كتاب التفسير من صحيح البخاري 47

كتاب التفسير من صحيح البخاري 47

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أسباب نزول الآية وتفسير النهي عن الجهر

يستعرض المقطع أقوال المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، مبيناً الخلاف بين كونها نزلت في الدعاء أو في قراءة القرآن بمكة. ويرجح المحققون أن الآية نزلت في الدعاء تحديداً.

أدب الدعاء في الصلاة والمخافتة

يؤكد المقطع أن السنة النبوية والآية الكريمة تدعوان إلى خفض الصوت في الدعاء لكونه سراً بين العبد وربه، والجهر قد يعرض للعيبة. أجمع الجمهور على أفضلية المخافتة في الدعاء الفردي مع جواز الجهر في الجماعي.

ممارسة الصحابة للمخافتة وتأويل القرطبي

كان أغلب الصحابة يخافتون بأصواتهم في الذكر والصلاة، وورد حديث يميز من يرفع صوته. وفسر القرطبي الآية بأنها تخص قراءة القرآن لا الدعاء، مرجحاً مراعاة أحوال المشركين نهاراً وليلاً.

تعدد دلالات الآية وإعجاز القرآن

يستعرض المقطع أقوال المفسرين في المراد بالصلاة في الآية، مبيناً أنها تحتمل القراءة الجهرية أو المخافتة أو الدعاء، وكلها معانٍ صحيحة ثابتة بالسنة. ويؤكد أن هذا التعدد في الدلالات الصحيحة من إعجاز القرآن وعظمته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وسلم. بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا قبيصة بن عقبة وهو النخعي، قال: حدثنا زائدة بن قدامة، عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أنزل ذلك في الدعاء، أي قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: أنزل ذلك في الدعاء. وأنزلت هذه الآية في الدعاء، وقد جاء معنا حديث ابن عباس أنها نزلت في مكة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان في الصلاة يجهر بالقرآن، فإذا سمعه المشركون يسبّون القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾. فهذا الذي ذكره الإمام البخاري رحمه الله، أي أن في هذه الآية أقوالاً، القول الأول: قول ابن عباس أنها نزلت في مكة، لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقرآن، فيسبّ كفار قريش القرآن، ويسبّون الله جل وعلا عدواً بغير علم. وجاء عن عائشة رضي الله عنها أنها في الدعاء، وجاء أن سعد المصور أيضاً عن صحابي لم يسمى اسمه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في هذه الآية: «لا ترفع صوتك في دعائك فتذكر ذنوبك فتعير بها». أن المراد الدعاء. وجاء في صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: «لا تجهر بصلاتك» أي لا تصلي مراءاة الناس، «ولا تجهر بصلاتك» أي لا تراءَ بصلاتك في الصلاة. وجاء كذلك عن غيره، وذكر الإمام الطبري عن غيره من السلف أنها في الدعاء، ومنهم من قال في الصلاة، والمراد في الدعاء. فيمكن أن يجمع بين كلام ابن عباس وعائشة: أنه في الدعاء في الصلاة، أن الإنسان لا يرفع صوته إذا دعا في صلاته، وكذلك إذا قرأ لا يرفع صوته، بل يخافت في دعائه، يدعو ربه تضرعاً وخفية، لأن الدعاء الغالب يكون بين العبد وربه. لهذا جاء في الحديث الذي رواه سعد المصور: «لا ترفع صوتك في دعائك فتذكر ذنوبك فتعير بها». معناه: أن الإنسان إذا دعا الله يذكر أنه فعل كذا وكذا، فإذا رفع صوته سيسمعه الناس فيعيرونه بهذا. ولهذا ذكر جمهور العلماء أن الأفضل في الدعاء خاصة في الصلاة هو المخافتة، أي لا يجهر بالدعاء في الصلاة. وأما الذكر فشيء آخر، أما الذكر فيمكن أنه يرفع صوته أحياناً، بل الأصل في الذكر هو المخافتة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح رواه مسلم: لما رأى بعض الناس يرفعون أصواتهم بالتكبير والدعاء، قال: «أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائب، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد». فلا داعي أن يرفع الإنسان صوته بدعائه، بل يخافت بدعائه، فإن الله يسمعه سبحانه وتعالى. لهذا اختار أكثر العلماء أن الدعاء مخافتة، إلا إذا كان دعاء جماعي فيجهر به لأجل جماعة الناس الذين يدعون له، وأما إذا كان مفرداً فالأفضل أن يخافت في دعائه، كما قال جل وعلا: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾، ولا ينبغي أن يجهر بصوته. ولهذا كان معظم الصحابة رضي الله عنهم أصواتهم خافتة، أو كان صوت أحدهم مرتفعاً أحياناً، فكان يُسمع صوته، حتى أن بعضهم ميز بهذا، ميز أنه يرفع صوته بالذكر، كما جاء في الحديث عند أحمد والترمذي: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأينا ناراً، فجئنا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا رجل يرفع صوته بالذكر، فإذا هو الذي يرفع صوته بالذكر». صار مميزاً عند الصحابة، ومعنى ذلك أن غالب الصحابة لم يكونوا يرفعون أصواتهم بالذكر، لأن هذا المفضول، بل يخافتون مخافتة، خاصة في الصلاة. لهذا ذكر الحافظ الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره في هذه الآية، فقال: «لولا أننا لا نستجيز مخالفة أهل التفسير فيما جاء عنهم، لذهبنا إلى أن يكون المراد من قوله جل وعلا: ﴿ لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ﴾ أي بقراءتك نهاراً، ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ أي ليلاً، أن المراد بالقراءة وليس بالدعاء». لأن قراءة النهار سر، وقراءة الليل جهراً. وكان أيضاً مما يدل على هذا: أن المشركين كانوا في مكة، فإذا كانوا في النهار يسمعون -يعني يخرجون وينشطون- فيسمعون القراءة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخافت بقراءة، وأما الليل فكانوا غالباً في نومهم وفي بيوتهم فلا يسمعون، فأمر الله عز وجل به أن يجهر بصلاته -أي بقراءته-. هكذا قال بعضهم، والسرى أيضاً عن هذه الآية كما ذكر ابن جرير، وذكره بعضهم على أنه قول من الأقوال. وخلاصة ما يذكر: أن كانت القراءة فهي المراد، القراءة في الصلاة عندما كان أهل الشرك يسمعون القراءة ويسبّون، أو يقال مثل ما قال ابن جرير: المراد به المخافتة في الصلاة السرية والجهر في الصلاة الجهرية، أو يقال أن المراد في الدعاء هو الدعاء الذي في الصلاة على كلام عائشة رضي الله عنها، يقال أن الآية في الدعاء في الصلاة، فهي تحتمل هذه الوجوه. وهذا أيضاً من عظمة القرآن، وكذلك من إعجازه: أن الآية تدل على أكثر المعاني، تدل على أكثر المعاني، وكلها معانٍ صحيحة، وكلها معانٍ صحيحة مقبولة، يشهد لها أيضاً ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. هذا ما يوفقه الله تعالى، وشكراً.