التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 23

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 23

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بدء الوحي: الرؤيا الصادقة واختبار خديجة لجبريل

يتناول المقطع كيفيات بدء الوحي للنبي ﷺ من الرؤيا الصادقة وشق الصدر، ثم نزول جبريل في غار حراء، ويوضح اختبار خديجة رضي الله عنها للملك بوضع النبي في حجرها وإلقاء خمارها للتمييز بين الملك والشيطان، مع بيان ضعف أسانيد هذه الروايات وإرسالها.

أول القرآن نزولاً وصلاة النبي السرية

يسرد المقطع رواية نزول أول آيات سورة العلق في غار حراء، وصلاة النبي ﷺ سراً مع خديجة، ثم إسلام علي بن أبي طالب بعد تفكير ليلة، وإسلام زيد بن حارثة ملازم النبي، مع التنبيه إلى ضعف بعض أسانيد هذه الوقائع.

إسلام علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة: الرعاية والسبق

يوضح المقطع كفالة النبي ﷺ لعلي لتخفيف العبء عن أبي طالب، واختلاف الروايات في سبق علي أو أبي بكر للإسلام، وثبات أبي بكر الفوري، وقصة سماع النبي للصوت عند خروجه، وإسلام زيد بن حارثة المبكر، مع ذكر أن هذه الروايات مرسلة.

أول من أسلم من الرجال والنساء والصبيان والموالي

يختتم المقطع بتلخيص أول من دخل الإسلام من كل فئة: خديجة من النساء، وأبو بكر من الرجال، وعلي من الصبيان، وزيد بن حارثة من الموالي، رضي الله عنهم أجمعين، مع دعوة للاشتراك في القناة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال العلامة الذهبي رحمه الله: وقال موسى بن عقبة في مغازيه: كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما بلغنا أول ما رأى أن الله أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه، وذكرها لخديجة، فعصمها الله وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر. ثم أخبرها أنه رأى بطنه شُقَّ ثم ظُهر وغُسِل ثم وُعِيد كما كان، قالت: هذا والله خير، فأبشر. ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة، فأجلسه في مجلس كريم معجب. كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك»، الدرنوك: مثل الحمل هكذا الذي يحمل مثل الجنائز، فيه ياقوت واللؤلؤ، فبشره برسالة الله عز وجل حتى اطمئن. وهذا إسناد يعتبر معضلاً؛ لأن موسى بن عقبة يعتبر من صغار التابعين أو من أتباع التابعين، فالظاهر أنه يعتبر من أتباع التابعين، يروي دائماً عن نافع. قال: الذي فيها من شق بطنه، ويحتمل أن يكون خبرها بما تم له في صغر، ويحتمل أن يكون شُقَّ مرة أخرى، ثم شُقَّ مرة ثالثة حين عرج به إلى السماء. وسيأتي إن شاء الله تعالى أن الصحيح أن صدر النبي صلى الله عليه وسلم شُقَّ مرتين. وقال ابن بكير -أي يونس بن بكير- عن ابن إسحاق: فأنشد ورقة: «إن يك حقاً يا خديجة فاعلمي ... حديثك إيانا فأحمد مرسله وجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز فيها بتوبة ... ويشقى به العاني الغوي المضلل فسبحان من تهوى الرياح بأمره ... ومن هو في الأيام ما شاء يفعله ومن عرشه فوق السماوات كلها ... وأقضاه في خلقه لا يبدل» وهذا يعتبر معضلاً كذلك؛ لأن ابن إسحاق لم يدرك هذا. وقال ابن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي حكيم -وهو مدني، يرويه إسماعيل بن أبي حكيم مدني، أي من أهل المدينة، لكن هو من صغار التابعين- قال: أن خديجة قالت لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا ابن عم، إن استطعت أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك»، قال: نعم. قال: فلما جاءه قال: «يا خديجة، هذا جبريل، هل ترينه؟» قالت: «يا ابن عم، قم فاجلس على فخذي اليسرى»، فقام فجلس عليها، قالت: «هل تراه؟» قال: نعم. قالت: «فتحول، فقعد على فخذي اليمنى»، فتحول فقعد على فخذها، قالت: «هل تراه؟» قال: نعم. قالت: «فاجلس في حجري»، ففعل، قالت: «هل تراه؟» قال: نعم. فتحسرت، فألقت خمارها -ألقت خمارها عن شعرها ووجهها- ثم قالت: «هل تراه؟» قال: لا. قالت: «اثبت وأبشر، والله إنه لملك، وما هذا بشيطان». وهذا أيضاً مرسل، ليس مسنداً. وقال ابن إسحاق: وحدثت عبد الله بن حسن -عبد الله بن حسن الظاهر ابن محمد بن علي بن الحسين، وهو الذي قيل له: النفس الزكية- قال: وحدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث، فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث -فاطمة بنت حسين بن علي تحدث هذا الحديث عن خديجة، وهي لم تدركها- إلا أني سمعتها تقول: أدخلت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريل، فقالت: «إن هذا لملك، وما هو بشيطان». وهذا معنى يدل على أن الحديث له أصل، أن الحديث له أصل، لكن من الذي حدث به فلم يذكر. وقال أبو صالح -وهو عبد الله بن صالح المصري، مولى الليث بن سعد وكاتبه-: وقال أبو صالح: أخبرنا الليث -وفيه ضعف- قال: أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، قال: أخبرنا محمد بن عباد بن جعفر المخزومي أنه سمع بعض علمائهم يقول: كان أول ما أنزل الله على نبيه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، فقالوا: هذا صدرها الذي أنزل على رسول الله يوم حراء، ثم أنزل آخرها بعد ما شاء الله. وقوله: «سمع بعض علمائهم»، الظاهر من الصحابة؛ لأن محمد بن عباد يعتبر تابعياً. وهذا كله ذكره المؤلف رحمه الله في أول من أسلم، وكذلك في بداية البعثة. وقال ابن إسحاق: ابتدأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالتنزيل في رمضان. قال الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. والأول ما نزل في رمضان، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾. قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: قال: هَمَزَ جبريل بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت عين، فتوضأ جبريل ومحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم صلى ركعتين، ورجع وقد أقر الله عينه وقربت نفسه، فأخذ بيد خديجة حتى أتى بها العين، فتوضأت كما توضأ جبريل، ثم صلى ركعتين هو وخديجة. ثم كان هو وخديجة يصليان سراً. ثم إن علياً جاء بعد ذلك بيوم، فوجدهما يصليان، فقال علي: ما هذا يا محمد؟ فقال: «دين اصطفاه الله لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده وكفر باللات والعزى». فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاضي أمراً حتى أحدث به أبا طالب. وكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفضح عليه سره قبل أن يستعلن عليه أمره، فقال له: «يا علي، إن لم تسلم فاكتم». فمكث علي تلك الليلة، ثم أوقع الله في قلبه الإسلام، فأصبح فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبقي يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم إسلامه. وهذا كما قلنا أكثره لم يثبت، وإنما هي مراسيل أو معضلات. وهذا كله يريد أن يثبت من الذي أسلم أولاً: هل هو خديجة، أم علي، أم الصديق، أم زيد بن حارثة؟ لأن زيداً ما كان يترك النبي صلى الله عليه وسلم، كان دائماً ملازماً له، حتى يقال له: زيد بن محمد، وقد تبناه في الجاهلية. قال: وأسلم زيد بن حارثة، فمكث قريباً من شهر يختلف علي إلى رسول الله، وكان ما أنعم الله على علي أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل الإسلام، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم من أبي طالب، وهذا من باب الوفاء؛ أبو طالب ربى النبي عليه الصلاة والسلام، آثر أحد أبنائه بل جعله أفضل أبنائه، فلما كبر النبي صلى الله عليه وسلم ووجد أمه عنده أولاداً كثيرين، أخذ علياً ورباه، فتربى عند النبي عليه الصلاة والسلام في حجره. وقال سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق: قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح -وهو المكي، وهو ثقة إلا أنه مرسل- عن مجاهد، قال: أصابت قريش أزمة شديدة. مجاهد بن جبر المكي من أصحاب عبد الله بن عباس، فالحديث مرسل. أصابت قريش أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للعباس عمه وكان موسراً: «إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى، فانطلق لنخفف عنه من عياله». فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام علياً وضمه إليه، فلم يزل مع رسول الله حتى بعثه الله نبياً، فاتبعه علي وآمن به. وقال الدراوردي -وهو عبد العزيز بن محمد الدراوردي المدني، وقيل له دراوردي لأنه كان من خراساني، وكان لما جاء إلى المدينة إذا أراد أن يستأذن يقول: «أندَر» أي أدخل، فأحدثوا النون وزادوا الراء، فقالوا: دراوردي- قال: عن عمر بن عبد الله -وهو المدني- عن محمد بن كعب القرظي، قال: إن أول من أسلم خديجة، وأول رجلين أسلم: أبو بكر وعلي. وإن أبا بكر أول من أظهر الإسلام، وإن علياً كان يكتم الإسلام فرقاً من أبيه، حتى لقيه أبوه، فقال: أسلمت؟ قال: نعم. قال: آزر ابن عمك وانصره. وقال: أسلم علي قبل أبي بكر. وهذا ليس صحيحاً أيضاً كما قلنا، مرسل، محمد بن كعب يعتبر تابعياً. وقال يونس عن ابن إسحاق: قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين التميمي، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر، ما كتم عنه حين ذكرته، وما تردد فيه». وهذا أيضاً مرسل، لكن جاء ما يشهد له في الصحيحين في حديث أبي الدرداء، لما حصل خلاف بين أبي بكر وعمر، حتى جاء أبو بكر وذكر للنبي عليه الصلاة والسلام ما حصل بينه وبين عمر، وقال: «أنا أخطأت عليه». فمر أبو بكر إلى عمر، أراد أن يعتذر منه، فلم يقبل عمر، لم يقبل اعتذار الصديق، فذهب إلى النبي يخبره بذلك، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء عمر، فلما جاء عمر قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا أنتم تاركي لي صاحبي؟ قد جئتكم فقلتم: كذب، وقال أبو بكر: صدق». قد جئتكم وقلتم كذب -أي في بداية الأمر- وقال أبو بكر: صدق، وواساني بماله ونفسه، هل أنتم تاركي لي صاحبي؟ وقال إسرائيل عن ابن إسحاق -والظاهر إسرائيل عن محمد بن إسحاق، وإنما حصل خطأ لأن إسرائيل هو ابن أبي إسحاق، إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وأبو ميسر أيضاً كوفي، يروي عنه دائماً أبو إسحاق السبيعي- قال: إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسر -وهو عمر بن شرحبيل الكوفي الهمداني-: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا برز سمع من يناديه، إذا برز -إذا دخل مكاناً أو خرج إلى مكان متسع- سمع من يناديه: «يا محمد»، فإذا سمع الصوت انطلق هارباً، فأسر ذلك إلى أبي بكر، وكان نديمه له في الجاهلية. وخلاصة هذا المبحث -وأيضاً سينقل بقية الكلام الذهبي- لكن خلاصة أن أول من أسلم من النساء: خديجة، ومن الرجال: الصديق، ومن الصبيان: علي، ومن الموالي: زيد بن حارثة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. نكتفي بهذا والله أعلم. اشتركوا في القناة، شكراً شكراً