الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 154، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع نهي النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد أو أعياد أو الصلاة عندها، ويبين الفرق بين قصد الدعاء عندها والدعاء تبعاً للزيارة. كما يناقش مسألة قراءة القرآن عند القبر وإهداء ثوابه للميت، موضحاً أن العلماء لم يستحبوا القراءة عند القبر خصيصاً.
اختلف العلماء في وصول ثواب العبادات البدنية كقراءة القرآن والصلاة إلى الميت، فذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز إهداء الثواب بعد الفراغ من العمل، بينما رأى الشافعية والمالكية عدم وصوله مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾. والصحيح أن الأصل عدم وصول الثواب إلا ما جاء به الدليل الصريح كصدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له، والحج والصوم عن الميت، وصلاة الجنازة.
يناقش المقطع خلاف العلماء في مشروعية قراءة القرآن عند القبور، مبيناً أن الجمهور على كراهيتها أو اعتبارها بدعة بعد الدفن، بينما جوز بعضهم القراءة حال الدفن فقط استناداً لوصية ابن عمر. ويرجح الشيخ أن القراءة عند القبور غير مشروعة لذاتها، وأن النفع للميت يكون بالدعاء والصدقة لا بالقراءة عنده.
يبيّن المقطع الفرق بين الذكر والدعاء المشروعين عند القبور وبين تخصيص أوقات أو عبادات معينة لها كقراءة القرآن أو الصيام أو الذبح بقصد التعبد، معتبرًا ذلك بدعة واتخاذًا للقبور أعيادًا. وينهى عن الذبح عند القبور مطلقًا مستدلًا بحديث «لا عقر في الإسلام» وآثار السلف.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم": فصل: قد تقدم أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن اتخاذها مساجد، أي القبور، وعن الصلاة عندها، وعن اتخاذها عيدًا، وأنه دعا الله أن لا يتخذ قبره وثنًا يعبد. هذه كلها مناهي في القبور: أن لا تتخذ مسجدًا، وأن لا يصلى عندها، وأن لا تتخذ عيدًا، ودعا أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتخذ قبره وثنًا يعبد. قالوا: قد تقدم أن اتخاذ المكان عيدًا هو اعتياد إتيانه للعبادة عنده أو غير ذلك. هذا عيد: إذا اعتاد في زمن معين أو في مكان معين أنه يأتي لأجل العبادة فهذا عيد. معنى أنهم ينسبونها إلى الإسلام. وقالوا: قد تقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها أو إليها، لحديث مرثد بن أبي مرثد الغنوي في صحيح مسلم. قالوا: الأمر بالسلام عليها والدعاء لها، معنى هذا المشروع: السلام والدعاء. قالوا: ذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه عندها من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء، أو الدعاء ضمنا وتبعا. معنى: فرق بين أن يقصدها الإنسان لأجل أن يدعو عندها، وهذه المسألة قد توسع فيها الشيخ رحمه الله وبين بطلانها، وكذلك بين الدعاء ضمنا وتبعا. معنى: لم يقصد الدعاء عند القبور ولأجل الدعاء عندها، وإنما كان مثلا قد زار القبور وسلم عليهم ثم دعا، فهذا معنى يدخل في الدعاء ضمنا وتبعا. وقد جاء في السنة. قالوا: تمام الكلام في ذلك بذكر سائر العبادات، فالقول فيها جميعا كالقول في الدعاء. معنى: فعل عبادة عند قبر وظن أنها أفضل من فعلها في مسجد أو غيره، فهذا يعتبر أيضا بدعة. قالوا: القراءة عند القبر، القراءة عند القبر سيذكر المؤلف رحمه الله أقوال العلماء فيها: هل هي بدعة أو ليست ببدعة؟ وقد جاءت الآثار على أن القبور ليست محلا للصلاة ولا للقراءة، ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قرأ في المقابر أو أمر بالقراءة عندها. فاعتقاد أن القراءة عند القبر سنة أو عبادة أو لها فضل، فهذا اعتقاد خاطئ. قالوا: الصيام عنده أو الذبح عنده، فضل على غيره من البقاع، ولا قصد ذلك عند القبور مستحبا. وما علمت أحدا من علماء المسلمين يقول إن الذكر هناك أو الصيام أو القراءة أفضل منه في غير تلك البقعة. ليس هناك من العلماء من يقول هذا إلا من أشرب قلبه بالبدع. وإلا العلماء أهل السنة، بل حتى من غيرهم لم يقولوا بأن قراءة القرآن عند القبر أفضل من غيرها من البقاع، إلا بعض المخرفين في هذه الأزمان المتأخرة يعتقدون أن كل عبادة عند القبر هي أفضل من غيرها. غيرها معناه عندهم: قراءة القرآن عند القبر والذكر عند القبر عندهم أفضل من غيره من الأماكن. قال: فأما ما يذكره بعض الناس من أنه ينتفع الميت بسماع القرآن بخلاف ما إذا قرئ في مكان آخر. معناه: الآن أيضا مسألة أخرى هنا يخلط فيها بعض الناس. فالآن بعض الناس يقول: أن الميت ينتفع بقراءة القرآن ويسمع قراءة القرآن لأن الميت حي في قبره كما يقولون، فهو يسمع قارئ القرآن، لهذا فهم يفضلون القراءة عند القبر. عند القبر، وأيضا كذلك هناك من العلماء من يقول أن القراءة تصل إلى هذا الميت، أن القراءة تصل إلى هذا الميت. معنى: يصل نفعها. لكن هل معنى ذلك أن الإنسان يقرأ عند القبر، أو أنه لو قرأ مثلا وهو في بيته وأهداها لصاحب القبر، لابيه أو لأمه أو لغير ذلك، فهل هناك فرق؟ فأيضا هناك فرق بين المسألتين. فاستحبابها، استحبابها عند القبر لم يقل به أحد من علماء المسلمين، وإن كان هناك بعض الآثار قد يفهم منها هذا، لكن سيأتي كلام الشيخ يبين أنها لا تدل على ذلك. قال: فأما ما يذكره بعض الناس من أنه ينتفع الميت بسماع القرآن بخلاف ما إذا قرئ في مكان آخر، فهذا إذا عني به أن يصل الثواب إليه إذا قرأ عند القبر خاصة، فليس عليه دليل من العلماء أو من أهل العلم المعروفين. بل الناس على قولين. الآن يريد الشيخ أن يفرق بين من يقول أن القراءة يصل ثوابها وينتفع بها الميت، قراءة القرآن، لكن هل لابد أن يقرأ الإنسان عند القبر حتى ينتفع بها الميت، أم أن المراد أنه يقرأ ويهب ثوابها للميت؟ فهذه المسألة التي قال بها بعض العلم: أن الثواب يصل إلى الميت. وأما مثل القراءة عند القبر أو القراءة في المسجد أو القراءة في البيت، فكله سواء. ولم يقل أحد من أهل العلم المعروفين أن الأفضل أن يقرأ عند القبر ثم يهدي ثواب القراءة إلى صاحب القبر. هذا لم يقل به أحد من علماء المسلمين. وأما مسألة إهداء الثواب، قال فيها قولان. بل الناس على قولين: أحدهما أن ثواب العبادات البدنية من الصلاة والقراءة وغيرهما يصل إلى الميت، كما يصل إليه ثواب العبادات المالية من الصدقة والزكاة وغير ذلك، الحج. ثواب العبادات المالية بالإجماع، وقد ذكر هذا الإجماع جماعة من أهل العلم، منهم الإمام عبد الله بن المبارك، ومنهم الإمام أحمد، على أن الصدقة يصل ثوابها للميت. الصدقة يصل ثوابها للميت، وقد ذكر، وقد ذكر الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه عن أبي إسحاق الطالقاني أنه قال لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن، صلاة الرجل لأبيه ولأمه والصدقة، هل تصل أو إنها تصل؟ قال: من قال بهذا؟ قال: حدثني به إبراهيم بن إسحاق، أو كذا. فقال: ثقة، إبراهيم بن حجاج. فقال: ثقة. فقال: عن من؟ قال: عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال عبد الله بن المبارك: يا أبا إسحاق، إن بين الحجاج وبين النبي عليه الصلاة والسلام مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل. معناه: بينها سنوات. هذا الحجاج من أتباع التابعين، فكيف يروي عن النبي عليه الصلاة والسلام حديثا؟ ثم قال عبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الله بن المبارك، ولكن ليس في الصدقة خلاف. ولكن ليس في الصدقة خلاف. وهذا قول عامة العلم. وما ذكر عن الشيخ الألباني أو ذكره الشيخ الألباني أن هذا خاص بالولد، فهذا الله أعلم، أنه لم يقل به أحد من العلماء، لا من المتقدمين، أن هذا خاص بالولد. بل الأدلة جاءت عامة، الأدلة جاءت عامة في من تصدق على الميت. والصدقة ليس فيها خلاف. لكن الخلاف في العبادات البدنية، ويسميها بعضهم العبادات المحضة التي القصد فيها التعبد، من الصلاة والقراءة. فهذه بعض العلم يقول أنه يصل ثوابها إلى الميت إذا أهدي الثواب. فالإنسان قرأ القرآن ثم قال: هذا القرآن أهديه إلى والدي، وقرأت هذا القرآن كله أهديه إلى والدي، فهل يصل أو لا؟ يقولون: يصل. وهناك فرق أيضا بين مسألتين: بين مسألة أنه ينوي الإهداء من أول القراءة، فهذا خطأ. لكن العلماء يقولون بجواز: من عمل عملا ثم أهدى ثوابه للميت، أهدى ثوابه للميت. فهذا الذي أجازه من ذكر الشيخ، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. قال: وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي ومالك. قال: وهو الصواب لأدلة كثيرة ذكرناها في غير هذا الموضع. وهذه المسألة، الشيخ رحمه الله جانبه الصواب فيها. وإلا فهذه المسألة لم يثبت فيها دليل صريح عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة. وعلى أصل الشيخ رحمه الله أن هذه ليست صوابا، لأن الشيخ رحمه الله كان يأخذ بقول السلف، قول الصحابة. فإذا لم يأتي عنهم شيء فيها في مثل هذه المسائل، فإنه ينكرها ولا يقول بها. وهذا اجتهاد منه رحمه الله. صوب قول أكثر العلماء على أن الثواب يصل. لكن الصحيح أنه لا دليل صريح بذلك. لا دليل صريح بذلك في إهداء ثواب العبادات البدنية أنه يصل إلى الميت. بل الأدلة كما سيأتي تدل على عدم الإيصال. قال: والثاني، أي القول الثاني: أن ثواب العبادات البدنية لا يصل إليه بحال، وهو المشهور عند أصحاب الشافعي. بل نسبه جماعة للشافعي. بل صرح به الإمام الشافعي في "الأم". صرح به الإمام الشافعي في "الأم"، وذكره النووي في كتابه "الأذكار"، وكذلك في شرح "المهذب"، وذكره أيضا الحافظ ابن كثير عند قول الله جل وعلا في التفسير، عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]. ذكر أن مذهب الشافعي أن ثواب القراءة والصلاة لا يصل إلى الميت. قال: وهو المشهور عند أصحاب الشافعي ومالك. وما من أحد من هؤلاء يخص مكانا بالوصول أو عدمه. فأما استماع الميت للأصوات من القراءة أو غيرها، فحق. فهذا كما قلنا: الصحيح أن الثواب لا يصل، ولا دليل على أن الثواب يصل، لا دليل صريح على ذلك. بل الأدلة دلت على عدمه، أن الأصل