في طلب العلم وكذا، فذهب إلى الشام، فذهب إلى الشام لعله يجد عملا أو يجد شيئا يسد به دينه، وسبحان الله، الله عز وجل مع أوليائه ومع من قصده، فكان يجلس في حلقة بعض الصحابة، وهو ابن ذؤيب، قبيصة بن ذؤيب، قبيصة بن ذؤيب وهو صحابي صغير، فكان الزهري يجلس في حلقته. فذات مرة هشام بن عروة، أو هشام بن عبد الملك الخليفة، جاءته قضية، وأنا معروف أن بني أمية كانوا في الشام، فجاءته قضية من القضايا، فالتمس فيها عن النبي عليه الصلاة والسلام فلم يجد، فقال: فالتمس حكم عمر فيها، فسأل قبيصة بن ذؤيب، أرسل إلى قبيصة، قبيصة وسأله عنها، قال: لا أعرف، فقال: فسأل أصحابك الذين عندك، هل أحد يعرف؟ فسأل قبيصة بن ذؤيب من كان في حلقته: فهل عندكم قضاء عمر في كذا وكذا؟ فقال الزهري: أنا عندي. قال الزهري: أنا عندي. كان الزهري حريصا على أخذ قضايا عمر من سعيد بن المسيب، أنا أحفظ الناس لقضايا عمر وسعيد، سعيد بن المسيب كان يبحث عن قضايا عمر، الأمور التي قضى فيها عمر بقضاء، فكان سعيد بن المسيب يحفظ هذه الأشياء، وكان أخذها منه الزهري. فقال الزهري: أنا عندي. فقال له قبيصة: ما دام عندك فسأذهب بك إلى الخليفة. فذهب به، فقال له هشام بن عبد الملك: من أنت؟ فقال: أنا محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. قال: لا تدري ما فعل أباك؟ فقال له الزهري: قد قد قد مضى ذلك يا أمير المؤمنين، قد سلف، وعند أمير المؤمنين العفو. فقال: قد عفوت عنه، لأنه محمد المسلم ممن جاباهم الأمويين وصار بينه وبينهم شيء. فقال: عندك قضاء عمر؟ قال: نعم، حدثني سعيد بن المسيب، وذكر له ذلك. ثم تحاور معه، فرأى من فطنته شيئا عظيما، ومن معرفته للعلم، وأنه موسوع عظيم، فاختاره هشام أن يجلس عنده، وقال له: هل تريد شيئا؟ فقال: إنما عندي ديون أريد أن يسددها. فقال له هشام: قد سددت هذه الديون، فأعطاه ما سدد به دينه، ثم أجلسه عنده، فصار مثل السفير يرسله إلى المناطق. فهذا من كرم الله عز وجل لهذا العبد الصالح، ولهذا كان بعد ذلك من أكرم الناس رحمه الله. وسيرة الزهري، وقال: شؤونه كثيرة، وإنما هذا شيء مما يذكر عنه رحمه الله. قال ابن شهاب: سمعت أبا سلمة، وهو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال: وقبيلة بني زهرة من قريش، أنا من قبائل قريش، وهي قبيلة أم النبي عليه الصلاة والسلام، آمنة بنت وهب، الزهرية، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لسعد بن أبي وقاص لأنه زهري: «هذا خالي، فليرني كل امرئ خاله»، خاله لأنه من بني زهرة. وأما عبد الرحمن بن عوف فهو أيضا من بني زهرة، لكن كان ابن عمته، كان أقرب إليه، كان ابن عمة النبي عليه الصلاة والسلام، أمه صفية بنت عبد المطلب. قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي، قال: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئت منه، فهويت إلى الأرض، أو قال: فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض»، أنا هوى برقبتيه من كثرة معنى ما رأى، معنى رعب بما رأى. أول مرة كما قلنا النبي صلى الله عليه وسلم رأى مثل هذا المنظر، مخلوق عظيم له ستمائة جناح، جالس بين السماء والأرض على كرسي، وقد سد الأفق. قال: «فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾» إلى قوله: والرجز فهجر. قال أبو سلمة: والرجز الأوثان. قال: ثم حمل الوحي وتتابع، حمل الوحي وتتابع بعد هذه الحادثة، صار الوحي يكثر على النبي عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر البخاري رحمه الله أيضا في بعض المواضع في السيرة أن عن الزهري أن النبي عليه الصلاة والسلام لما فتر عنه الوحي كان يذهب إلى الجبل، وأيضا يهم أنه يتردى من الجبل، وهذا بعد هذه الحادثة، لكن هذا الشيء لم يصح لأنه مرسل من طريق الزهري، والزهري لم يحضر هذا الشيء، ومراسيل الزهري غير صحيحة، لكن البخاري ذكره في ضمن الحديث، في ضمن الحديث لما جاءت تلك المرأة، وهي امرأة أبي لهب، أو أقصد امرأة بهل، وكانت تكنى أم جميل، جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت له: ما أرى إلا أن صاحبك قد قلاك. معنى كانت قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بيت أبي لهب قريب من بيت النبي عليه الصلاة والسلام، فتسمع بالوحي، وكان هذا بعد هذه الحادثة، معنى ليس قبل هذه الحادثة، بعدها، فكانت تسمع بالوحي، ففترة من الفترات، يوم أو ثلاث ليال أو ليلتين، لم يأت النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، ولم يأت جبريل، فقال الزهري: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الجبل