الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 191، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معاني كلمات من سورة النجم مثل "ذو مرة" و"قاب قوسين" و"ضيزى" و"أكدى" و"رب الشعرى" مستنداً إلى روايات مجاهد وأبي عبيدة. يبين أن المراد بالنجم الثريا، وأن جبريل رآه النبي في صورته الحقيقية، مع توضيح معنى الشعرى كنجم كان يعبد في الجاهلية.
يحذر المقطع من نسبة نزول المطر والحوادث الأرضية إلى النجوم كما فعلت العرب في الجاهلية، مبيناً أن الاعتقاد بتأثيرها الذاتي شرك أكبر، ونسبتها إليها مع علم الخالقية شرك أصغر. يفسر آيات اقتراب الساعة وانشقاق القمر، ومعنى "السامدون" بأنهم المعرضون عن القرآن بالغناء.
يبيّن المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ولم ير ربه، مستدلاً بقول عائشة وحديث أبي ذر، وأن "ما زاغ البصر وما طغى" تدل على ثبات بصره. يفسر "أغنى وأقنى" بأن الله يعطي ويرضي عباده، مستشهداً بكلام يحيى بن معاذ عن كرم الله.
يختتم المتحدث الجلسة بذكر الله تعالى والثناء عليه بتكرار "عز وجل"، ثم يتوجه بالشكر للحضور على الاستماع والمشاركة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة النجم. وقال مجاهد: "ذو مرة" قوة. سورة النجم: المراد بالنجم كما قال مجاهد وغيره أنه الثريا، هذا النجم المعروف المضيء. وغالبًا ما يطلق عليه النجم؛ إذا أطلق فالمراد به الثريا؛ لأنه أضواها، مع أنه أعلاها. وقال مجاهد: "ذو مرة فاستوى"؛ أي: قوة. "ذو مرة" معنى ذو قوة. أي: هذا الملك، أو هذا الملك وهو جبريل عليه السلام، وصفه الله عز وجل بالقوة، وأيضًا وصفه الله عز وجل بالغلبة. "ذو مرة فاستوى"؛ فاستوى فهو قوي يغلب، أي: لا يستطيع أحد على قوته، أي من البشر. قال: "قاب قوسين"؛ قال: حيث الوتر من القوس. أنا اخترت الوتر من القوس بعد الانطلاق أو قبل أن ينطلق. فقاب قوسين: أي قدر القوسين. "قاب قوسين أو أدنى"، وهذه تقال في قرب الأشياء. أنا عندما يكاد أن يتحقق هذا الشيء أو تحقق، تطلق على القرب: "قاب قوسين أو أدنى"، أي: قربًا شديدًا. قال: حيث الوتر من القوس. وهذا وصف للنبي عليه الصلاة والسلام لما رأى الملك، وهو جبريل عليه السلام، لما رآه في السماء. قال: "ضيزى"؛ أي: عوجاء. "تلك إذن قسمة ضيزى"؛ أي: قسمة عوجاء. وقيل: قسمة جائرة. أنا "ضيزى" أي: جائرة. وما جاء عن مجاهد وغيره، أو جاء عن قتادة: قال "ضيزى" أي: جائرة. وجاء أيضًا عن ابن عباس لكن بسناد ضعيف. وقال أبو عبيدة: ناقص. من هذا أبو عبيدة، أبو عبيدة هذا تكرر معنا في المعاني: معمر بن المثنى، أبو عبيدة معمر بن المثنى. وأبو عبيد، أبو عبيد القاسم بن سلام، وهو تلميذ لأبي عبيدة معمر المثنى. لكن أبو عبيد إمام في السنة من أئمة السنة، وأبو عبيدة حصل له شيء من الميول المعتزلة القدرية. لكن غالبًا البخاري ينقل ألفاظ معاني القرآن من كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن، والبخاري عالم كبير وعارف بعقيدة أهل السنة، وهو لا ينقل إلا ما يكون فيه... أو لا يكون فيه تعارض مع عقيدة أهل السنة. فقال هنا: "ضيزى" أي: عوجاء، من كلام مجاهد. وقيل أنها جائرة، أنها قسمة ليست صحيحة. قال: "وأكدى"؛ أي: قطع عطاؤه. وهنا "أكدى" قال: قطع عطاؤه، أو قال: قطع عطاؤه. وقيل كما جاء عن مجاهد: أنها نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة. معنى: أعطاه الله عز وجل ثم انقطع عطاؤه، فأكدى: معنى انقطع. وقال أبو عبيدة: "أكدى" ما أخوذ من الكدية، وهو أن يحفر حتى ييأس من الماء أن ينقطع. قال رحمه الله: "رب الشعرى". هو مرزم الجوزاء. كما ذكرنا قبل: أن البخاري لا يرتب الكلمات، وإنما يتبع الكلمة يتبع معناها؛ قد تكون كلمة من أول السورة، وقد تكون من آخر السورة. وهو معنى: "أعطى وأكدى". وهو رب الشعرى. الشعرى قال: هو مرزم الجوزاء. الجوزاء: هذا النجم الذي غالبًا يضيء في مكان القبلة، ليس النجم الشمالي، وإنما هو النجم الذي يضيء غالبًا في القبلة. ولأن الناس كانوا يعلمون يعرفون النجوم ويتتبعونها، فكان حتى بعضهم يعبد النجم. فكانت بعض القبائل العرب يعبدون المرزم هذا. والمرزم هو نجم خلف الجوزاء. الجوزاء نجم مضيء، لكن يكون بعده نجم في الشمال ونجم في الجنوب. فالنجم الشمالي هو المرزم الذي يسميه العوام الذراع. وبعضهم يقول: إن المرزم الجوزاء هو شيء واحد، هو النجم نفسه. المهم أن هذا شعرى. قال: هو المرزم. ومنهم من يقول: إن الشعرى غير المرزم. ويتفق قولهم في أنه نجم كان بعض القبائل يعبده من دون الله. كان بعض القبائل يعبد هذا النجم. وهذا النجم غالبًا إذا طلع في الغداة يكون ذلك اليوم يوم حر. معناه: هذا الذي عرفه هؤلاء. فلذا لما تتبعوا هذا النجم وجدوا كأنه له شيء. ولهذا أهل الجاهلية انتشر فيهم الاستسقاء بالنجوم الأنواء. فهذا كذا يفعل كذا، هذا النجم إذا طلع يفعل كذا. فكانت عقيدة عندهم، وبقيت في بعض العرب. حتى النبي عليه صلى الله عليه وسلم قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية"، وذكر منها الاستسقاء بالنجوم. فهذا لا معنى الاستسقاء بالنجوم: أي معنى أن هذا النجم يعمل مطرًا ويأتي فيه المطر، وكذا وذاك النجم ليس فيه مطر. فكانوا يستسقون بالنجوم، وينسبون الحوادث إلى هذه النجوم، ينسبون الحوادث الأرضية كالمطر والحرارة وشدة البرودة وغيرها إلى هذه النجوم، ولا ينسبونها إلى الله جل وعلا. فلذا جاء في حديث زيد بن خالد الذي في البخاري ومسلم: أنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم على إثر غيث، أو على إثر مطر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "أتدرون ماذا قال ربكم؟" قالوا: الله ورسول أعلم. قال: "قال الله عز وجل: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". أصبح من عبادي مؤمن وكافر. الذي ينسب الحوادث الأرضية إلى النجوم: فإن كان يعتقد أنها تفعل ذلك بذاتها فهو مشرك، وهذا الذي كان عند العرب، أنا مشرك شرك أكبر. ومن كان لا يعتقد هذا، لكن يعتقد أن هناك تأثيرًا في طلوع هذه النجوم وغيابها، وينسب ذلك السبب إلى ذلك وهو يعلم أن هذا من الله، فهذا يعتبر شرك أصغر، هو وسيلة إلى الشرك الأكبر، فيجعل ما ليس سببًا سببًا. هذا معنى: ليس سببًا لا قدريًا ولا شرعيًا. فنسبة الحوادث الأرضية إلى مثل هذه النجوم وغيرها هذا يعتبر من الشرك، لكن يختلف: هل هو أكبر أو أصغر؟ بحسب اعتقاد القائل. فـ "رب الشعرى": هي أن الله عز وجل أيضًا ربها. هذه النجم الذي عبدوه، أو عبدته هذه القبائل، أو هذا الذي تعتقدون فيه. قال: "والذي وفى". وفيما فرض عليه. "وإبراهيم الذي وفى". "وفى": أي ما فرض الله عز وجل عليه قام به بتمامه. وإبراهيم الذي وفى. قال: وقال: "آزفة الآزفة". أي: اقتربت الساعة. العازفة: هنا الساعة. اقتربت الساعة، وانشق القمر. فهذا بيان أن الساعة قد اقتربت، قد اقتربت هذه الساعة ببعثة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والله عز وجل يخبر بقربها. "آزفة الآزفة": ليس لها من دون الله كاشف. فالذي يكشف خبرها، والذي يعلم خبرها، هو الله. ليس هناك من يعلم قيام هذه الساعة. قال جل: ثم قال: "سامدون". أي: البرطمة. "وعنتم سامدون". قال: البرطمة. البرطمة المراد بها: عندما يضع الشخص دقنه على صدره فتسمى برطمة. أي: وأنتم منكسون رؤوسكم هكذا. فسرها مجاهد. وفسرها عكرمة: قالوا: يتغنون بالحميرية. وقال عكرمة: السامدون يتغنون بالحميرية. وهذا رواه الطبراني أيضًا كذلك عن مجاهد. ما أنا أقصد: يتغنون بالحميرية، هذا عن عكرمة. وجاء كذلك عن ابن عباس: "وأنتم سامدون" قال: هو الغناء بالحميرية. أنا باللغة الحميرية يقولون: سمد، أي: غنى. وذكره بعضهم أيضًا عن عكرمة، عن ابن عباس: "وأنتم سامدون" قال: الغناء. وجاء عن عكرمة: أنها لغة من لغات أهل اليمن، وهي اللغة الحميرية. قال: اليمن إذا أراد اليمن أن يقول: تغنى، قال: اسمد، اسمد، معنى: غن. فهذا قوله: "سامدون". وأما البرطمة: كما قال مجاهد، قال: كانوا يمرون عن النبي صلى الله عليه وسلم غضابًا مبرطمين. أنا قد وضعوا أذقانهم على صدورهم، ونظروا إلى الأرض. هذه البرطمة. لكن كلام عكرمة أقرب: "وأنتم سامدون" أي: مغنون أو لاهون. أنا لا تلتفتون إلى القرآن. "أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون * وأنتم سامدون". ما الذي جعلهم يضحكون؟ هو لهو، فلم يجعلهم يلتفتوا إلى كلام الله إذا يُتلى عليهم. وقال إبراهيم: "أفتجادلونه"؟ "أفتمارونه" على ما يرى. وإبراهيم المراد به: إبراهيم بن يزيد النخعي، إمام من أئمة أهل الكوفة. يقول: "أفتمارونه" أي: أفتجادلونه؛ لأن المراد به الجدل. قال: "ومن قرأ: أفتمرون"؟ "أفتمرون" يعني: أفتجحدون. أنا قرأها بعض السلف: "أفتمرون"، كما قرأ مسروق وغيره من أهل الكوفة. قال: "ما زاغ البصر وما طغى". ما زاغ: أي بصر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما طغى: ما زاغ أي: لم يذهب يمنة ولا يسرة. يقال: لم يخطئ البصر، أو لم يزغ البصر. المراد أنه قد رأى هذا الذي ذكر، فهو لم يذهب معنى بصره يمنة ولا يسرة، بل حدد ما رآه، حدد ما رآه. فلذا يقال: ما زاغ البصر، أي: ما ذهب إلى مكان آخر، بل رآه رأي العين. والمراد أنه رأى جبريل عليه السلام. "ما زاغ البصر وما طغى": أي بصر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما طغى: أي ما جاوز ما رأى. بل هذا الذي