الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 25، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المؤلف استدلاله بقوله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ على أن الإيمان قول وعمل، موضحاً أن المراد بالإيمان هنا الصلاة إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة. ويبين أن إطلاق اسم الكل على الجزء يدل على أهمية الصلاة ودخولها في حقيقة الإيمان، حيث تجمع أعمال القلب واللسان والجوارح.
يوضح المقطع أن الأعمال الظاهرة كالجهاد والصيام وقيام الليل تدخل في حقيقة الإيمان، مستنداً إلى أحاديث نبوية أوردها البخاري تحت أبواب "من الإيمان". ويعلل ذلك بأن الشارع سمى العمل إيماناً لكون الإيمان سبباً له، والعرب تسمي الشيء بسببه فيكون العمل جزءاً من مسمى الإيمان.
يستعرض المقطع أدلة من السنة النبوية كحديث شعب الإيمان وحديث الطهور شطر الإيمان لإثبات دخول الأعمال الظاهرة والباطنة في مسمى الإيمان. ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله، مما يؤكد أن الإيمان قول وعمل.
يؤكد المؤلف أن الأدلة على المسألة كثيرة وقد سبق ذكرها، مكتفياً بما أورده في هذا الموضع. ويختتم بتفويض العلم لله تعالى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فنازلنا في السؤال السابع والثلاثين، وهو ذكر أدلة كون الإيمان قولاً وعملاً. ذكر المؤلف رحمه الله بعض الأدلة، وإلا كما تقدم قد أوصلها بعض العلماء إلى ألف دليل تدل على أن الإيمان قولاً وعملاً، لكن المؤلف هنا ذكر بعضها اختصاراً. نعم. فذكر قول الله تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم﴾، وعرفنا وجه الشاهد من ذلك. وهكذا ذكر قول الله عز وجل: ﴿فآمنوا بالله ورسوله﴾، وعرفنا أيضاً وجه الشاهد من ذلك. ثم ذكر قوله سبحانه وتعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾. ووجه الشاهد من هذه الآية أن المراد بقوله في هذه الآية سبحانه وتعالى: ﴿إيمانكم﴾، المراد بالإيمان هاهنا الصلاة، وقد أطبق المفسرون على هذا التفسير، أن المراد بالإيمان في قوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أي: ليضيع صلاتكم، والمراد بها الصلاة إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة. فوجه الشاهد: إذا عرفنا هذا المعنى، وجه الشاهد من الآية أن الله عز وجل سمى الصلاة إيماناً، سمى الصلاة إيماناً، فهذا يدل دلالة واضحة على أن عمل الأركان، ومنها الصلاة، من الإيمان، فهي داخلة في حقيقة الإيمان. وهذه الآية فيها من إطلاق الكل على الجزء، فأطلق الله عز وجل لفظ الإيمان على الصلاة مع أن الصلاة جزء من الإيمان، وهذا أسلوب معلوم معروف في اللغة العربية، وهو إطلاق الكل ويراد به الجزء، والعلة البلاغية في ذلك بيان أهمية هذا الجزء، حيث أطلق عليه بأنه كل هذا الشيء الذي يدخل فيه. فكون أن الصلاة هي الإيمان، فهذا دليل على أهمية الصلاة. وهذا الأسلوب تجده كثيراً في أدلة الكتاب والسنة، فمن السنة مثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»، فأطلق الكل وهو الحج، نعم، أطلق الكل وهو الحج على أنه عرفة، لأن الوقوف بعرفة من أعظم وأهم أركان الحج. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة»، فحصر الدين في النصيحة، فأطلق الكل وأراد به الجزء، فهذا دليل كذلك على أهمية النصيحة في الدين. فهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، ووجه الشاهد من ذلك. ولذلك قال المؤلف هاهنا: قال يعني صلاتكم، ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، قال: يعني صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة. سمى الصلاة كلها إيماناً، وهي جامعة لعمل القلب واللسان والجوارح. الصلاة تشمل جميع أعمال الإيمان من أعمال القلب واللسان والجوارح. أما قوله: وهي جامعة لعمل القلب، أي الخشوع، فإن الخشوع في الصلاة من واجبات الصلاة، كما قال الله عز وجل: ﴿قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾، والخشوع: أين محله؟ محله القلب، فإذا خشع القلب خشعت الجوارح. وأيضاً في قوله: واللسان، الصلاة فيها من قراءة القرآن، فواجب بل ركن من أركان الصلاة أن تقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة من ركعات الصلاة، وهكذا ما فيها من التسبيح، ومن ذلك التحيات، ومن ذلك الدعاء، كل ذلك يكون باللسان. وأما قوله: والجوارح، فإن الصلاة فيها كثير من أعمال الجوارح كالتكبير، والقيام، والركوع، والسجود، والجلوس، كل هذه الأعمال من أعمال الجوارح. فإذا دلت هذه الآية على أن من حقيقة الإيمان الأعمال، وأن الإيمان من أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال الجوارح، لأن الله عز وجل سمى الصلاة إيماناً، هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية. ثم ذكر المؤلف في قوله: وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد، وقيام ليلة القدر، وصيام رمضان وقيامه، وقيامه، نعم وقيامه، وأداء الخمس، وغيرها من الإيمان. المؤلف في قوله هذا رحمه الله تعالى اتبع ما ذكره الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، فإن الإمام البخاري في كتاب الإيمان بوب أبواباً عدة على هذا النسق، فقال مثلاً: باب الجهاد من الإيمان، باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان، وهكذا غيرها مما ذكره المؤلف هاهنا. وأورد الإمام البخاري تحت هذه الأبواب دليلاً استنبط منه هذا المعنى، وهو أن هذه الأعمال داخلة في مسمى الإيمان. فمثلاً في باب الجهاد من الإيمان أورد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تكفل الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان به وبرسله، أن يرجعه بأجر وغنيمة، أو يدخله الجنة». هذا الذي ذكره الإمام البخاري تحت هذا الباب في صحيحه. ووجه الشاهد منه في قوله: «لا يخرجه إلا إيمان»، وقبل ذلك ذكر الخروج في سبيل الله، أي في الجهاد في سبيل الله. فوجه الشاهد من هذا الحديث: أنه لما كان سبب خروجه هو الإيمان، سمى الخروج إيماناً، تسمية للشيء بسببه، فإن العرب تسمي الشيء بسببه، فدل ذلك على أن الخروج في الجهاد في سبيل الله من الإيمان، والخروج أليس من الأعمال بالجوارح؟ فإذا دل ذلك على أن الأعمال تدخل في حقيقة الإيمان وفي مسمى الإيمان، هذا هو وجه الشاهد من ذلك. وأما قوله كذلك: وقيام ليلة القدر وصيام رمضان، هذا دل عليها حديث أبي هريرة في الصحيحين، وهذا ما بوب عليه كذلك الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». فهذا الحديث، وجه الدلالة منه: لما كان سبب الصيام الإيمان، سمى الصيام إيماناً، وكذلك قيام رمضان، وكذلك ليلة القدر سماها إيماناً: «من صام رمضان إيماناً»، إذن ما الذي دفعه لهذه العبادة التي هي من أعمال الجوارح؟ الإيمان. وهكذا ما الذي دفعه لقيام رمضان وهذه الصلاة التي هي من أعمال الجوارح؟ الإيمان. وهكذا ما الذي جعله يجد ويجتهد في إحياء ليلة القدر وفي قيامها؟ الإيمان. فدل ذلك على أن هذه الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، والأدلة على ذلك كثيرة. وأما قوله: وأداء الخمس، أورد الإمام البخاري تحت هذا الباب حديث وفد عبد القيس حينما وفدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «آمركم بالإيمان بالله وحده، آمركم بالإيمان بالله وحده»، فقالوا: وما الإيمان بالله؟ أو قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال عليه الصلاة والسلام: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا الخمس». هذا هو وجه الشاهد: وأن تؤدوا الخمس من المغنم، من المغنم. فإذا جعل من الإيمان بالله وحده هذه الأعمال، منها الشهادتان، وقد تقدم معنا في قوله: ﴿فآمنوا بالله ورسوله﴾، ومنها كذلك إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، ذكر كذلك أن تؤدوا الخمس من المغنم، فدل ذلك على أن جميع هذه الأعمال تدخل في مسمى الإيمان. وأما قوله: وسئل النبي صلى الله عليه وسلم، أو قوله: وغيرها، يعني غير هذه الأعمال من الإيمان، وهناك كذلك أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى، ومن أصرحها حديث أبي هريرة في الصحيحين، فجاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وستون شعبة»، وفي لفظ مسلم: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة»، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. فهذه الثلاث الأشياء التي ذكرت في هذا الحديث جمعت أعمال القلب واللسان والجوارح. أما أعمال القلب فقوله صلى الله عليه وسلم: «قول لا إله إلا الله»، فإذا قول لا إله إلا الله وهو من عمل اللسان من الإيمان فهو داخل في مسمى الإيمان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر شعب الإيمان. وهكذا هذا الحديث ذكر أعمال الجوارح، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «وإماطة الأذى عن الطريق»، وهذا من أعمال الجوارح، أن تجد شوكاً أو حجراً أو زجاجاً في طريق المسلمين فتأخذه بيدك وتبعده عن طريقهم، هذا من أعمال الجوارح، فدل ذلك على أن هذا العمل من الإيمان. وهكذا ذكر في هذا الحديث من أعمال القلوب، وهو الحياء، «والحياء شعبة من الإيمان»، فالحياء من أعمال القلوب. فإذا هذا الحديث أصرح ما يكون في أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان. ومثلها قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مالك الأشعري في صحيح مسلم: «الطهور شطر الإيمان». انظر، جعل الطهور وهو عمل التطهر، سواء كان من الحدث الأصغر أو من الحدث الأكبر، فهذا عمل، أن تقوم وتأخذ الماء وتغتسل من أعلى رأسك إلى أخمص قدميك وتعم جسدك بالماء، هذا من الأعمال الصالحة التي فيها من الأجر، ومن ذلك صحة الصلاة، وهكذا الوضوء من الطهور، فإذا هذا من الإيمان بصريح هذا الحديث، «والطهور شطر الإيمان»، أي نصف الإيمان. وهكذا غيرها من الأدلة. ومما ذكره هنا: لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ أي الأعمال أفضل؟ فماذا أجاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «إيمان بالله ورسوله، إيمان بالله ورسوله، إيمان بالله ورسوله». فهنا أجاب عن أفضل الأعمال بالإيمان بالله ورسوله، فدل ذلك على أن الإيمان بالله ورسوله من الإيمان. والقاعدة عند أهل العربية: أن السؤال معاد في الجواب، السؤال معاد في الجواب، بمعنى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الأعمال أفضل؟» سيكون الجواب: أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله، فالجواب يكون معاداً عند الإجابة، يكون معاداً، يكون معاداً عند الإجابة. لو سألت إنساناً مثلاً، قلت له على سبيل المثال: أي الكتب أحب إليك؟ أي الكتب أحب إليك؟ فسيكون الجواب: أحب الكتب إلي كتاب الله، مثلاً كتاب الله. إذن هنا أعدت السؤال عند إجابتك. وهكذا في هذا الموضع، قوله عليه الصلاة والسلام: «أي الأعمال أفضل؟» يكون الجواب: أفضل الأعمال... إذن هنا فيه ذكر الأعمال: إيمان بالله ورسوله، إيمان بالله ورسوله. والأدلة على ذلك كثيرة كما تقدم معنا، وحسبنا وحسب المؤلف ما ذكر في هذا الموضع، وبه نكتفي، وإلهنا الله، والله تعالى أعلم.