ويهم بالتردي. وهذا ليس صحيحا كما نبه العلماء، أولا أنه مرسل، وأيضا يستحيل أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا. وبعضهم جوز هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى من حلاوة هذا الوحي العظيم الذي كان يأتيه، فكأنه ارتاح له جدا وأحبه جدا، حتى لما لم يأتِه ثلاث ليال أخذ في نفسه، وكأنه رأى أن الله عز وجل قد غضب عليه، ولهذا أنزل الله عز وجل: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، أي سيعطيك الله عز وجل حتى يرضيك، وهذا أعظم المحبة للنبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا قال بعض العلماء: لعل ما وجد النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الراحة واللذة في هذا الوحي حصل له مثل هذا، وإلا كما قلنا بعض العلماء ينفي هذه الحادثة لأنها لم تأت بإسناد صحيح، ويقول: إنه يستحيل على النبي صلى الله عليه وسلم أنه يفعل هذا، أي أنه يهم أنه ينتحر أو يلقي نفسه من جبل. والمهم أن إسناد هذه الحادثة غير صحيح، وهذه كما قلنا حصلت بعد هذه الحادثة، بعد إتيان جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الموقف، هذا الذي جاء معناه رآه جالسا بين الكرسي، فلهذا مع وهذا يدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم مع خوفه إلا أنه أحب أن يلقى ذاك الملك. ولهذا جاء في سيرة ابن إسحاق بإسناد صحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء إلى خديجة وهو فزع وخائف، وكان يقول: دثروني دثروني، فدثرته وغطته خديجة، وقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدا، أنا هذا شيء من الله، وقالت: لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق، أنا فيك خصال عظيمة، ما سيخزيك الله، بل أن الله عز وجل سيكرمك. ولهذا أخذت خديجة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ورقة بن نوفل، وكان ابن عمها، أخذته إليه وأخبرته بالخبر، ففرح ورقة بن نوفل بهذا، وقد كان نصرانيا، أنه كان ورقة حنيفا على دين إبراهيم، ثم وجد الناس يعبدون الأصنام، فخرج مع زيد بن عمرو بن نوفل حتى يبحثوا عن الدين الصحيح، فأما ورقة فتنصر، وجد أن الدين الصحيح هو النصرانية فتنصر، وأما زيد بن عمرو فلم يرضَ بالنصرانية لأنه وجدوا ناسا ليسوا أهل خير وليسوا على استقامة، فلذا لم يدخل في الدين النصراني، لكن نصحه بعض النصارى أو بعض قسس النصارى: أن هذا قد آن أوان خروج نبي من العرب، فاذهب واتبعه. فلذا زيد بن عمرو جاء إلى مكة ورجع إلى مكة، لكنه لم يدخل في دين النصرانية، وأما ورقة فدخل في دين النصرانية، فكان يعرف الوحي. فلما ذهبت خديجة بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ورقة، فقال ورقة للنبي عليه الصلاة والسلام: والله هذا الناموس الذي كان يأتي موسى، الناموس هو الشيء الخفي وهو الوحي، فقال: هذا الناموس الذي يأتي موسى. قال ورقة: والله ليتني فيها جذعا، إذ يخرجك قومك، أنا جذعا أي شبابا، أنا أتمنى أن أكون شبابا عندما تأتي بهذه الرسالة مع معادة قومك لك، إذ يخرجك قومك. قال: أو مخرجي هم؟ قال: بلى، ما جاء رجل بمثل ما جئت إلا عاداه قومه. وأسلم وآمن ورقة بالنبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يظهر، فلذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا تسبوا ورقة فإنه مؤمن. فلذا النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك أحب الوحي وأحب أن يأتيه جبريل، فلما أبطأ عليه أخذ في نفسه عليه الصلاة والسلام، وظن أن الله عز وجل قد غضب عليه أو قد قلى، أو أنه ظن أن الله عز وجل تركه أو أنه سيتركه، وأنه لا يستحق هذا، فلذا حز في نفس النبي عليه الصلاة والسلام هذا، ثم بشره الله عز وجل تلك الصورة العظيمة التي أعطاه الله عز وجل، ﴿كُلُّ مَا يَهْوَى﴾، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، ثم من عليه جل وعلا بمنن عظيمة منها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى يتذكر هذا، كيف سيتركك وهو أخذك من هذا اليتم، وأخذك من هذا الضلال؟ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. فلذا منّ الله عز وجل عليه بمثل هذه الأشياء، ليس من باب المنة فقط، لكن من باب التذكرة، يعني كيف سيخرجك الله عز وجل من هذه الأمور من اليتم والضلال، ثم بعد ذلك يتركك ويغضب عليك؟ فما أخرجك الله عز وجل من هذه الأمور إلا وهو أراد اصطفاءك وأراد محبتك جل وعلا. وهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر، والله تعالى أعلم.