تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 17

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 17

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الافتتاحية والصلاة على النبي

استهل المتحدث الدرس بالحمد لله والصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، متبعين السنة في افتتاح المجالس العلمية.

استدلال السعدي بآية إتمام الحج والعمرة على سبعة أحكام

استعرض العلامة السعدي سبعة استدلالات من قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، شملت وجوب الحج والعمرة وإتمام أركانهما، ولزوم الإتمام حتى في النفل، والأمر بالإتقان والإخلاص، وبيان حكم المحصر بالذبح والحلق والتحلل.

أحكام الإحصار وحلق الرأس في الإحرام والفدية

شرح حكم المحصر الذي يمنعه العدو عن إتمام النسك مستشهداً بصلح الحديبية، وبيان بديل الهدي بالصيام، وتحريم حلق الرأس قبل وصول الهدي لمحلّه، مع استثناء من به أذى وجواز حلقه مع الفدية المخيرة بين صيام أو إطعام أو ذبح.

أحكام التمتع بالعمرة إلى الحج والهدي وبدله بالصيام

فسر آية التمتع بالعمرة إلى الحج، مبيناً وجوب الهدي على المتمتع شكراً لجمع النسكين، وتحديد صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة عند الرجوع لمن لم يجد هدياً، واختصاص هذا الحكم بأهل الآفاق دون أهل مكة، مختتماً بتقوى الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾. قال رحمه الله: يستدل بقوله ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ﴾ على أمور: أحدها: وجوب الحج والعمرة وفرضيتهما، وذلك إذا كان إتمام الحج والعمرة واجبًا دل ذلك على وجوب الحج والعمرة، كما دل على ذلك الأدلة الكثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، في قوله عز وجل: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾، ولما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: هل على النساء جهاد؟ فقال: «نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». الثاني: وجوب إتمامهما بأركانهما وواجباتهما التي قد دل عليها فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: «خذوا عني مناسككم»، لأنها لا يمكن أن تكون تامة وأن يؤديها العبد على وجهها الأكمل إلا بإتمام الشروط والأركان والواجبات، وإلا لكان قد خل بالقيام بهما، ولم يصح في حقه أنه أتمهما إذا أخل بشيء من الأركان والواجبات، فالأمر بالإتمام فيه الأمر بإقامة الأركان والواجبات. الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة، وهو الصحيح، أن العمرة واجبة لهذه الآية وغيرها من الأدلة، فالله عز وجل قال: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ﴾، إذا العمرة كذلك يجب إتمامها. الرابع: أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما ولو كان نفلا، يعني لا يختص وجوب الإتمام بما إذا كان فريضة، بل حتى لو كانتا نفلا، أو أن الإنسان حج حجة تطوع أو اعتمر عمرة تطوع، فيجب عليه أن يتمهما، حتى لو وقع في شيء من محظورات الإحرام، بل حتى لو فسد عليه الحج أو العمرة فإنه يلزمه الإتمام. الخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما. السادس: فيه الأمر بإخلاصهما لله تعالى. السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما، يعني لا يخرج أو ينقضي الحج والعمرة إلا بإتمامهما أو إكمالهما، قال: إلا من استثناء الله وهو الحصر، فلهذا قال: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾، أي منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما بمرض أو ضلالة أو عدو ونحو ذلك من أنواع الحصر الذي هو المنع، يعني إذا منعتم من الوصول إلى البيت لإقامة الحج أو العمرة، كعدو مثلاً منع من الوصول، أو مرض ما استطاع الإنسان أن يصل إلى البيت لإتمام الحج أو العمرة، أو نحو ذلك من العذار والموانع التي تمنع الإنسان من الوصول إلى بيت الله الحرام، ففي مثل هذه الحال قال الله جل وعلا: ﴿ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾، أي فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سبع بدنة أو سبع بقرة أو شاة، يذبحها المحصر ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما صدهم المشركون عام الحديبية، لما أرادوا أن يعتمروا فمنعهم المشركون وصدوهم من الوصول إلى البيت، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة بأن يتحللوا، فتأخر الصحابة رضوان الله عليهم رجاء أن يتغير هذا الأمر، حتى خرج النبي عليه الصلاة والسلام لما قال لأم سلمة: «ما لي آمر فلا أتبع؟» فأشارت إليه أن يبدأ هو فيتحلل، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام فحلق رأسه ونحر هديه، فلما رأوا ذلك قاموا رضي الله عنهم يحلق كل واحد منهما لأخيه وتحللوا. قال: فإن لم يجد الهدي فليصوم بدله عشرة أيام كما في المتمتع، ثم يحل كما في المتمتع، يعني إذا أحرم المحرم متمتعًا وليس معه هدي فإنه سيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فهكذا المحصر إذا أحصر ولم يكن معه هدي فإنه يصوم بدل الهدي، يصوم عشرة أيام. طيب، ثم قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾، قالوا: هذا من محظورات الإحرام، إزالة الشعر بحلق أو غيره