أن الميت لا يصل إليه إلا عمله، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، إلا ما جاء الدليل. خص الدليل هذه الآية، فما كان قد خصه الدليل نقول به. مثل مثلا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يتبع الميت ثلاث: أهله وماله وعمله». أو الحديث الآخر: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له». هذه الثلاثة جاءت وهي تستثنى من الآية. أن عمل الابن يصل إلى والده إذا دعا، وغير الابن أيضا كما دلت عليه الأدلة. وأيضا كذلك الصدقة الجارية فهي تصل إلى الميت وتتبعه إلى قبره. والمراد بالصدقة الجارية: أي المستمرة. وأيضا كذلك العلم الذي يعلمه فإنه يصل إلى قبره، حتى إذا مات فإن أجره يصل إلى قبره. وكذلك أيضا جاءت أحاديث كثيرة في استثناء بعض الأشياء، مثل المرابط في سبيل الله، إذا مات فإن أجره، فإن أجره يجري حتى وهو في قبره. وكذلك أيضا الاستغفار فإنه يصل كما جاء أيضا في الأحاديث. وغير ذلك مما يصل أيضا: الحج والصيام، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز. وفي حديث عائشة في الصوم: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». فلهذا فالأصل أن الأشياء التي يكون ثوابها للميت، ما كان من عمله، إلا ما استثني من هذه الأمور. أو أيضا صلاة الجنازة وغير ذلك، فكل ذلك مما جاءت به الأدلة. أما من لم يأت فيه دليل، فالأصل أنه لا يقبل. الأصل أنه لا يقبل. وما جاء عن بعض الصحابة، مثل عمرو بن العاص، أنه قال: «اقرؤوا عليّ سورة البقرة لعلي أراجع ربي». هذا اجتهاد منه رحمه الله، رضي الله تعالى عنه. وإلا لم يأت أن يُقرأ على الميت القرآن وهو في قبره. لم يأت عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن أحد من أصحابه، إلا ما جاء عن عبد الله، أو عن عمرو بن العاص. قال: لكن الميت ما بقي يثاب بعد الموت على عمل يعمله هو بعد الموت، من استماع أو غيره. وهنا قول الشيخ: أن القراءة، أن الميت يسمع الأصوات. قال: من القراءة أو غيرها، فحق. أما القراءة فلم يأت شيء صريح يدل على أنه يسمع القراءة. إنما جاء بعض المنامات، أو بعض من أخبر أن مثلا الميت سمع قراءة فلان أو كذا، من باب الإخبار بالرؤيا. وأما من ناحية الأدلة، فليس هناك ما يدل على ذلك، وأن الميت يسمع قراءة الحي. وإنما الذي ثبت في السنة: أن الميت يسمع قرع نعال الناس إذا تولوا من المقبرة. وأيضا كذلك السلام، وإن كان حديث السلام فيه خلاف، لكن الصحيح أنه ثابت. وأما سماع غير ذلك فلم يثبت شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنهم الآن ليسمعون»، فهذا سماع توبيخ، أسمعهم الله عز وجل كلام النبي صلى الله عليه وسلم توبيخا لهم. لهذا قال: «إنهم الآن ليسمعون». وقد قال عمر رضي الله عنه: «كيف تكلم يا رسول الله أناسا موتى؟» فقال: «ما أنتم بأسمع منهم، فإنهم الآن يسمعون». أي: أسمعهم الله عز وجل كلامه. وإلا الأصل مثل ما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22]. فالأصل أن الموتى لا يسمعون، وكذلك سواهم، كان قراءة أو غير، إلا ما أراد الله عز وجل أن يسمعهم، وما جاءت به الأدلة. قال: وإنما ينعم أو يعذب بما كان عمله، أو بما يعمل عليه بعد الموت من أثره، أو بما يعامل به، كما قد اختلف في تعذيبه بالنياحة عليه، وكما ينعم بما يهدى إليه، وكما ينعم بالدعاء له، وإهداء