الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 119، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أن الهجرة الحقيقية هي التي تكون خالصة لوجه الله ورسوله، مستدلاً بالآية الكريمة وحديث «إنما الأعمال بالنيات». ويبين أن من هاجر لأسباب دنيوية فخروجه صحيح لكنه لا أجر فيه كأجر المهاجر لله، وإن جمع بين النيتين فلكل بحسب نيته.
يتحدث المقطع عن تعرض الشباب الملتزمين بالصلاة وإعفاء اللحية للمضايقة والتهديد والتعذيب، مما يضطرهم للهجرة حفاظًا على دينهم وتجارتهم. ويؤكد أن من خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم أدركه الموت فقد وقع أجره على الله وضُمن له ثواب الهجرة الكامل.
يبيّن المقطع أن من نوى الهجرة أو العمل الصالح وشرع فيه ثم مات أو قُتل قبل بلوغ مقصده، يكتب الله له أجره كاملاً بضمانه سبحانه. ويؤكد أن الله غفور رحيم يغفر تقصير المؤمنين ويرحمهم بتوفيقهم للإيمان والعمل الصالح.
يدعو الكاتب الله أن ييسر أسباب السعادة والفلاح، وأن يمنحهم من رحمته وكرمه ما لم يخطر على قلب بشر. ويختتم بالسؤال أن لا يحرمهم الله خيره، مع الشكر والثناء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وآله وصحبه، ومن والاه. قال: قال العلامة السعدي رحمه الله: قال: ثم قال: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. أي: قاصدًا ربه ورضاه ومحبته لرسوله ونصرة لدين الله، لا لغير ذلك من المقاصد. ولأن الهجرة التي أرادها الله عز وجل لا بد أن تكون خالصة لوجه الله، فإنه لو هاجر لأمر آخر فما يكون إلا لهذا الأمر، كما جاء في حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، وإن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». إذن له قصده هذا، وليس له من الأجر شيء. أي: ممن خرج لله ولرسوله. فلهذا قد يهاجر الإنسان من بلده لقصد التجارة، لأجل أن يتاجر في بلاد أخرى، وقد يكون أيضًا يهاجر.. قد يكون أحيانًا يخرج الرجل لأجل مثلاً ضغط يجده وضيق، أو من يضيق عليه سواء كان من الناس أو من الحكام، فنحيانا يخرج للظلم الذي يجده مثلاً، فيذهب إلى مكان آخر لأجل أن يتاجر، مثل ما حصل هنا عندنا أيام الحزب الاشتراكي الشيوعي، فكان بعض الناس وبعض التجار يخرج إلى اليمن الشمالي أو إلى غيره لأجل ما يجدون من ظلم ومن أخذ أموال التجار وغيرها بالباطل. فهذا خرج لأجل مصلحته، خرج لأجل ماله، ولو كان لأجل الظلم الذي كان عند أولئك فهو إنما خرج لأجل مصلحته، فيذهب إلى مكان آخر ويتاجر، فهذا خرج لدنيا. وليس معنى ذلك أنه مذموم أو أنه آثم، لا، فخروجه صحيح، لكن خروجه لأجل مصلحته فهو ليس له من أجر من يهاجر في سبيل الله. وأما من كان هاجر من تلك البلاد لأجل مصلحته فقط وليس لأجل دينه، فإنه قد هاجر لأجل ذلك. وإن جمع الأمرين معًا فلكل بحسبه. أنا أحيانًا كما قلنا يخرج الإنسان أولاً لأجل الكفر الذي يجده، وأنه لا يستطيع أن يؤدي شعائر الله ويؤدي دينه، حتى تجد الصلاة يضايقونهم فيها. أنه كان بعض هؤلاء أصحاب الحزب الاشتراكي وغيرهم كانوا حتى أحيانًا يضايقون الرجل في صلاة، إذا رأوا الرجل ملتحيًا وشابًا تجد لا يتركونه هكذا، لا بد أن يضايقوه ويهددوه، ويأتوه في الليل إلى بيته ويهددوه، أو يأخذوه ويعذبوه ويرجعوه. وهذا كله حاصل، وليس معنى أنه كذب، بعض الناس يقول: هذا كذب، لأنه لم يلقَ شيئًا من هذه الأمور، فهم لم يريدوه لأنه بعيد عن الدين أصلاً. لكن من يرونه يتمسك بالدين ويربي لحيته، وخاصة إذا كان شابًا، فإنهم يؤذونه، وغالبًا يأتون له في الليل. وهذا قد حصل للكثير من الإخوة الذين كانوا على السنة في ذلك الزمان. فلهذا قد يخرج الرجل لأجل هذا، مضايقته في دينه، وإضافة إلى أجل تجارته، أنه يكون عنده تجارة ولا يستطيع أن يتاجر في هذا المكان، فيخرج للأمرين معًا. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولكل امرئ ما نوى، ولكل امرئ ما نوى». فمن كانت نيته أنه يحفظ دينه أولاً فهذا يثاب على ذلك على هذه النية العظيمة. وأما من كان مثلاً هو أصلاً يريد أن يخرج لأجل تجارته ولم يفكر أنه يخرج لأجل دينه أو يجعل ذلك قربة، فهو على ما أراد. قال جل وعلا: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾. أي: بقتل أو غيره. ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾، إما أن يقتل أو يموت حتف أنفه، معناه: يموت بدون قتل، يميته الله. والقتل أيضًا مما أماته الله لكن بقتل، وهذا بغير قتل. ولهذا جاء في الحديث: «من مات في سبيل الله» من الشهداء الذين ذكرهم نبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما تعدون الشهيد؟» قالوا: من يقتل في سبيل الله. قال: «إذن شهداء أمتي قليل». ثم ذكر الغريق والهدم، وأيضًا كذلك الحريق الذي يحترق. ثم ذكر: «ومن مات في سبيل الله فهو شهيد». ومن مات في سبيل الله، أي: لم يمت بالقتل، قال: «فقد وقع أجره على الله». أي: فقد حصل له أجر المهاجر الذي أدرك مقصوده بضمان الله تعالى. يعني: إذا خرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ومات في الطريق، فقد وقع أجره على الله، أي: ما أراده مكتوب له، هذه الهجرة مكتوبة له ولو مات في الطريق، ولو قُتل. مثل ما ذكرنا في درس السيرة: أن زيد بن عمرو بن نفيل لما خرج من الشام وقد عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بُعث، فكان يسرع إلى مكة يريد أن يلقى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن قُتل في الطريق، قتله ناس في الطريق، فقد وقع أجره على الله. قال: فقد حصل له أجر المهاجر الذي أدرك مقصوده بضمان الله تعالى، وذلك لأنه نوى وجزم وحصل منه ابتداءً وشروعًا في العمل. ولهذا جاء حديث: «أن من ثلاثة ضامن على الله: الذي يخرج في الجهاد، والذي يخرج في حج بيت الله الحرام، والذي يخرج إلى مسجد من مساجد الله». هؤلاء ضمن الله عز وجل أجرهم، وإن قُتلوا وإن ماتوا، أن إذا مات في الطريق أو قُتل فأجره مكتوب عند الله. قال: فمن رحمة الله به وبأمثاله أن أعطاهم أجرهم كاملاً. وقد أعطى الله عز وجل وقبل توبة القاتل الذي قتل مئة نفر، قبل الله عز وجل توبته بنيته، وإلا فهو لم يصل إلى تلك الأرض التي قصدها ولم يعبد الله عز وجل معه، لكن بسبب نيته أعطاه الله عز وجل ورحمه، أعطاه الله عز وجل أجر توبته، وكذلك رحمه الله سبحانه وتعالى، وأخذته ملائكة الرحمة. قال: وبأمثاله أن أعطاهم أجرهم كاملاً ولو لم يكملوا العمل، وغفر لهم ما حصل منهم من التقصير في الهجرة وغيرها. ولهذا ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين، فقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. أي: بما حصل من التقصير منهم غفره الله عز وجل، ورحمهم الله سبحانه وتعالى. لأن بعض من لم يهاجر مكة وتأخر في هجرته قد لامه الله عز وجل أولاً في جلوسه في مكة وهو يستطيع أن يهاجر، ثم تأخر هجرته، فلما هاجر غفر الله عز وجل ما كان قبل من التقصير وجلوسه في مكة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾: يغفر للمؤمنين ما اقترفوه من الخطيئات، خصوصًا التائبين المنيبين إلى ربهم. رحيما بجميع الخلق، رحمة أوجدتهم وعافتهم ورزقتهم من المال والبنين والقوة وغير ذلك. رحيما بالمؤمنين حيث وفقهم للإيمان وعلمهم من العلم ما يحصل به الإيقان. هذا كله من رحمة الله جل وعلا عندما يوفق العبد إلى الإيمان والخير والعلم، فهذا خير عظيم، وأيضًا هو من رحمة الله عز وجل بهذا العبد. قال: ويسر لهم أسباب السعادة والفلاح، وما به يدركون غاية الأرباح، وسيرون من رحمته وكرمه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فنسأل الله أن لا يحرمنا خيره، بشرى ما عندنا. آمين. فاكتب هذا، والله تعالى شكرًا.