آداب الأضحية والذبح 7

الدرس في آداب الأضحية والذبح 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

صور الإحسان إلى الذبيحة

الإحسان إلى الذبيحة له صور متعددة مثل تواريها عن أخواتها وتحد الشفرة قبل الذبح. هذه الصور تعكس الرحمة والرفق بالحيوان عند الذبح.

آداب الذبح والذابح

يجب أن يكون الذابح مسلما متقنا للذبح، ولا يجوز له أخذ أجرة من لحم الأضحية. كما يحذر من تعلم الذبح على الأضحية مباشرة دون معلم.

حكم التصرف في لحم وجلد الأضحية

لا يجوز بيع لحم الأضحية، وهناك خلاف حول بيع جلدها. الجمهور يمنع البيع بينما أجازه بعض العلماء بشرط التصدق بثمنه.

ختام الحديث عن الأضاحي

المقطع يختتم بالدعاء أن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية. كما ينتهي بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. بالأمس، إخواني في الله، كان الحديث عن آداب الذبح، وأشرنا إلى بعض المسائل المتعلقة بهذا الباب، من كيفية الذبح، ووصلنا إلى قضية الإحسان إلى الذبيحة. وذكرنا أن الإحسان إلى الذبيحة له عدة صور، ذكرنا صورة منها أنك لا تذبح الذبيحة أمام أخواتها، وإنما تواريها. وكذلك مما يذكر من الإحسان في ذبح الذبيحة أنك تحد الشفرة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «وليحد أحدكم شفرته». والشفرة في اللغة العربية هي السكينة الكبيرة، تسمى شفرة، وهي ما عظم من الحديد. يقال عنه شفرة. ولهذا لا تكون السكينة فاترة، وإنما احرص، يا عبد الله، من باب الإحسان، أن تكون سكينك حادة حتى تعجل في ذبح الذبيحة. وأيضا من الإحسان إلى الذبيحة أن يكون الذبح بقوة وبشدة، لماذا؟ لأن هذا أعجل للذبح، ولا يتواثر الضعيف، يعني يذهب دقيقة ويرجع دقيقة، ويزيد في إيلامها. وهذا يحتاج إلى قوة، وهذا يجرنا إلى مسألة وهي: لو أن الذابح أعسر، أعني الذي يستخدم اليسرى، هل يمكنه ذبح الذبيحة؟ هل هذا يضره؟ الجواب: لا، ما يضره هذا إذا كان هذا من طبيعته، ويجد أن قوته تكمن في اليسرى، فيقال: استخدم اليسرى إذا كان هذا أسرع. أما إذا كان هو مخيرا بين اليمنى واليسرى، أقول: استخدم اليمنى، استخدم التيامن، فإن هذا أبرك. كذلك مما يذكر من محاسن أو من صور الإحسان مع الذبيحة أنه لا يحد السكين أمام الذبيحة، أي لا تأتي بالسكين وتطأ الذبيحة على رقبتها، ثم تأتي بالسكين وتحد أمامها، هذا لا يجوز. لهذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ذاك الرجل الذي وضع رجله على صفحة الشاة، وهو يحد الشفرة وهي تنظر إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: «أفلا قبل هذا؟» يعني ما كان يمكنك أن تحدها قبل هذا الوقت. قال: «أتريد أن تميتها موتتين؟» وهذا الحديث يحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، والحديث رواه الطبراني عن ابن عباس. وقد ذكرنا في درس أمس كيف أن الحيوانات عندها شعور، وذكرنا كيف أن ذاك الإنسان أو ذاك الأشخاص عندما ذبحوا ذبيحة أمام غيرها، كيف أن الأخرى ماتت. فالإنسان يراعي هذا، فإنسان إذا أراد أن يحد يحد السكينة ماذا؟ بعيدا عن الذبيحة. بل إن بعض العلماء قال: ليس الحد كذلك فقط، بل السكين نفسها يستحب أن تواري السكين، تخبأ السكين حتى إذا أضجعتها فاجأها بالسكين، كل ذلك إحسان، كل ذلك من باب الإحسان. وأيضا ذكر جماعة من العلماء أن من الإحسان للبهائم ما يكون أنك تشربها ماء قبل موتها، أي قبل ذبحها تعطيها ماء لكي تهدأ. هكذا ذكروا هذا، ما يعني دليل فيه، لكن من باب الإحسان إليها. وأيضا ذكر العلماء أنه من باب الإحسان في ذبح الذبيحة أنك لا تجرها إلى الموت جراً، وإنما تسوقها سوقا حميدا. فتجد أن بعض الناس لربما يجرها من إحدى رجليها والوجه ملطخ في الأرض، وهذا ليس من الإحسان مع الذبيحة، وإنما حاول أن تأتي بها بتلطف قدر الإمكان. بل أذكر في باب الفائدة العلمية في الدراسة الحكومية لما كنا ندرس في المدارس، أذكر فائدة ذكرها بعض المدرسين في علم الأحياء، ذكروا أن الحيوان إذا جرى بشدة فإنه يرد ويصد ويمتنع، أنت تشد وهو يشد، شد الحيوان هذا يفرز مادة يفرز مادة تفرز في العضلات، قال: وتبقى هذه المادة بعد الذبح، يمكن أن تؤثر على لحم هذا الشاة. وهذا سبحان الله، هذه حكمة شرعية قد اكتشفها العلم الحديث. وأنا هذا قد مرت عليه فائدة كنت درستها في المدارس على أن الحيوان إذا جر بشدة كردة فعله يفرز هذه المادة، وإذا مادة ماذا؟ الشدة يفرز هذا الحيوان مادة فتخرج هذه المادة الهرمونية إلى لحمه، فعند ذبحه تبقى هذه المادة فتغير من طعم اللحم. ولهذا من حكمة الشرع أن الإنسان إذا أراد أن يذبح الشاة أو الحيوان أن يسوقها سوقا حسنا جميلا، وهذا من تمام الإحسان مع الحيوان. هذا، إخواني في الله، ما أذكره خلاصة الكلام في أهم ما يتعلق بصفة الذبيحة. نتكلم الآن حول ما يتعلق بالذباح أو بالذابح أو بالجزار، هناك آداب ينبغي أن يمتثلها. ذكر العلماء شروطا كثيرة في كتب المطولات حول ما ينبغي أن يتحلى به الجزار والذباح، لكن حسبي في هذا المختصر أن أشير إلى أمرين اثنين. الأمر الأول الذي ينبغي أن يكون الذباح عليه أن يكون متقنا، متفهما لعملية الذبح، لا أن يكون متعلما فقط، لأن هذا التعلم منه لربما أدى إلى غلط وإلى خطأ. وقد ذكر أهل التجربة أن كثيرا من هؤلاء عندما أراد أن يتعلم عملية الذبح في الأضاحي فإنه يؤدي إلى إتلافها. كهذا الذي ينسى أو ذاك الذي يخطأ أو ذاك الذي يعذب. والعلماء ذكروا أن الإحسان مع الذبيحة واجب، بعض الفقهاء يرون أنه واجب. فلا تجعل أحدا يتعلم على الذبيحة، يقول بعض الناس: يا أبت، أنا سأذبح، يقول: خذ، تعلم، نستفيد منك. لا، لا تتعلم إلا بوجود معلم، إلا بوجود معلم، لا بأس. معلم يبقى عندك يستدرك أي خطأ يقع منك، معلم يقول لك: تعالى، يمسك، يلا، أنسى وعسى لك، يلا سمي الله، يلا يمسك السكين، يلا بشدة، يعلمك. فإذا أخطأ أخذ واستدرك الخطأ، مثلا عند السلخ وعند التقطيع وهكذا، هذا لا بأس