رآه هو جبريل عليه السلام، وليس هو الله. عن الذين قالوا بأن: ما زاغ البصر وما طغى، أي: رؤية ربه، ليس صحيحًا. لهذا قالت عائشة رضي الله عنها: "من أخبركم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية". كان بعض أهل العلم يضعف هذا الحديث، لكن أيضًا صح عن عائشة أنها تكذب هذا، وتقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه. وقال ابن عباس: رأى ربه. لكن ليس بينهما خلاف كما قال شيخ الإسلام، وإنما ابن عباس قصد الرؤية القلبية، وعائشة قصدت انتفاء الرؤية البصرية. وجاء في صحيح مسلم عن أبي ذر: أن النبي عليه الصلاة والسلام سُئل: "أرأيت ربك يا رسول الله؟" قال: "نور، أنى أراه". وقال في لفظ: "رأيت نورًا". فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه، لكثرة النور الذي لا يستطيع الإنسان ببصره الذي في الدنيا أن يرى الله جل وعلا. لهذا لما طلب موسى من ربه جل وعلا أن يرى، قال له: "لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني". فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا. فالعين أو البصر الدنيوي لا يستطيع أن يرى الله جل وعلا لعظمته وجلاله ونوره سبحانه وتعالى. بل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "حجابه النور"، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي موسى قال: "حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه بصره". أنا لا أحرقت نور وجهه جل وعلا من انتهى إليه بصره. سبحانه. فلذا فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم ربه جل وعلا. "ما جاوز ما رأى". "أفتemarونه على ما يرى"؟ قال: فتماروا: أي كذبوا. "أفتemarونه" أي: أتكذبونه على ما يرى؟ وما ذكروا. قال الحسن: "إذ هوى" أي: غاب. "والنجم إذا هوى" أي: إذا غاب. وقال ابن عباس: "أغنى وأقنى". أعطى فأرضى. "والذي أغنى وأقنى": أي: أعطى جل وعلا وأرضى سبحانه. أرضى عباده بما أعطاهم. فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط. فربنا جل وعلا: الناس والبشر يقابلونه بالذنوب والمعاصي، وهو يقابلهم بالعطاء والنعم سبحانه جل وعلا. لهذا كان يحيى بن معاذ يقول: "كيف أدعوك وأنا مذنب، وكيف لا أدعوك وأنت تقابلني بالعطاء"؟ معناه: الله عز وجل رحيم بعباده، مع أنهم يذنبون، إلا أنه يقابلهم بالعطاء والنعمة، لا يسلب عنهم كثير من النعم، لكن أحيانًا يسلب عنهم بعض النعم بسبب ذنوبهم، وهذا من رحمته سبحانه وتعالى، ويعفو عن كثير. فلذا قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله، وهو من خيرة أهل الري، كان يقول: "كيف أدعوك وأنا مذنب"؟ معناه: أنا مذنب، كيف أدعوك وأسأل وأنا أخالفك؟ لكن يقول: "وكيف لا أدعوك وأنت تقابلني بالعطاء"؟ أنا عندما يرى عطاء ربه جل وعلا يدعوه أن يعطيه أكثر. يعني: كيف لا يستقل للإنسان أو يبتعد عن الدعاء والطلب من الله عز وجل، وربنا عز وجل يعطيه بدون عطاء أو بدون دعاء، فكيف لو دعا وطلب؟ وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده. نكتفي بهذا. الله تعالى، عز وجل، عز وجل، عز وجل. شكرًا.