الخطبة بعنوان التحذير من منكرات الأعراس، ألقاها
تستعرض الخطبة فضائل الزواج العظيمة في الإسلام كحفظ الأنساب وتكثير الأمة ونشر العفة، مؤكدةً أنه نعمة تستوجب الصيانة بطاعة الله. ويحذر الخطيب بشدة من المنكرات المنتشرة في الأعراس، مركزاً على تحريم التصوير بجميع صوره مستدلاً بأحاديث لعن المصورين وطرد الملائكة من البيوت التي فيها صور.
يحذر الخطيب من انتشار الصور المحرمة في البيوت والمساجد مما يؤدي إلى طرد الملائكة واستدعاء الشياطين، ويندد بمظاهر الأذى المصاحبة للأعراس من إزعاج وألعاب نارية ورصاص حي يروع الآمنين. ويستدل بأحاديث نبوية تؤكد وجوب كف الأذى عن المسلمين وصيانة حرمة الجار.
يسرد الخطيب المخالفات الشرعية المنتشرة في الأفراح كإطلاق النار، وقلة الحياء في لباس النساء، والإسراف في المحرمات كالمعازف والألعاب النارية. ويؤكد مسؤولية المسلمين عن هذه المنكرات محذراً من نزول العقوبة العامة إذا لم تُنكر، داعياً إلى تطهير الأفراح منها.
يختتم الخطيب بدعاء جامع يسأل الله فيه إصلاح الدين الذي هو عصمة الأمر، وإصلاح الدنيا التي فيها المعاش، وإصلاح الآخرة التي إليها المعاد. ويجعل الحياة زيادة في الخير والموت راحة من كل شر، مختتماً بالصلاة على النبي وآله وصحبه والحمد لله رب العالمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول ربنا جل في علاه في محكم تنزيله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا معشر الشباب، يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». أيها المسلمون، عباد الله، لا يخفى علينا جميعاً ما جعل الإسلام في الزواج والنكاح من الفوائد العظيمة والمنافع العديدة. ففيه، يا عباد الله، حفظ الأنساب وصيانتها، وفيه كذلك تكاثر هذه الأمة وقوتها، ومباهاة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته سائر الأمم. وهكذا أيضاً فيه، يا عباد الله، انتشار الفضيلة والعفة، وهكذا البعد عن الرذيلة وعن انتشار الفواحش والمنكرات، فيقضي العبد شهوته وحاجته فيما شرع الله له وأباح، بل يكون له في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل ما الله به عليم، ما الله به عليم. وفوائد النكاح والزواج كثيرة وعديدة. إذا علمنا ذلك، يا عباد الله، علمنا أن الزواج والنكاح يعتبر نعمة عظيمة من النعم التي يمن بها ربنا جل وعلا بها على من شاء من خلقه، من خلقه وعبيده. والنعم، يا عباد الله، لا بد علينا أن نحافظ عليها، ولا بد علينا أن نصونها وأن نراعيها. وحفظها، يا عباد الله، يكون بشكرها وبطاعة الله عز وجل فيها، وبطاعة الله عز وجل فيها. وأما بالمعاصي وأما بالمخالفات، فإن ذلك يعتبر سبباً لزوالها ولذهاب بركتها. أيها المسلمون، عباد الله، إذا أردنا أن تكون زواجاتنا مباركة وميمونة، فيجب علينا أن نجتنب المخالفات، وأن نبتعد عن المحرمات التي شاعت وذاعت وعمت وطمت بها زواجاتنا وأفراحنا وأعراسنا. أيها المسلمون، عباد الله، لا خير فينا إن لم نتناصح، لا خير فينا إن لم يذكر بعضنا بعضاً بما يقع من المخالفات وما ينتشر من المحرمات. أيها المسلمون، عباد الله، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: لمن يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في حديث أبي سعيد عند الإمام مسلم رحمه الله: قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان، وذلك أضعف الإيمان». ولهذا، يا عباد الله، سيكون حديثنا في هذا المقام التذكير، بل والتحذير، من بعض هذه المخالفات وهذه المنكرات التي انتشرت في أفراحنا وفي زواجاتنا، وعمت بها البلوى، واشتدت بها الأذية. أيها المسلمون، عباد الله، فمن هذه المخالفات ومن هذه المحرمات التي انتشرت في أعراسنا - وفي لفظ: في أزواجنا - ما يتعلق بأمر التصوير، ما يتعلق بأمر التصوير بشتى وسائله وأنواعه وصوره. في الصحيحين من حديث ابن مسعود، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون». وفي الصحيحين من حديث أبي جحيفة، أن النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن المصورين، لعن المصورين». وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة». وفي الصحيحين كذلك من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم». وفي الصحيحين من حديث أبي طلحة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدخل الملائكة، لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة، بيتاً فيه كلب ولا صورة». ولهذا، أيها المسلمون، عباد الله، لما واعد جبريل عليه السلام نبينا صلى الله عليه وسلم أن يأتيه، فلم يأتِ جبريل، فهم ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، تأخر جبريل، فأخبره أن في البيت تمثالاً وصورة، وأن في البيت جرواً، فأمره أن يأمر برأس التمثال فيقطع حتى يكون كأصل الشجرة، وأن يأمر بالجرو فيخرج. فلما فعل ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، دخل جبريل عليه السلام، دخل جبريل عليه السلام. «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة». انظروا، يا عباد الله، إلى توجيه النبي صلى الله عليه وسلم، وانظروا إلى ما آل إليه حال كثير من بيوت المسلمين. كيف لو رأى نبينا صلى الله عليه وسلم بيوت كثير من المسلمين التي قد علقت فيها الصور؟ هذه صورة الأب، والأخرى صورة الجد، وبعدها صورة الأخ والابن. بل، يا عباد الله، امتلأت بيوت كثير من المسلمين بصور الممثلين والمغنين ولاعبي الكرة. لماذا، يا عباد الله؟ ألا نريد الملائكة أن تدخل بيوتنا؟ البيت، يا عباد الله، إذا لم يُعَمَّر بالملائكة، فقل لي بربك يا عبد الله: من الذي سيعمره غير الشياطين، غير الشياطين؟ ولهذا، يا عباد الله، كم يئن ويئن كثير من أولياء الأمور والآباء من أبنائهم. يأتي أحدهم فيقول: ابني لا يصلي. ويأتي آخر ويقول: ابني لا يهمه إلا أكل القات وشرب السجائر. ويأتي آخر ويقول: ابني لا يطيعني. وكم هي المشاكل التي تئن منها البيوت، ويشتكي منها أولياء الأمور. أنت، يا عبد الله، قد تكون سبباً في ذلك، يوم أن جعلت مانعاً من دخول ملائكة الرحمة إلى بيته، وأن يعمر هذا البيت الشياطين. أعاذنا الله وإياكم من شرها. وهكذا، أيها المسلمون، عباد الله، للأسف الشديد، حتى بيوت الله عز وجل لم تسلم من هذه المنكرات ومن هذه المخالفات. فما أن ينصب ويقوم عقد الزواج إلا وتنصب الكاميرات، وترتفع الجوالات لالتقاط الصور، لالتقاط الصور. بيوت الله عز وجل لها مكانة عظيمة في قلوب أهل الإيمان، يجب أن تصان، ويجب أن تحفظ، ويجب أن تعمر لا بالتصوير، وإنما بالذكر والتسبيح وتلاوة القرآن، وغيرها من العبادات التي يحبها ربنا عز وجل. وهكذا، يا عباد الله، مما يزيد المنكر منكراً: تصوير النساء، تصوير النساء وهن متجملات، وهن في أحسن المناظر وأجمل الصور، تلتقط لهن الصور، تلتقط لهن الصور، شعرن بذلك أو لم يشعرن، بقصد كان أو بغير قصد. ثم أين تذهب هذه الصور؟ أين تذهب هذه الصور؟ يتداولها الشباب في المملكة والخليج، يتداولها الشباب في صنعاء وعدن، وهكذا غيرها من البلاد، كما حصل ذلك في غير ما حادثة. بل لربما ترفع هذه الصور فتنشر على شبكات الإنترنت أو غير ذلك. من، يا عباد الله، يرضى لزوجته أو لابنته أو لأخته أو لأمه أن يكون لها ذلك؟ هذا كله، يا عباد الله، بسبب المخالفات، بسبب المخالفات التي لا تجد إنكاراً ولا تجد محاربة. أيها المسلمون، عباد الله، ومن هذه المنكرات أيضاً: صور الأذية ومظاهر الإزعاج والضرر التي قل ما يسلم منها زواج اليوم. يا عباد الله، ما أن يقام زواج في الحارة إلا وما يصدق الجيران أن ينتهي هذا الزواج. يقول قائلهم: اللهم سلم، سلم، اللهم سلم، سلم. كيف ستمضي علينا هذه الليالي؟ كيف ستمضي هذه الأيام؟ إزعاج شديد ليس فيه مراعاة لحرمة المسلمين. في الصحيحين من حديث أبي موسى، قال: قلت: يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده، من سلم المسلمون من لسانه ويده». الجيران يئنون، الجيران لا يستطيعون ينامون، الجيران يبكي أبناؤهم ويصيح عجائزهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره». أين الإكرام، يا عباد الله؟ ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه، من لا يأمن جاره بوائقه» يعني شروره. يا عباد الله، ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما زال جبريل، ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، حتى ظننت أنه سيورثه». وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم امرأة: صلاتها، صيامها، وعبادتها، غير أنها تؤذي جيرانها. قال: «هي في النار، هي في النار». أيها المسلمون، عباد الله، ألا تسمعون؟ ألا تشاهدون مظاهر الأذية؟ ألا تشاهدون ما يسمى اليوم بالألعاب النارية؟ هذه الصراقيح التي يتطور أمرها ويعظم ضررها يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام. اليوم تسمى صواريخ، ويسمى أنواع أخرى قنابل، لشدتها، يا عباد الله، ولعظم أذيتها وضررها، وإلى ساعات متأخرة من الليل: إلى الساعة الثانية عشر، بل وإلى الواحدة، بل وإلى الثانية، بل وإلى قبيل الفجر. وما زال الناس يزعجون ويؤذي بعضهم بعضاً. قل لي بربك، يا عبد الله: من يرحم هؤلاء الأطفال الرضع، وهؤلاء الشباب الركع، وهؤلاء الشيوخ الذين لا حول لهم ولا قوة إلا بالله العظيم؟ لماذا صاحب الزواج، ومن كان له يد في ذلك، لماذا لا يرحم إخوانه المسلمين؟ كما أنه يحب أن يفرح، ويحب أن يدخل السرور على نفسه، «فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، ما يحب لنفسه. كيف لو دعا عليك أحد من الناس في تلك الساعة المتأخرة من الليل، التي ينزل فيها رب العباد إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل حاجة فأقضيها؟ يرفع كفه إلى السماء فيدعو الله عز وجل أن ينتقم له ممن يؤذيه ويؤذي أناساً كثيرين. أيها المسلمون، لعل الله يستجيب لذلك المسكين، ولعل الله يستجيب لذلك الضعيف، فتنقلب الأفراح إلى أحزان، وينقلب السرور إلى ثبور. أيها المسلمون، عباد الله، وأعظم من ذلك وأشد: ما بدأ ينتشر ويشيع يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام، مما يتعلق بالرصاص الحي، الرصاص الحي الذي يجرح بل ويقتل، الذي يجرح بل ويقتل. لربما، يا عباد الله، إضافة إلى الإزعاج والأذية، لربما تطيش بعض الطلقات فتصادف صدراً أو رأساً أو بطناً فتخترقه، فيموت ذلك الإنسان. اليوم يحمل السلاح من لا يحسنه. لربما يعطى السلاح رجل، لربما يعطى السلاح رجل لا يحسنه، بل ومن شدة الخجل تسحب وتخط رجلاه الأرض، وتضرب إحداهما الأخرى من شدة الخجل، ثم يحمل السلاح ويخرج بعض الطلقات التي لربما حصل من جرائها ويلات عظيمة ومصائب كثيرة. وما عنا ببعيد ما يحصل في بعض المناطق المجاورة من قتل بسبب هذه الطلقات. أضف إلى هذا، يا عباد الله، كلنا يعلم ما يمر به بلدنا الحبيب من فتنة، ومن مصيبة عظيمة، ومن زعزعة للأمن. أفبعد هذا كله نفتح على أنفسنا الأبواب على مصراعيها، فتخرج هذه الطلقات، فما يدري الواحد: أهذه حرب مشتعلة أم أنه زواج وفرح؟ وهكذا قد يكون ذلك سبباً في تصفية الحسابات بيني وبين فلان شر، فأستغل إخراج هذه الطلقات، فلربما وجه بعضنا السلاح إلى بعض، مع ظلمة الليل والخفاء، فلا يُعلم من القاتل. أيها المسلمون، عباد الله، يجب علينا أن نحذر من هذه المخالفات، وأن نجتنب هذه المنكرات، إذا أردنا أن يبارك الله عز وجل لنا في أزواجنا وأفراحنا. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجنبنا ما يغضبه ويرضى يأبى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، ومن مظاهر الأذية والإزعاج والضرر التي انتشرت في زواجاتنا وأفراحنا: ما يتعلق بقلة الحياء وسوء الأدب الذي أصبح ظاهراً في كثير من الزواجات. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الحياء من الإيمان»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «إن الحياء لا يأتي إلا بخير»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «الحياء خير كله». وهكذا كان عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها. قال أبو سعيد: فإذا حصل أمر يكرهه، رأينا ذلك في وجهه عليه الصلاة والسلام. أيها المسلمون، عباد الله، اليوم من مظاهر قلة الحياء: ما يحصل، ولا سيما في أوساط النساء، أنهن يخرجن في ألبسة غير مشروعة، يخرجن في ألبسة ضيقة وألبسة تبدو من ورائها محاسنها وعوراتهن. أيها المسلمون، عباد الله، يحصل من وراء ذلك كثير من الفتنة. ولهذا يشتكي بعض الناس من أن ابنته أو بعض نسائه لربما تصرع في وسط الزواج، لربما أصابتها العيون وحسدنها بعض النساء، إلى غير ذلك. يا عباد الله، ولهذا يجب على كل من استرعاه الله على امرأة من هؤلاء النساء أن يحطها بنصحه، وأن يحذرها من هذه المخالفة ومن ذلك المنكر العظيم. وهكذا، يا عباد الله، خروج النساء في ساعات متأخرة من الليل فيما يسمى بالسرية، يخرجن بعد الواحدة، بل وبعد الثانية، يرقصن ويغنين ويمزحن ويلعبن في الشوارع وعلى الطرقات، ولا يراهن إلا السفهاء ومرضى القلوب وضعفاء النفوس. أيها المسلمون، عباد الله، كم يحصل من المفاسد من خروج النساء في هذه الساعات المتأخرة من الليل، وعلى هذه الحالات من الزينة والتجمل، ويشم رائحة طيبهن الرجال. كل ذلك، يا عباد الله، يعتبر من المحرمات العظيمة التي يجب علينا أن نطهر زواجاتنا وأفراحنا منها. وهكذا، أيها المسلمون، عباد الله، من هذه المظاهر: ما يتعلق بالإسراف والتبذير. اليوم، يا عباد الله، يئن الناس ويشكون من الغلاء، ومن قلة الأعمال، وهكذا من الفقر وقلة ذات اليد. لكن ما أن يقام الزواج إلا وترى النفقات الهائلة والأموال الطائلة التي تصرف في غير ما فائدة: مئات الآلاف، بل قد يصل إلى الملايين، تصرف في أمور محرمة. لا أقول أموراً مباحة، بل في أمور محرمة. سهرات الزواج التي تقام، وفيها من المحرمات ما الله به عليم: المعازف والأغاني والتصوير وغير ذلك من المحرمات، أصبح عند كثير من الناس أمراً ضرورياً لا يقام الزواج إلا بالسهرة. يستدعى ذلكم الرجل الذي يسمى بالفنان، ويصرف له لربما مائة ألف، أو مائتين، أو ثلاث، أو أكثر من ذلك، أو أقل. وهكذا غير ذلك من المصاريف الذي يتبع ذلك. أيها المسلمون، عباد الله، أليس المال نعمة، ونحن مسؤولون عنه ومحاسبون عليه بين يدي الله عز وجل؟ بلى، يا عباد الله، بلى، يا عباد الله. وهكذا، يا عباد الله، ما يتعلق باستئجار الباصات والسيارات في أوقات متأخرة من الليل، هذا مما لا حاجة إليه ولا نفع فيه، بل ربما، كما سمعتم، حصل من ورائه ضرر عظيم وفساد كبير. هذه الأموال، يا عباد الله، لماذا لا نستعملها في الخير، ولماذا لا نستغلها فيما ينفعنا وفيما يعيننا، لا سيما ونحن كما سمعتم نئن ونشتكي من قلة الأعمال وارتفاع الأسعار وقلة ذات اليد؟ هذه الألعاب النارية تصرف فيها المبالغ العظيمة الكثيرة، لربما وصلت هذه المبالغ إلى خمسين ألف، بل ولعل بعضهم من لربما يكلفه ذلك ما يقرب من المائة ألف. في ماذا، يا عباد الله؟ في أذية المسلمين، في إلحاق الضرر بالجيران والمرضى والصغار والكبار. هذه مصيبة عظيمة، يا عباد الله. وهكذا ما يتعلق بشراء العيارات والرصاص الناري. اليوم، لربما سعر الرصاصة الواحدة ما يربو ويزيد على المائتين أو الثلاثمائة، بل بعضه ما يزيد على ذلك. كم طلقات تستغرق في الزواج الواحد؟ لربما مائة، ولربما خمسين، ولربما أكثر من ذلك وأقل. أيها المسلمون، عباد الله، نحن مسؤولون عن هذا ومحاسبون على هذا بين يدي الله عز وجل. وكما سمعتم، لا خير فينا إذا لم ينصح بعضنا بعضاً، ولم يسعَ أو لم نسعَ إلى التغيير والإصلاح، وأن تكون مجتمعاتنا صافية خالية من هذه الأمراض ومن هذه الفتن ومن هذه المخالفات والمنكرات. النبي صلى الله عليه وسلم دخل على إحدى زوجاته يوماً فزعاً وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج كهاتين»، وحلق بين أصابعه الإبهام والتي تليها. قالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث، إذا كثر الخبث». بل يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، أي لا تصيبن أهل الظلم فقط، بل لربما إذا لم تجد إنكاراً، ودعاة المصلحين، وآمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، لربما إذا نزلت العقوبة عمت الصالح والطالح، والمحسن والمسيء، والمباشر لهذه المخالفة، ومن لم يكن مباشراً لها. فنسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، نسأله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل أزواجنا وأفراحنا خالية من المنكرات ومن المخالفات الشرعية. نسأله سبحانه أن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن يصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. اللهم واجعل الحياة زيادة لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين، والحمد لله رب العالمين.