الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي البخاري حديث امرأة وهبت نفسها للنبي ﷺ، فطلب رجل الزواج بها ولما لم يملك مهراً أمره النبي بالتماس خاتم حديد. عاد الرجل بإزاره فقط وعرض نصفه كمهر فقبل النبي ذلك.
لاحظ النبي صلى الله عليه وسلم صحابياً فقيراً لا يملك إلا إزاراً ضيقاً، فسأله عن حفظه للقرآن. لما أخبره بالسور التي يحفظها، زوجه امرأة وجعل مهرها ما معه من القرآن.
يشرح المقطع قصة تزويج النبي ﷺ امرأةً لرجلٍ ليس له مهرٌ سوى القرآن، فيقول: «أَمْلَكْتُكَها بما معك من القرآن». يستدل العلماء بهذه اللفظة على أنها من ألفاظ النكاح الصريحة التي لا تحتاج إلى نية.
يوضح المقطع أن الحديث المذكور يتناول عرض امرأة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الهبة. وهذا الحكم خاص بالنبي وحده ولا يقاس عليه غيره.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا سعيد بن أبي مريم، وهو مصري، قال: حدثنا أبو غسان، وهو النهدي، مالك بن إسماعيل. أو هذا غيره، ليس هو مالك بن إسماعيل من شيوخ البخاري، لكن هذا أبو غسان ظهر أنه مدني. قال: حدثني أبو حازم، وهو سلمة بن دينار، سلمة بن دينار المدني، فقيه من فقهاء أهل المدينة، قال: عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما أن امرأة عرضت نفسها على النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هذه الواهبة التي وهبت نفسها للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن ذكره البخاري هنا لهذا اللفظ: أنها عرضت نفسها، والأصل أن هذه كما تقدم معنا في أبواب كثيرة أنها وهبت نفسها للنبي، فلذلك زوجها النبي عليه الصلاة والسلام غيره. معنى وهبت نفسها: أي أنها جعلت النبي عليه الصلاة والسلام يتصرف في أمرها، إن شاء تزوجها وإن شاء زوجها. قال: «إن امرأة عرضت نفسها على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له رجل: يا رسول الله، زوجنيها. فقال: ما عندك؟ قال: ما عندي شيء. قال: اذهب فالتمس ولو خاتماً من حديد». ما عندك، بمعنى: ماذا تعطيها من المهر؟ قال: فذهب ثم رجع، فقال: لا والله ما وجدت شيئاً، ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري، ولها نصفه. أنا سيعطيها نصف إزاره ما معه إلا الإزار، وسيعطيها إياه. والإزار كما ذكرنا، كما هو معلوم، ما يلبس أسفل الجسد. قال سهل: وما له رداء، بمعنى: معه إزار فقط. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء». حتى لو أخذت نصف إزارك، ماذا تفعل به؟ إن لبسته ما سيغطي عورتها، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء. كأنك أفسدت هذا الإزار. الأزر التي كانت معهم خاصة للفقراء، أزر ضيقة، حتى أنهم كما قال أبو السعيد: لا يستحي أحدنا من العري، من أن يجلس فتنكشف عورته لضيق الإزار. قال: فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه النبي عليه الصلاة والسلام فدعاه. وكان النبي عليه الصلاة والسلام ما يحب أن يكسر أحداً، أو أنه يجد أحداً في نفسه من أصحابه رضي الله تعالى عنهم، صلى الله عليه وسلم. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما رآه هكذا دعاه، أو دُعي له، فقال له: «بماذا معك من القرآن؟» فقال: معي سورة كذا وسورة كذا، لسور يحفظها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أملكناكها بما معك من القرآن، أملكناكها بما معك من القرآن». فهنا هذا الحديث كما قلنا: أن هذه المرأة وهبت نفسها، وإلا ما زوجها النبي عليه الصلاة والسلام غيره. لكن لما وهبت نفسها للنبي، فالمرأة إن شاء تزوجها تزوجها، وإن شاء زوجها فزوجها النبي صلى الله عليه وسلم غيره، وزوجه هذا الرجل، وهو ليس معه شيء إلا معه القرآن، فيعلمها هذه السور ويقرأ عليها هذه السور، وجعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا مهراً لها. وقال: «أملكناكها بما معك من القرآن». وأخذ العلماء أن هذه اللفظة تعتبر من الألفاظ الصريحة. فإذا قال الأب أو الولي للعريس: «أملكتك إياها»، فمعنى هذا أنه زواج، يعتبر زواجاً. لو قال له: «أملكتك بنتي» أو «أملكتك أختي»، وهو وليها، أو امرأة تحت ولايته، فقال لآخر: «أملكتك إياها»، معنى ذلك أنه زوجتك إياها، فيعتبر تزويجاً، ويعتبر من الألفاظ الصريحة عند أحمد وغيره؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام تلفظ بها، فدل على أنها لفظ شرعي. «أملكناكها»: لو قال مثلاً، لو قال الولي للمرأة للزوج: «أثبتك إياها»، فهذا تحتاج إلى نية، بمعنى: أيش المقصود من هذا الثبوت؟ هل المقصود: أثبتك إياها، أي زوجتك وجعلتها معك، أو أني حجزتها لك؟ حجزتها لك. فهذا الألفاظ التي تحتاج، أو فيها احتمال، لا يؤخذ بها، وإنما يؤخذ بالألفاظ الصريحة. والألفاظ التي فيها كناية تكون بالنية، تكون أيضاً معها النية، أو يستفسر صاحبها ما أراد بهذه اللفظة. وكذلك في ألفاظ الطلاق: هناك ألفاظ صريحة، مثل: طلقتك، سرحتك، فارقتك. هذه الثلاث جاءت في القرآن: الطلاق والسراح والفراق، فلذلك جعل العلماء كَالشافعي وأحمد أن هذه الثلاث صريحة، وبقية الألفاظ تعتبر كناية، فتعتبر معها النية. طيب، هذا ما يذكر في هذا الباب. الله تعالى أعلم. أما عرض المرأة نفسها على الرجل، فقد تكلمنا فيه في الحديث الذي سبق. وأما هذا الحديث، كما قلنا، فيه عرض، لكن المراد به هو هبة المرأة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام. وخير، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.