العبادات المالية بالإجماع، عن الصدقة وغيرها كما ذكرنا. قال: وكذلك ذكر طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، ونقلوه عن أحمد، وذكروا فيه آثارا: أن الميت يتألم بما يفعل عنده من المعاصي. فيقال أيضا: أنه ينعم بما يسمعه من قراءة وذكر. وهذا لو صح لم يوجب استحباب القراءة عنده. أن بعض أصحاب أحمد يقولون: أنهم ذكروا أن الميت يتألم بما يفعل عنده من المعاصي. إذا فعل بجانبه. ولم يأت أيضا دليل على ذلك. وإنما كلها رؤى، كلها رؤى: أن فلانا رأى أباه أو رأى أخاه، فيقول له: اجعل فلانا يبتعد عني، أو يبتعد عن المقبرة، أو كذا. وهذه كلها رؤى، ذكر بعضها الإمام ابن القيم في كتابه "الروح". قال: هذا لو صح لم يجب استحباب القراءة عنده. فإن ذلك لو كان مشروعا لسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته. معنى: لو كان هذا القراءة عند القبور مشروعة، لسنه النبي عليه الصلاة والسلام لأمته أنهم يقرؤون حتى يسمع أهل القبور. قال: وذلك لأن هذا وإن كان من نوع مصلحة، ففيه مفسدة راجحة، كما في الصلاة عنده. ومادام أنه لا يصلي أحد عن أحد، فكذلك أيضا لا يقرأ أحد عن أحد. وكما أنه نُهي عن الصلاة في المقابر، فكذلك قراءة القرآن، لأن الصلاة قراءة. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، وصلوا فيها». وصلوا فيها. والمراد أن الصلاة هي قراءة قرآن. لا تجعل قبرك، لا تجعل بيتك كالقبر، لا يقرأ فيه القرآن ولا يصلى فيه. فلهذا هذا من الأدلة على أن القراءة عند القبور لم تشرع، أو لم تشرع. قال: وتنعم الميت بالدعاء له والاستغفار والصدقة عنه وغير ذلك من العبادات، يحصل له به من النفع أعظم من ذلك، من أعظم من القراءة عند القبر، وهو مشروع ولا مفسدة فيه. ولهذا لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائما للقراءة عنده. أن لو كان هذا يستحب، لقال بعض العلماء أنه يستحب في كل وقت. لو كان هذا يستحب أن الإنسان يقرأ عند القبر، لكان في كل وقت يستحب. لكن تجد حتى من استحبه، إنما استحبه في بعض الأوقات. استحبه في بعض الأوقات، مثلا عند موته، أو عند زيارته، أو غير ذلك من هذه الأمور التي استحبها بعضهم، وليس فيها دليل. ولكن يقول الشيخ: أنه لم يثبت عن أحد أنه استحب قصد القبر دائما للقراءة عنده، وأن هذه عبادة دائما. قال: قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن ذلك ليس مما شرعه النبي عليه الصلاة والسلام لأمته. لكن اختلفوا في القراءة عند القبور: هل تكره أم لا تكره؟ أن القراءة عند القبور، إذا جاء إنسان، معنى: بعد أن سلمنا أنها ليست بسنة أن الإنسان يقرأ عند القبور، لكن هل يستحب ذلك، أو أنه ينهى عن ذلك، وهل يكره أم لا يكره؟ قال: والمسألة مشهورة، وفيها ثلاث روايات عن أحمد. إحداها: أن ذلك لا بأس به، وهي اختيار الخلال وصاحبه. اختيار الخلال وصاحبه، من صاحبه، في أحد يعرف صاحبه. صاحب الخلال الذي كانوا يسمونه: كنت ألازم، يسمونه غلام الخلال. في أحد يعرف من صاحبه. صاحبه هذا اسمه عبد العزيز بن جعفر، الذي يسمى بغلام الخلال. معنى: من كثرة ملازمة الخلال حتى سُمّي غلامه. هو عبد العزيز بن جعفر، صاحب كتاب "الشفاء". له كتاب سماه "الشفاء"، ذكر فيها مذهب أحمد. فهذا الكتاب غير موجود، لكن ينقل منه أصحاب أحمد، كصاحب "المغني"، دائما ينقل عنه. قالوا: أكثر المتأخرين من