لأن المعنى واحد من الرأس أو من البدن، لأن المقصود من ذلك حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته وهو موجود في بقية الشعر، وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر تقليم الأظفار بجامع الترفه، ويستمر المنع مما ذكره حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم النحر، والأفضل أن يكون الحلق بعد النحر كما تدل عليه الآية بأن ذكر جل وعلا أول النحر ثم ذكر الحلق. قالوا: يستدل بهذه الآية على أن المتمتع إذا ساق الهدي لم يتحلل من عمرته قبل يوم النحر، فإذا طاف وسعى للعمرة أحرم بالحج ولم يكن له إحلال بسبب سوق الهدي، لأنه يكون بذلك قارنًا، إذا ساق معه الهدي أصبح قارنًا فيبقى محرما بعد طواف وسعي العمرة حتى ينتهي من أعمال الحج. قالوا: وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك لما فيه من الذل والخضوع لله والانكسار له والتواضع الذي هو عين مصلحة العبد، وليس عليه في ذلك من ضرر، فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض ينتفع بحلق رأسه له، أو قروح أو قمل ونحو ذلك، فإنه يحل له أن يحلق رأسه، ولكن يكون عليه فدية من صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو نسك، ما يجزئ في الأضحية، فهو مخير كما في قصة كعب بن عجرة رضي الله عنه لما جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهه من كثرته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كنت أظن أن الجهد بلغ بك ما أرى»، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه وأن يفدي بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة، فهو مخير بين هذه الثلاثة. قال: والنسك أفضل، فالصدقة، فالصيام، ومثل هذا كل ما كان في معنى ذلك من تقليم الأظفار، أو تغطية الرأس، أو لبس المخيط، أو الطيب، فإنه يجوز عند الضرورة مع وجوب الفدية المذكورة، لأن القصد من الجميع إزالة ما به يترفى، يعني إذا حصل الإنسان حاجة وضرورة إلى فعل بعض المحظورات فإنه يفعلها ويفدي كما في حلق الرأس. ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾، أي بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج بأن توصل بها إليه وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها، ﴿ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾، أي فعليه ما تيسر من الهدي، وهو ما يجزي في الأضحية، وهذا دم نسك مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة، يعني الحج والعمرة، فلما تيسر له أن يعتمر وأن يحج في سفرة واحدة وجب عليه هذا الهدي شكرا لله جل وعلا، وإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة وقبل الشروع في الحج، ومثلها القران لحصول النسكين له، يعني كذلك القارن يجب عليه الهدي لحصول النسكين في سفرة واحدة، أي الحج والعمرة، ويدل مفهوم الآية على أن المفرد للحج ليس عليه هدي، المفرد الذي يأتي بالحج فقط من غير عمرة، فهذا لا يجب عليه الهدي، ودلت الآية على جواز بل فضيلة المتعة، وعلى جواز فعلها في أشهر الحج. ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾، فمن لم يجد أي الهدي أو ثمنه فصيام ثلاثة أيام في الحج، أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر، أيام رمي الجمار والمبيت بمنى، ولكن الأفضل منها أن يصوم السابع والثامن والتاسع، يعني يجوز أن يصوم الأيام التي عليه إذا كان لا يجد الهدي بعد أن يحرم، بعد الإحرام بالعمرة، يعني مثلاً اعتمر في شوال وليس معه هدي فله أن يصوم ثلاثة أيام في شوال بعد أن يعتمر، ويجوز أن يؤخرها في أيام النحر، يعني في أيام التشريق، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام التشريق إلا لمن لم يجد الهدي، قالوا: الأفضل أن يصوم السابع والثامن والتاسع، يعني من أيام ذي الحجة. ﴿ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾، أي فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة أو في الطريق وعند وصوله إلى أهله، يعني السبعة الباقية لتمام العشرة يجوز أن يصومها في مكة، أو يصومها في الطريق، أو في سفره، أو بعد أن يرجع إلى أهله. ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾، ذلك المذكور من وجوب الهدي على المتمتع لمن لم يكن أهله حاضر المسجد الحرام، بأن كان عنه مسافة قصر فأكثر، أو بعيدا عنه عرفا، فهذا الذي يجب عليه الهدي لحصول النسكين له في سفر واحد، وأما من كان أهله من حاضر المسجد الحرام فليس عليه هدي لعدم الموجب لذلك، يعني من كان مقيما في مكة فهذا لا يجب عليه الهدي، وإنما يجب على من كان في وصوله إلى البيت الحرام مسافة سفر. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾، واتقوا الله أي في جميع أموركم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومن ذلك امتثالكم لهذه المأمورات واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية، واعلموا أن الله شديد العقاب، أي لمن عصاه، وهذا هو الموجب للتقوى، فإن من خاف عقاب الله انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجى ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب ولم يرج الثواب اقتحم المحارم وتجرأ على ترك الواجبات. طيب، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.