به. أما أن يأخذ الذبيحة من أول وهلة ويتعلم عليها، لا تفعل هذا، يا عبد الله، هذا من الأخطاء. وكذلك مما يشترط في الذابح أن يكون مسلما، معنى مسلما أن يكون على التوحيد. أما العاصي فلا بأس، لكن نتكلم عن أن يكون على الإسلام الصحيح. فإن لم يكن مسلما فلا يجوز أضحيته، ونعني بهم أن يكون على عقيدة المسلمين، لا أن يتورط في شيء من نواقض الإسلام. فمثلا إذا علم أن الذباح يسب الدين أو يسب الرب، ما يترك ولا يتولى أن يذبح. أو أنه تارك للصلاة بالكلية، أو أنه يعتقد الاعتقادات الكفرية، هؤلاء ما يمكنون من الذبائح. والأمر في هذا الباب خطير جدا، لأننا نجد أن الكثير من الناس يتساهل في هذا الباب، همه أنه يريد أحدا يذبح، بغض النظر عن شروطه. ولهذا يوجد للأسف من الذباحين من هم تارك صلاة، من هم تارك صلاة، ما يمكن هذا. وأعني بتارك الصلاة أي تاركها بالكلية، ما يركع لله ركعة. والعهد الذي بيننا وبينهم الصلاة. ولهذا ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في فتاويه قال: إذا كان الجزار لا يصوم ولا يصلي، أي حاد في محاربة الله، لا يصوم ولا يصلي، وهو الذي ذبح الذبيحة، قال: فهي لا تحل، لأنه كافر مرتد، ما تحل. لهذا ينبغي أن يتوعى المسلمون إلى هذه المسألة، فإن من شروط الذبح ما يتعلق بما هي الذابح في اعتقاده وتدينه لربه سبحانه وتعالى. وكذلك مما يتعلق بالذابح من القيود ومن الشروط أنه لا يعطى شيئا من لحم الأضحية كأجرة على ذلك الذبح. والجزار هو لا يخدمك لله في الله، يحتاج إلى أجرة، اعطه الأجرة، لكن انتبه لا تجعل أجرته تكون من الأضحية. تساومه يقول لك الذباح: أنا والله أجرتي تعطيني الرأس، تمام، أو تعطيني الفخذ، خلاص، هذا أجرتي، أو تعطيني جزء أو ربع أو ثمن، فيشاطرك على أجزاء من الأضاحي، هذا لا يجوز، لا يجوز، لا يجوز للجزار أن يأخذ من الأضحية شيئا كأجرة. بهذا الضابط وبهذا القيد، ولهذا قد جاء من حديث علي بن أبي طالب أن النبي أمره بقوله: «وأن لا أعطي الجزار منها شيئا»، ولكن نحن نعطيه من عندنا. هذا من أمر نبينا لعلي، قال: «وأن لا أعطي الجزار منها شيئا»، منها أي من الأضاحي، لا تعطيه أي كأجرة. قال: «ولكن نحن نعطيه من عندنا»، هذا من عندك، أمر آخر، تعطيه ما تعطيه، زاد تعطيه، راش تعطيه، أي شيء تسد أنت وإياه وتتفق أنت وإياه عليه، فإعطاه شيء لا يجوز. والعلل في ذلك، لماذا؟ قال العلماء: لأنك في أضحيتك جعلتها تقرب إلى الله، هذه الأضحية كلها تريدها لله، وما أنهرتها إلا على اسم الله، وتريد الأجر منها جميعا لله. فليس لك أن تنتفع منها انتفاع لشخص آخر، ما يجوز لك أن تجعل بعضها أجرة لشخص ما، فهي لله عز وجل، فلا ترجع في ماذا؟ في صدقتك، فلا يجوز هذا. طيب إذا كان الذباح فقيرا، إذا كان الذباح فقيرا وأردت أن تعطيه شيئا من لحم الأضحية، جارك فقير وهو الذباح، فقلت له: تعالى، فلان، اذبح لي، فذبح لك، وأردت أن تعطيه شيئا من لحم الأضحية، هل تمتنع؟ الجواب: لا. هنا اعطيه على أنها صدقة، لأنها أجرة، فرق بين الأمرين. أجرة لا تعطيه أجرة، تريد أن تتصدق عليه، هذا شأنه، هذا الأضحية أنك تتبرع، وأنك تتصدق، وأنك توزع إلى من ترى أنه مستحق، ولو كان الجزار ولو كان الذباح من المستحقين للصدقة، فلك أن تعطيه شيئا منها، لكن بهذا القصد أن تكون صدقة، أما أنك تعطيه أجرة، حساب مقابل هذا، لا يجوز كما ثبت ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام. طيب، مسألة أخرى، إخواني في الله، وهي: هل يجوز أن تتصرف في باب الأضاحي ببيع شيء منها؟ تبيع شيئا مثل رجل ذبح ذبيحة العيد ويرى أنه نصف شطر هذه الأضحية كافية له، ويحب أن يستفيد من الشطر الثاني، وخاصة أنه في أيام الأعياد يريد أشياء ويرى أن الناس بحاجة إلى اللحم، فقال: سأبيع، سأبيع شيئا من هذا اللحم للغير. هذا، قال العلماء: كما إذا فهمت المسألة الماضية ستفهم هذه المسألة، وهي المنع، لا يجوز أن تبيع شيئا من لحم الأضحية. قال إمام الشوكاني رحمه الله تعالى: اتفقوا على أن لحمها لا يباع، اتفقوا على أن لحمها لا يباع، هذا بالإجماع، ما يجوز أن تبيع شيئا من لحم الأضاحي. لكن هناك مسألة اختلف فيها العلماء، وهي: من أراد أن يبيع الجلد، من أراد أن يبيع الجلد لكي يتصدق بثمنه، لكي يتصدق بثمنه، بهذا القيد. الأصل أن البيع لا يجوز للاتفاق، بل لأحاديث حسنها جماعة من أهل العلم، فالشيخ الألباني رحمه الله تعالى يحسن حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من باع جلد أضحيته فلا أضحية له»، إذا كان هذا في الجلد، فمن باب أولى اللحم. ولهذا قام الاتفاق، قام إجماع العلماء على أن أجزاء الأضاحي ليست محل للبيع. لكن تأتي هذه المشكلة وهذه المسألة: أنا سأبيع، خاصة الجلد، لكن بقصد آخر، ليس قصد التكسب، لا، وإنما أريد أن آخذ هذا المال ماذا؟ الجلد لكي أتصدق، لأن هذا الجلد ما أحد سينتفع به، أنا سأرميه، سأرميه، ما أنتفع، نعم، بعض الناس، وهذا قليل من ينتفع، لكن يقول: أنا أريدها لوجه الله، من وإلى، الجلد ما أحد سيأخذه مني كجلد، أكثر الناس يرمونه في المزبلة. أنا سأبيع بيعه، سأجعله صدقة، من تتمة الأجر، هل هذا يجوز أو لا يجوز؟ هذا وقع فيه الخلاف بين العلماء. ذهب جمهور العلماء للمنع، أكثر العلماء تمسكا بظاهر الحديث أنك لا تبع منها شيئا، الشرع منعك، وتقيد بما ذهب إليه شرع، ولا تفتح باب الاجتهاد في هذا المقام. وذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز ذلك، وهذا هو المنقول عن الإمام أحمد وإسحاق والأوزاعي، يرون جواز هذا البيع، بيع الجلد بقصد التصدق عليه، لأن صرف المال سيعود ماذا؟ في أمر الصدقة، صرف المال سيعود في أمر الصدقة، ومما يعود إلى فضل الأضحية. وبهذا، إخواني في الله، وبهذا انتهينا من مسائل الذبح، وبهذا تمت هذه السلسلة المباركة. وحاولنا فيها الاختصار قدر الإمكان حول مسائل الأضاحي والذبح، فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.