الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع سلسلة رواة تفسير مجاهد لآية ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل﴾ مبيناً أن ابن أبي نجيح لم يسمع التفسير مباشرة من مجاهد بل أخذه من كتاب القاسم بن أبي بزة. ويشير إلى مكانة مجاهد כתلميذ لابن عباس وعرضه المصحف عليه ثلاث مرات.
عند دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون نصباً، ويُفرق بين النصب والصنم والوثن. وتُذكر قصة إساف ونائلة اللذين فعلا الفاحشة في الكعبة فعوقبا بالتحجر، ومع ذلك عُبدا من قبل أهل الجاهلية.
يُبيّن المقطع أن قصة صنع عمر بن الخطاب صنماً من تمر وأكله عند الجوع غير ثابتة في كتب السنة. ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمسح الصور والأصنام في الكعبة وطعنها بعود قائلاً: جاء الحق وزهق الباطل.
يؤكد المقطع أن الحق إذا ظهر وتمسك به أهله فإن الباطل لا يستطيع الصمود أمامه مهما علت قوته. ويذكر أن كيد الشيطان قائد أهل الباطل ضعيف كما أخبر الله تعالى في كتابه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا». قال: يزهق، أي: يهلك. يزهق: يهلك ويطمحل ويذهب، كما في قوله جل وعلا: ﴿ تزهق أنفسهم وهم كارهون ﴾، تخرج وتموت وتهلك، فالزهق هو الذهاب. قال: حدثنا الحميدي، وهو عبد الله بن الزبير الحميدي، أبو بكر القرشي. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي المكي، وأصله كما قلنا كوفي. عن ابن أبي نجيح، وهو عبد الله بن أبي نجيح. كان أبو نجيح بعد عمر بن دينار محدث أهل مكة بعد عمر بن دينار ومفتيها، كما قال سفيان بن عيينة. عن مجاهد، وابن أبي نجيح. ذكر العلماء، كيحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبي حاتم، وجماعة، أنه لم يسمع التفسير من مجاهد. بل يقول بعض أهل العلم: إنه لم يسمع التفسير من مجاهد إلا القاسم بن أبي بزة وحده. أي: لم يسمع التفسير كله إلا القاسم بن أبي بزة. وعن ابن أبي نجيح فأخذها من كتاب القاسم بن أبي بزة. والضحاك وغيرهم أخذوا هذا، وكذلك ابن جريج أخذوا من كتاب القاسم بن أبي بزة، وكان في كتابه كتب تفسير مجاهد. قال: عن مجاهد، وهو ابن جبر المكي رحمه الله، إمام أهل مكة ومفتيها، وهو من تلاميذ ابن عباس. أخذ التفسير عن ابن عباس، قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث مرات، أوقفه في كل آية. قال: عن ابن معمر، وهو عبد الله بن السخبرة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، أي صنم. والنصب: الأنصاب، على أنها الأصنام. قال: ذكر الله عز وجل أنها أنصاب، وسماها أصناما. كذلك هي أخص من الوثن. الوثن أعم من النصب، وأعم من الأصنام؛ لأن الوثن: كل ما يعبد من دون الله عز وجل، سواء كان بصورة أو بغير صورة، فيدخل فيه الأشجار والأحجار. وأما الصنم والنصب فغالبا يكون المراد به ما كان بصورة، صورة الإنسان الذي يعبد، الذي يعبدونه. فكانت الكعبة فيها ثلاثمائة نصب. هذا داخل الكعبة، وهناك أيضا نصب وأنصاب خارج الكعبة، كما ذكرنا. كما ورد في التاريخ أن إسافا ونائلة أخرجوا من الكعبة، إن حصل من إساف ونائلة... أي: يقال أنهما فعلا الفاحشة داخل الكعبة، فصلبا بعد ذلك. أن الله عز وجل عاقبهما، أن جعلهما يتحجران. فلما علم الناس أنهما فعلا الفاحشة، أخرجوهما من الحرم، أخرجوهما من الكعبة إلى خارجها. لكن عبدت من دون الله، مع أنهم يعلمون أنهما فعلا فاحشة، إلا أنهم عبدوهما من دون الله. وهذا يدل على أن أهل الجاهلية كانت عقولهم سخيفة، فكل ما نصب أمامهم عبدوه. أي شيء يعبدونه. قد جاء أيضا أنهم كانوا يفعلون... يعنون يأتون بحجر وينحتونه ويجعلونه كالصنم ويعبدونه. بل بعضهم كان له أصنام صغيرة من الأحجار، مثل ما جاء في قصة بعض الأنصار، وهو عمرو بن الجموح. وأما ما جاء في قصة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأنه كان في الجاهلية يصنع صنما من تمر، ثم إذا جاع أكله، فهذا مما لا يثبت في شيء من كتب السنة. وقال هنا: وهذا أيضا تجد أن مثل هذه العقول في عبادة غير الله ما يحصل الآن، سواء كان عند الكفار من أهل الديانات الأخرى كالهند وغيرها، يعبدون أي شيء. وبعضهم أيضا يغتر بالقبة، مثل ما يحصل عند أهل التصوف، والذين تعلقت قلوبهم بالقبور. كلما رأى قبة انبهر بها، وخشع قلبه لمن في القبة، وإن كان لا يعرف من فيها. قال: فجعل يطعنها بعود في يده، أي النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا». وهذا كان في فتح مكة، كما جاء في حديث جابر في صحيح مسلم، أنه كان في فتح مكة. لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة، فأمر بمسح الصور التي فيها. كانت فيها صور إبراهيم، فيها صور مريم وعيسى، وهم يستقسمون بالأزلام. قال: والله، النبي صلى الله عليه وسلم، والله ما استقسموا بالأزلام. ثم أمر عمر رضي الله عنه أن يمسح هذه الصور. وطعن، وطعن، وطعن هذه النصب بعود كان في يده صلى الله عليه وسلم. كلما مس شيء من هذه الأصنام سقط، كان يقول: «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد». فالباطل مهما علا ومهما ارتفع فهو إلى الزوال، وإلى الضمحلان، وإلى الهلاك. لكن إذا ظهر الحق، وأيضا أخذوا بدينهم وتمسكوا به، فإن الباطل لا يقف عند الحق، مهما كان علوه، ومهما كانت قوة أهله. فإن الشيطان أيضا، مع أنه قائد أهل الباطل، إلا أن كيده ضعيف، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾. فهذا ما يذكر في هذا الباب، والله تعالى أعلم.