أصحابه أخذوا بهذه الرواية، أخذوا بقول الإمام أحمد أنه لا بأس بذلك. وقالوا: هي الرواية المتأخرة عن أحمد. وذكروا قصة في ذلك، لعل الشيخ يذكرها. قالوا: وقول جماعة من أصحاب أبي حنيفة، واعتمدوا على ما نقل عن ابن عمر رضي الله عنهما، رضي الله عنهما، أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح البقرة وخواتيمها. فهذا جاء عن ابن عمر أنه أوصى بذلك. لكن الصحيح أن الإسناد فيه كلام. وقد ذكره، وقد ذكره البيهقي في "السنن الكبرى" بإسناده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج: «اقرؤوا على قبري سورة البقرة، حتى أولها، وخواتيمها». حتى أولها، حتى أولها، ملائكة ربي. قال: والثانية: أن ذلك مكروه. القول الثاني، وهي الرواية الثانية عن أحمد، أن ذلك مكروه. حتى اختلف هؤلاء: هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة إذا صلي عليها في المقبرة؟ وفيه عن أحمد روايتان. وهذه رواية التي رواها أكثر أصحابه عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه، كعبد الوهاب الوراق وأبي بكر المروزي ونحوهما. وهي مذهب جمهور السلف. معناه: أنه جائز أن يقرأ الفاتحة في الصلاة. بل بعضهم أوجبها. قال: وهي مذهب جمهور السلف، كأبي حنيفة ومالك، وهي شيء مبشر وغيره. ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلامه. وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة. وقال مالك: «ما علمت أحدا يفعل ذلك». ما قال مالك، وهو كان يتتبع عمل علماء المدينة، وقال: «ما علمت أحدا يفعل ذلك من أهل المدينة». لهذا كرهه هؤلاء. وقال مالك: «ما علمت أحدا يفعله». والثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها. هذا: القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها، كما نقل عن ابن عمر رضي الله عنهما، وبعض المهاجرين. هو كما قلنا: يريد عمرو بن العاص. وأما القراءة بعد ذلك، وحديث عمرو بن العاص في الصحيح المسلم. وأما القراءة بعد ذلك، مثل الذين ينتابون القبور للقراءة عنده، فهذا مكروه. بل صرح الإمام أحمد بأنه بدعة. فإنه لم يقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا. لكن الإمام أحمد رجع عن ذلك، لما ذكروا له أن ابن عمر كان أوصى أن يقرأ عند دفنه بفواتح سورة البقرة وخواتيمها. لما علم بهذا الأثر، وأنه عن ابن عمر، فقال: «فلا بأس». قال: «لا بأس». وكان الإمام أحمد لا ينكر شيئا جاء عن الصحابة. قال: وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها، لما فيها من التوفيق بين الدلائل. أنا أقول: الشيخ أن هذا القول، أو هذه الرواية عن أحمد، أفضل. أنه يجوز وقت الدفن. وقت الدفن يجوز أن يقرأ القرآن. وأما في غير ذلك الوقت، أو بعد ذلك الوقت، فإنه لا يقرأ. قال: والذين كرهوا القراءة عند القبر، كرهها بعضهم وإن لم يقصد القراءة هناك، كما تكره الصلاة. فإن أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك. معناه: إذا صلى عند القبر، إذا صلى عند القبر لا يقرأ الفاتحة، وإنما يدعو فقط. لأن كثير من أهل العلم يقولون: أن قراءة الفاتحة ليست بواجب في صلاة الجنازة. لكن الصحيح أنها واجبة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وصلاة الجنازة تعتبر صلاة. قالوا: معلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر. ومع هذا فالفرق بين ما يفعل ضمنا وتبعا، وما يفعل لأجل القبر، بيّن كما تقدم. قالوا: الوقوف التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم، فيها من الفائدة أنها تعين على حفظ القرآن، وأنها رزق لحفاظ القرآن، وباعث لهم على حفظه ودرسه وملازمته. وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته، فهو بما يحفظ به الدين، كما يحفظ بقراءة الفاجر وجهاد الفاجر. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يقي هذا الدين بالرجل الفاجر». وهذا أيضا على القول بجواز، أو بأن ثواب القراءة يصل. فيقول: أن تعين القراءة بالثواب للميت، فيها أن أيضا القارئ ينتفع، وانتفاعه أنه يراجع الحفظ، أنه يراجع حفظ القرآن، فيقرأ ذلك المصحف ثم يهديه إلى أبيه، أو إلى أمه، أو إلى أحد من أهله، أو غير. قال: أبسط الكلام في الوقوف وشروطها، قد ذكر في موضع آخر. عن الوقوف: أي الوقف، متى يصح الوقف، ومتى لا يصح. قال: وليس هو المقصود هنا. فأما ذكر الله هناك، فلا يكره هناك. أي: معنى عند القبر، ذكر الله عند القبر لا يكره. لكن قصد البقعة للذكر هناك، بدعة مكروهة. يعني: لو قال الإنسان: أنا أريد أن أذكر الله عز وجل عند قبر فلان، لأنه رجل صالح، ولعل الله عز وجل يقبل أو يتقبل مني عملي، فسأذكر الله عند ذلك القبر. فهذا الاعتقاد يعتبر بدعة. ليس هناك ما يدل على أن الذكر أفضل عند القبر الفلاني، أو عند القبور. وإنما يسلم عليهم ويدعو لهم. يسلم عليهم ويدعو لهم. أما تعمد الذكر، وأن الذكر له خاصية عند هذا القبر، فهذا بدعة. وأما من يذكر الله عز وجل في القبور، هذا من باب ذكر الله، لا يقصد أنه لأنه في القبر أو عند القبر، وإنما يقصد ذكر الله جل وعلا. مثل ما يكون الإنسان في الجنازة وبين القبور، ويذكر الله، يقول: لا إله إلا الله، سبحان الله، الحمد لله. معنى: في نفسه، ليس أنه يرفع صوته بذلك. قال: فإنه نوع من اتخاذها عيدًا. أن إذا كان قصد البقعة للذكر. وكذلك قصد هذا الصيام عندها، خلال أن يكون اليوم سأذهب سأعتكف عند القبر الفلاني، أعتكف عند قبر العيدروس، أو أعتكف عند قبر المحضار، وسأصوم. أنا أتعبد الله عز وجل عند هذا القبر، ويظن أن هذا فيه فضل على غيره من الأماكن. قالوا: من رخص في القراءة، فإنه لا يرخص في اتخاذها عيدًا. نحن ليس هناك من العلماء من رخص في اتخاذ القبور عيدًا. حتى من رخص في القراءة كأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، فإنهم لم يرخصوا في فعل العبادات المحضة عند القبر. أقصد مثل الصيام وغيره. فإن هذا من اتخاذها عيدًا. قال: مثلا يجعل له وقت معلوم يعتاد فيه القراءة هناك. مثلا يقول: يجعل يوم الجمعة، يقول: يوم الجمعة يوم مبارك، سأذهب إلى القبور أقرأ القرآن عند القبر. فهذه يعتبر بدعة، لأنه خصص يوما للقراءة عند القبر. فهذا اتخاذه عيدًا. قال: ويجتمع عنده للقراءة ونحو ذلك. أيضا كذلك حتى الزيارة، إذا خصص الإنسان يوما يعتقد أن هذا اليوم فيه فضل في قراءة أو في زيارة الموتى، فإنه أيضا يكون من البدع. إلا إذا كان مثلا لا يجد فرصة إلا في ذلك اليوم، لا يجد فرصة إلا في ذلك اليوم. لكن بعضهم خلاص يتعود، مثلا يذهب يوم الجمعة الصباح إلى القبر، إلى قبر أبيه، فيعتاد كل جمعة صباح يأتي، وكأنه يريد أو يقصد شيئا، أن الجمعة أفضل. وأيضا يقول: سأزور أبي في هذا الوقت، فيعتاد أنه يزوره في