الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الدرس بباب البخاري في النكاح مؤكداً على اختيار ذات الدين والصلاح، مستشهداً بأحاديث تفضيل المرأة الصالحة والودود الولود. ثم يفصل سند حديث أبي هريرة عبر الرواة أبي اليمان وشعيب وأبي الزناد والأعرج مع تعليق على مصطلحات الأداء عند المحدثين.
يشرح حديث «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش» مبيناً أن المراد الصالحات المتصفات بالحنان على الأولاد ورعاية الزوج حتى مع الفقر. كما يستدل بجواز ركوب النساء للدراجات قياساً على ركوب الإبل مستحضراً قصة صفية بنت حيي رضي الله عنها.
يوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر زواجه من نساء قريش لحنانهن وصبرهن على قلة ذات اليد. ويبين أحقية المرأة في طلب الخلع أو الفسخ إذا عجز الزوج عن النفقة، مع استحباب الصبر إذا كان العجز غير مقصود ولا ناتج عن إهمال.
يستعرض أحاديث نبوية تحث على اختيار الزوجة ذات الدين والصلاح، مؤكداً أن النسب الشريف ك القرشيات مشروط بالتقوى. وتختتم الأحاديث بأن المرأة الصالحة هي خير متاع الدنيا ومن أسباب السعادة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن آمن، أما بعد. قال البخاري رحمه الله تعالى: باب إلى من ينكح أو من ينكح، وأي النساء خير، وما يستحب أن يتخير لنطفه من غير إيجاب. باب إلى من ينكح وأي النساء خير، على أنه إذا أراد أن يتزوج فإنه يستحب له أن يتخير وأن ينكح من كان فيها خير. وسيأتي إن شاء الله تعالى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فاضفر بذات الدين تربة يداك» في حديث عبد الله بن عمر بن العاص: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة». وخير متاعها المرأة الصالحة. وأيضا أن العبد المسلم يتخير في نكاحه، يتخير من يكون أهنى في زواجه أو من تكون أهنى له في زواجه وأسعد. ولا شك أن المرأة الصالحة هي من سعادة المرأة كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». أيضا اختار المرأة الودود كما سيأتي في هذا الحديث. قال رحمه الله: حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع الحمصي الشامي، وكان حافظا من حفاظ الحديث، وأخذ عن شعيب بثلاث طرق: أخذ سماعا، وأخذ إجازة، ومعنى على قسمين: إجازة عامة وإجازة كذلك خاصة، وكان في كلها يقول: أخبرنا. جاءت عن أحمد أنه التقى بأبي اليمان فأخبره بذلك، فقال: أحسنت. لكن الرواية هذه فيها شيء، وقد تكلم الإمام أحمد على فعل أبي اليمان هذا، أنه كيف يجعل «أخبرنا» في كل هذا: في الإجازة، وكذلك في السماع، وفي غيره، فكان يقول: أخبرنا. فالإمام أحمد قال: إن هذا أو تكلم في هذا، على أنه يعاب عليه أن يقول: أخبرنا، ولا يميز. ولم ينكر الإمام أحمد أحاديث أبي اليمان، وإنما أنكر الطريقة التي استخدمها؛ لأن «أخبرنا» جرت عند أهل الحديث غالبا إما في السماع، وإما في العرض، وحيانا تستعمل في المناولة لكن قليل. قال: أخبرنا شعيب. شعيب هو ابن حمزة الحمصي الشامي، وأخذ شعيب من الزهري ومن غيره، وأخذ الحديث في المدينة وفي الشام، وحضر الإملاء لما أمل الزهري، حضر الإملاء، فشعيب يعتبر من حفاظ أصحاب الزهري، يعتبر من حفاظ أصحاب الزهري. قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد، وهو عبد الله بن أبي عبد الرحمن، وأبو الزناد يعتبر لقبا، وهو مدني ثقة حافظ، عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز المدني، كذلك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وأبو هريرة عداده في المدنيين لا شك، لأنه بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام جلس في المدينة ولم يتحرك إلا في آخر خلافة عمر، إلا أن عمر حبسه في المدينة، وعن حبسه أي جعله لا يخرج هو وأبو سعيد وجماعة من الصحابة. قيل لأجل نشرهم العلم، بمعنى أنه أراد أن ينشر العلم في المدينة، وقيل لكثرة تحديثهم، وهذا ظاهر الرواية، لكن الظاهر أن عمر رضي الله عنه أجلسهم لأجل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يغيب عن مدينة رسول الله، وهي ملجأ الناس في ذلك الزمان لأنها دار الخلافة، فلهذا لو خرج هؤلاء كأبي هريرة وأبي سعيد وجابر فإن العلم سيقل في المدينة، فلهذا من حكمة الله جل وعلا أن صار هؤلاء لم يخرجوا من المدينة بأمر عمر رضي الله عنه إلا في آخر حياته، أخرج بعضهم لأجل الجهاد ولأجل أيضا بعض المعاني أنه جعلهم أمراء في بعض البلاد. وكان أبو هريرة كثير التحديث رضي الله عنه وكثير الحديث، فهو أكثر الصحابة تحديثا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم حفظا لحديثه. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده». أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده. هذه صفات، صفات عظيمة ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في نساء قريش، وليس الأمر نساء قريش، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن من وجدت فيه هذه الصفات فهي من النساء التي ينبغي أن يختارها المرء، فذكر هذا النبي عليه الصلاة والسلام في نساء قريش لأنه كان أعرف بهن. قال: «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش». ومعلوم أن النساء كن يركبن الإبل، كن يركبن الإبل، وهذا معروف في نساء العرب، فلهذا لا بأس أن المرأة تركب الدراجة وغيره، ولا حرج عليها في ذلك، وغالب أن الدراجة أسلم من الإبل، الإبل كبيرة وغالبا تنفر. ولهذا صفية بنت حيي رضي الله عنها سقطت من الإبل من العطاف حتى سقطت في الأرض، والنبي صلى الله عليه وسلم [رأى] سقطت، فأقبل طلحة وقال: يا رسول الله، قال: عليك بالمرأة، فأخذ رداءه وغطاها حتى لا يرى منها شيء. فلهذا فالإبل أصعب من هذه الدراجات، فلا حرج في ركوب مثل هذه الدراجات للنساء. قال: «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، أحناه على ولد في صغره». معنى تحنو وتتلطف وتتلطف بالولد، وأيضا تعطيه حنية عظيمة حتى يتربى على هذه الحنية العظيمة، وهذا يدل على أن حنية الأم لها دور في تربية الولد وكذلك في نشأته، وأما القسوة الشديدة فلا لا لا تنبغي من الأم، فلهذا الحنية هنا ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى على نساء قريش لحنيتهم لأولادهم. قال: «وأرعاه على زوج في ذات يده»، أي تراعي زوجها ولو كان فقيرا، ولو كان فقيرا. وهنا النبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر نساء قريش كلهن، وإنما قال: صالح نساء قريش، صالح نساء قريش. وهذا يدل على أن الإنسان يختار الصلاح، وسواء وجد في نساء قريش أو في غيرهم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بما عرفه من الفضل في نساء قريش، وخاصة النساء الصالحات. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أكثر زواجه كان في القرشيات، أنه تزوج في قريش تسع نسوة كلهن من قريش، وهذا مصداق ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام في هذا، فهو أعرف بهن، صلوات الله وسلام عليه. وقيل أن المراد بحنية المرأة لولدها أنها إذا كانت في وقت تربيته لا تتزوج، لا تتزوج في حال تربيته أو في يتمه، فتبقى ترعاه حتى يكبر، وقيل غير ذلك، المراد به العطف والحنان الذي كان عند قريش. قال: قال: «وأرعاه على زوج في ذات يده»، أيضا كذلك في ذات يده، معنى أنه ولو كان قليل المال، ولو كان فقيرا فهي تصبر، فهي تصبر. مع أن القرشيات تعتبر من سادات العرب، إلا أنهن تعودن على الصبر، تعودن على الصبر حتى عند فقر الزوج. وهذا من أعظم الصفات التي تكون في المرأة أنها تصبر على فقر زوجها ولا تنفر. وإن كان كثير من أهل العلم يقولون، وهو يقول جمهور أهل العلم: أن المرأة إذا لم تجد نفقتها من زوجها فلها أن تطلب الخلع، لها أن تطلب الخلع. بل قال كثير منهم: أنها لها أن تفارق، بمعنى تفسخ العقد، لأن النفقة اعتبرها العلماء من صميم العقد ومن الأمور المهمة في النكاح، معنى من أركان النكاح والعشرة. فإذا لم يستطع أن ينفق على المرأة فلها الخيار، واستدل بعضهم بتخيير النبي عليه الصلاة والسلام لأزواجه بما أمره الله عز وجل، فله أن يخيرها، يخير المرأة إذا لم يكن عنده مال ينفق عليها، فيقول: أنا ما عندي هذه الفترة مال، إن شئتِ أن تصبري معي فلك ذلك، وإن شئتِ أن أطلقك مثلا وتذهبي إلى أهلك فلك ذلك، كما خير النبي عليه الصلاة والسلام أزواجه. والأفضل للمرأة أنها تصبر، خاصة إذا كان هذا الأمر ليس بيده، أنه ليس تكاسلا، وليس أيضا من باب أنه يصرف ماله فيما لا يرضي الله، للمعنى مثل هؤلاء أصحاب القاتف، تجد أنه كلما وجد مالا وضعه في القاتف وترك أهله بدون طعام وبدون مال، أفضل شيء عنده وأيضا أهم شيء عنده أنه يجمع حق القاتف أو حق قطافه اليوم، فإذا جمعه فلا يفكر ولا يبالي في غيرهم، فمثل هذا لا يصبر عليه. لكن إذا كان الرجل على صلاح وعلى دين، لكن لم يجد العمل، أو أن العمل الذي يعمل فيه لا يجد إلا مالا قليلا أو غير ذلك، فالأفضل للمرأة أنها تصبر. ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على نساء قريش أنهن يصبرن على الفقر، على فقر أزواجهن، على قلة ذات اليد، أي قليل المال. فلهذا في هذا أيضا ذكر الحافظ أن هذا الحديث فيه الحث على نكاح الأشراف وخصوصا القراشيات، وهذا ليس على إطلاق كما قلنا، إنما يقيد بالصلاح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد أيضا هذا الحديث بالصلاح. وأيضا في حديث أبي هريرة: «تنكح المرأة لأربع»، وذكر منها ذات الدين، قال: «فاضفر بذات الدين تربة يداك». وكما قلنا أيضا في حديث عبد الله بن عمر: «إن الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة». وأيضا في حديث أبي هريرة الآخر: «من سعادة المرأة الصالحة، المرأة الصالحة من سعادة المرأة». فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام، فنكتفي به والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر