الدرس في أخطاء المصلين 65، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين المقطع أن حداد المرأة على غير زوجها لا يتجاوز ثلاث ليالٍ استناداً إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابيات، وأن الزيادة على ذلك مخالفة للسنة النبوية. وتطيب أم حبيبة وزينب بنت جحش بعد ثلاثة أيام يعد تطبيقاً عملياً لهذا الحكم الشرعي.
يؤكد المقطع وجوب امتثال المرأة المسلمة للحكم الشرعي بإنهاء الحداد بعد ثلاثة أيام، محذراً من تقديم العاطفة على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصدق محبة النبي يقتضي تقديم أمره على محبة الأقارب والأحبة.
يوضح المقطع الفرق الجوهري بين حداد الزوجة على زوجها الذي يستمر أربعة أشهر وعشرة أيام، وحداد غير الزوجة المحدود بثلاثة أيام. ويبين أن انقضاء المدة يستلزم نقض الحداد بالتزين والطيب امتثالاً للنهي النبوي.
يسرد المقطع سرعة امتثال الصحابيات لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بترك الطيب حتى تعمدن مسه لتجنب المخالفة. ويعكس هذا الموقف نموذج المرأة الصالحة التي تقدم محبة الرسول وطاعته على كل اعتبار.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فمن أخطاء الجنائز فيما يتعلق بحداد المرأة على ميت غير زوج فوق ثلاثة أيام، فإن بعض النساء تغلو في هذا الباب، فلربما يموت أبوها أو أخوها أو أحد من أقاربها غير زوج، فتحد عليه الشهر والشهرين، ولربما أكثر من ذلك، فلا تمس طيباً، ولا تتزين بحلي، ولا بثوب جميل، ولا بكحل، ولا بشيء من أنواع الزينة، وهذا مخالف لهدي نبينا عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في الصحيحين من حديث زينب بنت أبي سلمة رضي الله عنهما قالت: دخلت على أم حبيبة رضي الله تعالى عنها، أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه، فدعت بطيب، أي طلبت طيباً، فيه صفرة، خلوق أو غيره، فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، يعني تطيبت بهذا الخلوق، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، يعني لا تحتاج لهذا الطيب لعدم وجود زوج لها، وأيضاً لأنها أم المؤمنين فلا ينكحها أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تتطيب، فلذلك قالت: ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً». وقالت زينب بنت أبي سلمة: ودخلت على زينب بنت جحش، وهي أيضاً من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام رضي الله عنها، حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت: أما والله إني لست بحاجة إلى هذا الطيب، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وذكرت نحو حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عن أزواج رسول الله أجمعين. فانظر أختي المسلمة إلى امتثال الصحابيات لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعمدن مس الطيب من أجل أن لا يقعن في مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فينبغي للمرأة المسلمة أن تعرف هذا الحكم الشرعي، وأن إذا انقضت ثلاثة أيام من موت قريب لها أن تتزين بأي نوع من أنواع الزينة، سواء كان بكحل أو بعطر وطيب أو نحو ذلك مما ينقض حدادها. اليوم مثلاً بعض النساء كما ذكرنا تأتي كما يقال غبراً، وقد انقضى من موت قريب لها أيام فوق الثلاث، فيقال: لا، ما لك؟ هكذا تقول: ما جاءت نفسي أن أتزين. سبحان الله! وكيف زوجات النبي صلى الله عليه وسلم جاءت أنفسهن للتطيب؟ أأنت خير منهن؟ فهذا الأمر لا ينبغي أن تحكم فيه المرأة العاطفة، بل تحكم الشرع، طالما أن الشرع قد نهاها عن أن تزيد في الإحداد على الميت غير الزوج أكثر من ثلاث، تمتثل أمر الله. بل بعضهن لربما تتجاوز الشهر والشهرين، ولربما أكثر من ذلك، بحجة محبتها لهذا الميت. محبة من تقدمين؟ محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أم محبة هذا القريب لك؟ أيهما أعظم عندك في قلبك؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». أنت إذا قدمت أمر رسول الله على محبة هذا الميت القريب لك، هذا دليل على صدق محبتك، أما إذا خالفت هدي النبي صلى الله عليه وسلم بحجة أنك تحبين هذا الميت وله محبة ومنزلة في قلبك، فلذلك ما جاءت نفسك أن تتزيني محبة له، فأنت قدمت محبته على محبة رسولك عليه الصلاة والسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يقول كما في الصحيحين من حديث أنس: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». فدليل المحبة الاتباع، دليل المحبة للنبي عليه الصلاة والسلام اتباعه، ومن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة ألا تزيد في الإحداد على الميت غير زوج على ثلاث. والإحداد كما هو معلوم بالنسبة للزوجة، أجاز لها الشرع أن تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرة، كما في هذا الحديث، وكما في الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾. قالوا: الحكمة من ذلك أن الزوج يكون أكثر الناس محبة لهذه المرأة، فهو شريك حياتها، فلقلة صبرها وعدم تحملها أجاز لها الشرع أن تحد هذه الفترة أربعة أشهر وعشرة. أما في غير الزوج فكما سمعت في هذه الأحاديث لم يجز للمرأة إلا ثلاثة أيام. وليس معنى هذا أنها إذا انقضت الثلاث أيام تنقض العدة تماماً، لا، بل تنقضها بشيء من التزين، ولا تتشدد في هذا الباب. فهذا الحديث من فوائده للمرأة معنا، حديث أم حبيبة وحديث زينب بنت جحش، أنهن نقضن هذا الحداد بالتطيب، فلم يذكر الكحل، ولم يذكر الحلي، ولم يذكر غيره، فالمهم أن المرأة إذا انتهت الثلاث لا ينبغي أن تترك التزين ولو بشيء من أصنافه ومن أنواعه، هذا هو المراد بنقض الحداد بالنسبة للمرأة. بعض النساء مثلاً يموت لها قريب، وبعد ثلاث أيام وأربع أيام وخمس أيام يكون هناك زواج لإحدى أقربائها، فتمتنع عن التزين وعن نقش الحنة، فيقال لها: لم؟ قالت: لأن قريب لي مات قبل أسبوع، قبل عشرة أيام، وهي لا تزال حزينة عليه كما يقال، وفي الحداد، هذه عين المخالفة لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فينبغي للمرأة أن تنتبه لمثل هذه الأحكام، وأن تستجيب لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم. انظرنا إلى سرعة استجابة الصحابيات لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، ما لهن في الطيب من حاجة، ومع هذا تعمدن مس الطيب حتى لا يقعن في مخالفة نهي النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا ينبغي أن تكون المرأة الصالحة المحبة لرسولها عليه الصلاة والسلام. نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا.