الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، حيث كان النبي ﷺ يجهر بالقراءة في مكة فيسمع المشركون فيسبون القرآن، فنزلت الآية تأمره بالتوسط بين الجهر والإخفات، مع ذكر سلسلة السند المتصلة إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
استنبط العلماء من هذا السياق قاعدتين أصوليتين كبرى: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" و"الضرر يزال"، وقد طبق النبي ﷺ ذلك بخفض صوته درءًا لمفسدة سب المشركين للقرآن، فأمرته الآية بالسبيل الوسط.
يشير المقطع إلى خلاف العلماء في مكان نزول الآية بين مكة والمدينة، وفي سياق نزولها إن كان في الصلاة أو الدعاء، ويختم المؤلف البيان بالاكتفاء بما ذُكر وتفويض العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها». قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، وهو الدورقي. وهناك يعقوب بن إبراهيم الزهري، يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري، يعرف بشيخه، يعرف بشيخه يعقوب بن إبراهيم، يروي عن أبيه دائماً، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي غالباً يروي عنه شيء، وعن أهل واسط أو أهل البصرة، أهل الكوفة. وأما يعقوب بن إبراهيم فغالباً يروي عن أبيه، وأحياناً عن بعضهم بالمدينة. قال: حدثنا أبو بشر، وهو جعفر بن إياس بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير. وأبو بشر كوفي، وسعيد بن جبير يعد في الكوفيين كذلك، سعيد بن جبير أبو محمد الكاهل. عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختفٍ بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به. فقال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾، أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا يسمعوا، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. وهذا الحديث في سبب نزول هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. ومعلوم أن أسباب النزول، أو سبب النزول، يعرف بتفسير القرآن، تفسير الآية؛ فإذا عرف سبب نزولها عرف أيضاً توضيح الآية ومعناها. فقال ابن عباس: إنها نزلت في مكة، لما كان النبي عليه الصلاة والسلام مختفياً. اختفى النبي صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم فترة كانت في دعوته السرية عليه الصلاة والسلام، فكان يقرأ القرآن، يقول ابن عباس: يرفع صوته به، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به. وهذه مثل قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. وأخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها قاعدة عظيمة، وهي: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. فهذه قاعدة عظيمة تدخل تحتها قواعد كثيرة، وهذه القاعدة تدخل تحت القاعدة الأصلية من القواعد الكبرى، القواعد الفقهية الكبرى: الضرر يزال، الضرر يزال. فـ «الضرر يزال» قاعدة كلية من القواعد الخمس الكلية التي يدخل تحتها قواعد كثيرة، ومنها: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وهذه أيضاً القاعدة يدخل تحتها قواعد أيضاً. فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله، فنهاه الله عز وجل عن رفع صوته بالقرآن حتى لا يسب القرآن، ويسب رب العزة سبحانه وتعالى. فل هذا المصلحة تقتضي أنه لا يجهر؛ لدرء المفسدة الكبرى والعظمى: سب القرآن، وسب من أنزل القرآن، سبحانه جل وعلا. قال: فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾، أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن. ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، أي عن أصحابه فلا يسمعوه. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، أي أسمعهم القرآن لكن لا تجهر حتى يسمع المشركون القرآن فيسبوا القرآن. فهذا يدل على أن هذه الآية نزلت في مكة، وسيأتي إن شاء الله في الحديث الذي بعده أنها نزلت في الدعاء، وأن بعض العلماء قال: إنها نزلت في المدينة. فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.