الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع الأحاديث النبوية الدالة على فضل سورة البقرة العظيمة، فهي شفيعة لصاحبها يوم القيامة وأخذها بركة وتركها حسرة. كما يبين أن البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان، مما يجعلها حصناً حصيناً ضد السحرة والشياطين.
يروي المقطع قصة أبي هريرة رضي الله عنه حين وكله النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتى جن يسرق من التمر فأمسكه ثلاث مرات. في المرة الثالثة علمه الجني آية الكرسي حافظة من الشيطان، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم صدق النصيحة رغم كذب الجني، مشيراً إلى أنها أعظم آية في القرآن.
يسرد المقطع كيف أمسك النبي صلى الله عليه وسلم بالشيطان وخنقه حتى وجد برد لسانه في يده، مستشهداً بدعاء سليمان عليه السلام الذي سخر الله به الشياطين. ثم تركه النبي امتثالاً لذلك الدعاء، ويذكر فضيلة آية الكرسي من خلال قصة أبي هريرة وأبي أيوب الأنصاري في حفظ القارئ منها حتى يصبح.
يختتم المقطع بذكر أثر آية الكرسي في سورة البقرة، حيث روى الراوي قصة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ذاك الشيطان»، دلالة على كشفه وفضحه. ويكتفي المؤلف بذكر هذا القدر من فضائلها العظيمة والله أعلم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في باب فضل سورة البقرة: وقد ذكر رحمه الله حديثًا أو حديثين، وهو حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه في هذه السورة في فضل سورة البقرة، وكذلك أقصد في ذكر آخر آيات من سورة البقرة في فضلها. وسورة البقرة أيضًا قد جاء فيها أحاديث كثيرة في فضلها نفسها، بعضها في الصحيحين، لكن الإمام البخاري هنا لم يذكرها. من ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «تأتي سورة البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كطيرين صافين يحاجان عن صاحبهما». وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن فضائل سورة البقرة أيضًا ما جاء في صحيح مسلم في حديث أبي هريرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: عليكم بسورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة». البطلة: السحرة. أخذها بركة، يبارك الله عز وجل في حافظ سورة البقرة، وأيضًا كذلك المتدبر لها والعامل بنصوصها فيما استطاع. وأيضًا في الحديث الآخر: «البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطان». البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطان، فهي حصن حصين وحصن عظيم من الشياطين في البيوت. فالسحرة لا يستطيعون لهذه السورة، والسحرة غالبًا يستخدمون الشياطين، وغالبًا الشياطين التي يستخدمها السحرة تكون مردة، من أعتى الشياطين. فهؤلاء لا يستطيعون لهذه السورة، أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة، والبيت الذي تُقرأ فيه فإنه لا يدخله شيطان. وهذا فضل عظيم لهذه السورة. وقال: وقال عثمان بن الهيثم: حدثنا عوف، هو العرابي، عوف بن أبي جميلة العرابي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، يحثو أن يأخذ، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقص الحديث، أي هذا الحديث الذي في قصة أبي هريرة مع الجن، الجن الذي كان يأخذ التمر. وكلّ النبي عليه الصلاة والسلام أبا هريرة في حفظ تمر رمضان، زكاة رمضان، فكان هذا يأتي في الليل، أي الجن، ويأخذ من هذا التمر، ويقول: إنه يأخذه لعياله وكذا، فكان يعتذر، فتركه أول ليلة، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: «إنه سيأتي». وأتى الليلة الثانية، ثم الثالثة. قال أبو هريرة: فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله. فقال: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، لم يزل معك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان». وجاء في رواية: «أتدري من تخاطب يا أبا هريرة؟ ذاك شيطان». وهذا الحديث أيضًا في فضل آية الكرسي، وآية الكرسي هي من سورة البقرة. ولا شك أنه قد مر معنا حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي: «أي آية في كتاب الله أعظم؟» فقال: آية الكرسي. فقال: «ليهنك العلم أبا المنذر، ليهنك العلم أبا المنذر». فهي أعظم آية في القرآن، وهي في سورة البقرة كما هو معلوم. فهنا النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أبا هريرة أن هذا شيطان، وهذا شيطان مسكه أبو هريرة، لكن مسكه على أنه رجل، على أنه رجل وليس أنه شيطان. وأما النبي عليه الصلاة والسلام فقد أمسك بالشيطان نفسه، كما جاء في حديث أبي هريرة الآخر، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن شيطانًا تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي، فأخذته فخنقته، حتى وجدت برد لسانه في يدي». فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بسارية». فالنبي عليه الصلاة والسلام خنقه، أمسكه في عنقه مكان الخنق، فخنقه، قال: حتى وجدت برد لسانه، أي لعابه، وجده النبي صلى الله عليه وسلم في يده. وهذا يدل على أنه أمسك بالشيطان الكبير، وهو إبليس، حتى وجد برد لسانه في يده، فقال: «لولا دعوة أخي سليمان: هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي»، وأنه سخر الله عز وجل له الشياطين، فقال: «لأصبح مربوطًا بسارية يلعب به صبيان المدينة». ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام تركه. فقال بعضهم: استشكل كيف يتركه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يمسكه، وهذا أبو هريرة أمسكه؟ فأجاب بعض العلماء، كالحافظ وغيره، أن هذا ليس هو الشيطان الأكبر الذي مسكه أبو هريرة، وأيضًا مسكه على شكل أنه إنسان، معنا في هيئة إنسان، وليس في هيئة شيطان. طيب، فهذا في هذا الحديث في فضيلة هذه الآية، آية الكرسي، وقد جاءت أيضًا أحاديث أخرى في فضلها كما تقدم. وجاء نفس هذا الحديث في قصة حصلت أيضًا لأبي أيوب الأنصاري، على ما أظن، أنه هو رضي الله تعالى عنه، لما لقي في الليل رجلًا، ثم تبين له أن رجله رجل حمار. فقال له: أجني أنت أم إنسي؟ قال: بل جني. والظاهر أنه كان منامًا. فقال له: ما الذي يباعدنا منكم، وأيضًا كذلك يحترز أو نحترز به منكم؟ فقال: اقرأ آية الكرسي، إذا أخذت مضجعك، فاقرأ آية الكرسي، فإنك في حفظ الله عز وجل حتى تصبح، أو كما قال في ذلك الحديث. ثم حكى هذه القصة للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «ذاك الشيطان». فهذا الشيء كما قلنا، مما جاء في فضل هذه الآية، وذكره هنا على أنه في فضل سورة البقرة. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.