صباح يوم الجمعة. فهذا من الخطأ. لكن من يفعله بدون تعمد ولا عن قصد، فهذا جائز. قال رحمه الله: فإنه لا يرخص في اتخاذ عيد. مثلا يجعل له وقت معلوم يعتاد فيه القراءة هناك، أو يجتمع عنده للقراءة ونحو ذلك. كما أن من يرخص في الذكر والدعاء هناك، لا يرخص في اتخاذه عيدًا، كذلك كما تقدم. قال: أذكر قديما كان عندنا قبر في المنطقة التي نحن فيها، كانوا يجتمعون كل أحد، في كل أحد يجتمعون عند ذلك القبر، يقرؤون سورة يس. وهكذا يوم السبت يذهبون إلى قبر آخر، ويوم الاثنين يذهبون إلى قبر آخر. فهذا أيضا من البدع التي يفعلها الناس. وليس هناك من العلماء، كما قال الشيخ، من يقول هذا، أن يخصص القراءة في وقت معين. بل هذا مما يجعل القبر عيدًا. قال: ويجتمع عنده القراءة نحو ذلك، كما أن من يرخص في الذكر والدعاء هناك، لا يرخص في اتخاذه عيدًا، كذلك كما تقدم. قال: وأما الذبح هناك، فمنهي عنه مطلقا. أما الذبح عند القبر، فهو منهي عنه مطلقا. سواء كان يعتقد أن هذا قرب للقبر، أو لا يعتقد. سواء كان يعتقد أن هذا الذبح قرب للقبر، أتقرب لهذا القبر، أو أنه لا يريد التقرب إلى القبر، وإنما يريد الذبح، لكن يتقصد ذبحه عند القبر الفلاني. فهذا أيضا منهي عنه. قال: لما روى أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا عقر في الإسلام». قال: «لا عقر في الإسلام». رواه أحمد وأبو داود. وزاد أبو داود: قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة، يعقرونها عند القبر، يذبحونها عند القبر، أي في الجاهلية. فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك العقر. قال أحمد في رواية المروزي، أو المروزي: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا عقر في الإسلام». كانوا إذا مات لهم ميت، نحروا جزورا على قبره، فنهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك. وكره أبو عبد الله أكل لحمه. نحن لا يجوز للإنسان أن يذبح هذا الذبح عند المقبرة أو عند القبور. فإن هذا من فعل أهل الجاهلية، وقد نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. قال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعل كثير من أهل زماننا من التصدق عند القبر بخبز أو نحوه. فهذه أنواع العبادات: البدنية، أو المالية، أو المركبة منهما. مركبة مثل الحج، الحج عبادة بدنية مالية، عبادة مركبة بدنية مالية. وأما المالية الخالصة، كالزكاة، والبدنية الخالصة، كالصلاة. وكذلك الصيام يعتبر من العبادات البدنية الخالصة. وأما الحج، فيعتبر من العبادات المركبة: بدنية ومالية. وهذا أيضا بدعة. يقول الشيخ: أن بعض، قال أصحابنا، أي بعض أصحابنا. وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا. ذكر بعض الحنابلة أن في زمانهم يفعلون هذا، يتصدقون عند القبر بخبز. يأتي هذا الشخص بخبزه إلى القبر، ويعلم أن هذا القبر يزوره الناس، فيتعمد التصدق عند القبر، يظن أن هذا أفضل، لأن هذا المكان يجتمع فيه الناس لأجل الزيارة، فيقوم يتصدق لهؤلاء الزائرين، أو لأحد هؤلاء الزائرين، بهذا الخبز، فيظن أن هذه الصدقة صحيحة، وأن صدقة لها فضل. وهي أيضا داخلة في هذا الفعل، وأنه قد يكون من العبادات، أو من العيد التي يتخذ بها القبر عيدًا، وهو منهي عنه. إن شاء الله نكتفي بهذا. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.