أخطاء المصلين 61

أخطاء المصلين 61

الدرس في أخطاء المصلين 61، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تحريم كسر عظم الميت ونبش القبور وبيان حرمته

يُحرم كسر عظم المؤمن بعد موته كما يحرم كسره حياً استناداً للحديث النبوي، ويُنهى عن نبش القبور لما يؤدي إليه من تكسر العظام. وقد كره الأئمة الدفن في مواضع يكثر فيها النبش، وقرروا عدم جوازه إلا لسبب شرعي معتبر، محذرين من مشاريع المصالح العامة التي تنتهك حرمة المقابر.

تفريق الحكم بين تشريح المسلم والكافر واستثناءات النبش

اختص تحريم التشريح ونبش القبر بالمسلم لقيد "المؤمن" في الحديث، بينما أجاز العلماء ذلك في حق الكافر المشرك قياساً على فعل النبي ﷺ. ويُستثنى من تحريم نبش المسلم وجود ضرورة شرعية كإحقاق حق أو كشف جريمة تستدعي ذلك.

استثناء نبش القبر لإثبات القتل العمد وإقامة الحد

أجمع العلماء على جواز نبش القبر كاستثناء وحيد عند قيام قرائن قوية على أن الوفاة كانت قتلاً عمداً، وذلك لتمكين القضاء من إقامة الحد على الجاني. ويبقى الأصل في غير هذه الحالة التحريم المطلق لنبش القبور صيانة لحرمة الميت.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمن أخطاء الجنائز: كسر عظم المؤمن الميت، فإن كسر عظمه ميتا ككسره حيا، لما جاء عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن كسر عظم المؤمن ميتا مثل كسره حيا». إن كسر عظم المؤمن ميتا مثل كسره حيا. وهذا له صور، يقع كثير من المسلمين اليوم في أخطاء في هذا الباب، فمن ذلك: نبش قبر المسلم. نبش قبر المسلم، فإن هذا النبش لا شك أنه يعرض عظم المؤمن للكسر. ولذلك فإن بعض السلف كان يتحرج من أن يحفر له في مقبرة يكثر الدفن فيها، يكثر الدفن فيها. وقد أورد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه «الأم» أثرا، فقال: أخبرنا مالك بن هشام، أو أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: أي عروة بن الزبير: «ما أحب أن أدفن بالبقيع، لأن أدفن في غيره أحب إلي، إنما هو أحد رجلين: إما ظالم فلا أحب أن أكون في جواره، وإما صالح فلا أحب أن ينبش في عظامه». قال: «وإن أخرجت عظام ميت أحببت أن تعاد فتدفن». وهكذا يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: «لا يجوز نبش القبر لغير سبب شرعي باتفاق الأصحاب»، يعني أصحاب الإمام الشافعي. قال: «ويجوز بالأسباب الشرعية، كأن لم يكن للميت أثر من عظم وغيره». فتبين لنا من كلام أهل العلم خطورة ما يفعل في بعض المقابر، وفي بلادنا هذا خصوصا المقابر التي قد امتلأت بالقبور، ولا يكاد يوجد فيها متسع ولا لقبر واحد. فتسمع بين الفينة والأخرى أن الجنازة ستدفن في هذه المقبرة، كيف يفعلون؟ ينبشون القبور. وقد أخبرت من بعض من يحفر القبور أنهم يجدون عظاما في هذه القبور لقبور قديمة، وهذا لا يجوز، لأنهم يأخذونها وكذلك يكسرونها، وتتعرض للكسر ونحو ذلك. فهذا عين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلله الحمد والمن، يوجد من المقابر في بلادنا هذه ما فيه متسع، فينبغي أن يدفن في تلك المقابر التي لم تمتلأ بعد، فيقبر فيها. أما التي قد امتلأت، فهذا لا يكون فيها إلا النبش والحفر في قبور موجودة، فتظهر العظام والآثار، آثار الموتى، فتتعرض تلك العظام لأذى من كسر ونحوه. وكذلك من صور كسر عظم المؤمن الميت: ما يفعل في بعض البلاد من نبش القبور من أجل المصالح العامة، كشق الطرق، أو كذلك تحويل بعض أماكن المقابر إلى حدائق، أو إلى كذلك مساكن، أو نحو ذلك. فهذا أيضا لا يجوز أن تنبش القبور لأجل هذا، لا يجوز أن تنبش القبور لأجل هذا، لحرمة كسر عظم الميت. ولو وصلت المصلحة إلى ذلك، فأرض الله واسعة، فأرض الله واسعة. وكذلك من هذه الصور التي تدخل في النهي عن كسر عظم الميت: ما يسمى في الطب الحديث بالتشريح، تشريح الميت وكسر جثته، أو كذلك تشريح جثته للفحص، أو لإجراء بعض التجارب، أو نحو ذلك. فهذا في المؤمن لا يجوز، في المؤمن لا يجوز، لأنك كأنك تقطع جلده أو عظمه وهو حي، كما ورد في الحديث: «كسر عظم المؤمن ميتا ككسره حيا»، ككسره حيا. فهذا لا يجوز. قد يقول قائل: هذا فيه مصلحة، وهو تطور الطب، وكذلك التعليم ونحو ذلك. فيقال: وإن كان ولابد، فليكن ذلك في غير المؤمن. فلذلك استدل العلماء بهذا الحديث وبغيره على جواز كسر عظم الكافر، لأن في هذا الحديث جاء مقيدا بعظم المؤمن: «إن كسر عظم المؤمن ميتا»، فخرج بذلك عظم الكافر المشرك. فقال أهل العلم: لا بأس بذلك ولا حرمة له، بل حتى نبش قبور الكفار يجوز ذلك. ومما يدل على ذلك أيضا ما جاء في بناء مسجد النبي عليه الصلاة والسلام بالمدينة، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبني مسجده، أخبر أن في هذا الموضع قبور للمشركين، فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنبشها. استدل العلماء بذلك على جواز نبش قبور المشركين أو الكفار، فلا حرمة لهم في ذلك. فهذا، إن كان ولابد من ذلك التشريح ومن تلك التجارب، فلتكن على غير المسلم، فلتكن على غير المسلم. وأما قول الإمام النووي رحمه الله تعالى كما تقدم في كلامه: «لا يجوز نبش القبر لغير سبب شرعي»، فالأسباب الشرعية: مثلا، كأن يكون هناك مصلحة من إخراج جثته، كإحقاق حق، مثلا يراد أن يعرف من القاتل وما طريقة القتل، تحريات أمنية ونحو ذلك، فأجاز العلماء ذلك من أجل هذه المصلحة، من أجل هذه المصلحة. أو كذلك دُفن دون أن يعلم: أمقتول هو أم مات موتا طبيعيا، لوجود قرائن على أن موته كان عمدا أو نحو ذلك، حتى يقام الحد الشرعي على قاتله. فهذه استثناها العلماء لوجود تلك المصالح الكبرى في نبش قبره. وأما غير ذلك، فلا يجوز بأي حال من الأحوال، كما بين ذلك أهل العلم. فهذا ما يذكر في هذا المقام، ونكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر