الدرس في البذاءة حكمها ودوافعها وعلاجها 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل خطورة البذاءة وآثارها السلبية على الفرد والمجتمع، ويستدل بالأدلة الشرعية على تحريمها. كما يشير إلى أن البذاءة تدل على نقص الإيمان وتؤدي إلى النار.
يتحدث هذا الفصل عن أسباب ظاهرة البذاءة والمبررات التي يقدمها الناس لها، مثل كونها طبعًا أو نتيجة الانفعال، ويرد على هذه المبررات بأنها غير مقبولة شرعًا. كما يستدل بالأدلة الشرعية على خطورتها.
ينبه هذا الفصل على خطورة الاستماع للكلام البذيء واعتباره مشاركة في الإثم، ويحذر من استدعاء الأشخاص البذئين للاستماع لهم. كما يشير إلى أن المشاركة في الإثم تشمل المستمع والمحرض على الكلام البذيء.
يختتم هذا الفصل الدرس بدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. كما يُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذا المقام إخواني في الله، أحب أن أستغله وإياكم في الحديث عن ظاهرة من الظواهر المقيتة، ومن السلوكيات التي ينبغي أن يترفع عنها كل مسلم ومسلمة، ألا وهي ظاهرة البذاءة. ظاهرة البذاءة والبذاءة في الحقيقة تعتبر آفة من آفات اللسان، بحيث تجد أن الإنسان يتكلم بالكلام البذيء، وذلك مثلًا بذكر السوآت وذكر العورات، وما يكون في معنى ذلك من السب والشتم والطعن والغمز، بما يخدش الحياء وبما لا ينبغي أن يقال ولا تقبله الطباع السليمة من الأقوال. هذه البذاءة، إخواني في الله، وهذه الآفة من الآفات اللسانية المحرمة التي جاءت في حقها الأدلة الدالة على تحريمها وعلى تجريمها. فهي، أي ظاهرة البذاءة، دلالة على أن المسلم ليس بكامل الإيمان، إذ أنها ليست من صفات المؤمنين. قال عليه الصلاة والسلام: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»، هذا شاهدنا. فقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس المؤمن»، قال العلماء: أي ليس من صفات وأخلاق المؤمنين، أو ليس المؤمن أي ليس من المؤمن الكامل في إيمانه، منه الطعان الذي يقع في الأعراض، أو اللعان الذي يلعن ويكثر من اللعن، أو الفاحش وهو الذي يأتي بقبيح الأقوال والأفعال، أو البذيء وهو الذي نود أن نتحدث عنه في هذا المقام، البذيء الذي يأتي بألفاظ بذيئة، ألفاظ نابية تخدش بالحياء، هذا ليس من صفات المؤمن أبدًا. وأيضًا مما يدلل به على أن ظاهرة البذاءة من الأمور المحرمة أن الله عز وجل يبغض هذه الصفة، يبغضها، ويستدل بهذا بما جاء عند الإمام البيهقي من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن أثقل ما يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء». هذا يبغضه الله، البغض هو شدة الكره والمقت، لا يحبه الله، لا يحب منك ربك عز وجل أن تكون بذيئًا يا عبد الله في ألفاظك وفي عباراتك. ثالثًا، كذلك مما يدلل به على تحريم البذاءة أن هذا الخلق من الأخلاق ومن الصفات التي تجر صاحبها إلى النار. لا تستهين، لا تستهين يا أيها البذيء، يا من تصبح وتمسي وأنت على هذا الكلام من ذكر العورات والسوآت سبًا وشتما وضحكًا، لا تضحك، هذه المسألة تجرك إلى النار. قال عليه الصلاة والسلام: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاءة من الجفاء، والجفاء في النار». البذاءة من الجفاء، والجفاء في النار، أي أن مصير هذه الظاهرة إلى النار، إذن صاحبها الذي يبتل بها إن لم يتب منها فإنها ستجره إلى النار والعياذ بالله. فالشاهد إخواني في الله، من خلال هذه الأدلة، سأتعرف على هذه الظاهرة المقيتة التي للأسف نجد أن لها رواجًا عند كثير من الناس. وسأتناول في مقام آخر، إن شاء الله، في بيان أسباب هذه الظاهرة التي فشت عند بعض الناس، وهي ظاهرة البذاءة. أن تكون سليط اللسان، قذرًا في عباراتك وفي كلامك، هذه كما قلنا ليست من صفات المؤمنين، وأنها من الصفات التي يبغضها الله، وأنها تجر صاحبها إلى النار. من خلال هذه الأحكام الواضحة الجلية، ما يبقى عندك إلا حكم واحد وهو الابتعاد عن ظاهرة البذاءة، فلا تأتي بقول بذيء فترمي به أحدًا من الناس. وللأسف نجد أن من الناس من يسترسل في هذه الظاهرة تحت عدة مبررات. فمنهم مثلًا من يقول: يا أخي هذا طبعي، طبعي، يعني هذا نجده عند بعض الناس من لربما تربى، ترعرع، عاش في بعض المناطق، بعض الأماكن، بعض الأحياء، نعم، اعتاد أهله على تعاطي السب والشتم، حتى عند اللقاء إذا التقى باللعن، إذا تفرق باللعن، إذا تضاحك بالسب والقذف والعورات والسوآت، طبع أصبح طبعًا في كلامه، فيقول: أخي، أن هذا طبعي، هل هذا عذر؟ لا، هذا ليس بعذر، غير طبعك، غير هذا، ليس عذرًا عند الله عز وجل أن تقول لربك يوم القيامة: يا رب هذا طبعي. ومثل من كان يفعل معصية غيرها إلى طاعة. ومن الناس من لربما عذره في هذا المقام يقول: أنا والله نعم لست بهذا، لكن إذا انفعلت، إذا انفعلت ما استطعت أتمالك نفسي، فآتي بهذا الكلام الغليظ. يقول: ولو تفعلت، ولو انفعلت، ولو غضبت، ألم يقل نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب». لماذا لا تغضب؟ حتى لا تسترسل بأن تأتي بكلام لا تحمد عقباه، بل قال عليه الصلاة والسلام: «إذا غضب أحدكم فليسكت»، اسكت، مو أنك تسترسل فتأتي بالكلام الفاحش البذيء فتسب وتشتم وتأتي بألفاظ تخدش بالحياء، فليس هذا عذرًا. وعذر ثالث عند بعض الناس يقول: يا أخي أنا والله أنا آتي بهذا الكلام الذي تسمعونه مني، وإن كان غليظًا، غليظًا، لكن والله يخرج من طرف اللسان، من طرف اللسان، ما أريد منه شيء، ولا قلبي والله سليم. ولو حتى من طرف اللسان، ألا تأخذ يا عبد الله على ما تتلفظ به؟ ألم يقل ربنا عز وجل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «أمسك عليك لسانك». أمسك، تمسك يا عبد الله، لا تفرق لي ما بين ما في قلبي وما في جوفي وما في طرف لساني، الكل ستحاسب عليه. فحجة من يحتاج بأنه إذا أتى بالكلام البذيء فأنكر عليه يقول: يبتسم، يقول: لا والله هذا من طرف لساني، لا، لا تقول طرف لسانك. الإنسان يتكلم بالكلام الطيب، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ليصمت. هذا إخواني في الله مما أحب أن أنبه عليه، أحب أن أنبه على مسألة تتعلق بهذا الموضوع، ولابد من الإشارة إليها. هذا الإثم، إثم البذاءة، وهي آفة لسانية كما مر معنا، وتحريمها من الأمور الواضحة شرعًا. لا تظن أن تحريمها إنما يكمن في الذي يتلفظ فقط، لا، بل يصل التحريم إلى حق المستمع. وهذا لابد من الإشارة إليه. المستمع، بعض الناس لربما إذا جلس إلى بعض المجالس أخذ يبحث عن المجلس الذي فيه سفه، ينظر في هذا المجلس وفي ذاك المجلس وفي ذاك، ثم يقول: أو فلان يعرف أن ذاك المجلس فيه فضائح، وأن صاحبه لن يخلي ولن يبقي ويأتي بالكلام الغليظ الشديد، فيأتي ويجلس ويستمع ويستروح بهذا الكلام. ترى هل ترى أنك في منأى عن الإثم؟ أنت آثم، أنت عاص باستماعك، لأنك جئت وأنت تريد الاستماع، وهذا يدخل في شهادة الزور. وقد قال ربنا عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. هذا شهادة الزور، وأدخل العلماء في هذا الباب أن الإنسان يجلس في هذه المجالس لكي يستروح. فكونك يا عبد الله تختار هذه المجالس فقط للاستماع والتلذذ، أن تشارك في الإثم. وأعظم من هذا بالإثم أنه أن يستدعى أن يستدعى من هو بذيء. مثال: أنا في مجلس مع أصحابي ورفقتي، فنجد أن فلانًا من الناس مر، وأعرف أن هذا الشخص بذيء في كلامه، بذيء في لسانه، إذا جلس حمل المجلس سبًا وشتمًا وقذفًا وعورات وسوآت وفعل الكلام القبيح البذيء، فماذا؟ فأستدعي، تعال إلى فلان، تعال على حساب الشاي، اجلس، تعال، وأنا أعرف أني ما أريد منه إكرامه، لا والله، أنا أريد أن أستمع لما سيأتي به، وأعرف أنه إذا جلس أهلًا باللعان، يسد بالملاعين، ويأتي ونضحك ونتضاحك، هذا أشد، هذا أشد في الإثم. وأنا أنا الذي استدعيت فلانًا يجلس حتى أستمع، أسمع الحاضرين من هذا البذيء، أتحمل الإثم ومثله وأغلظ منه من يثير أن يثير إنسانًا لكي يستثيره لقول البذيء لقول البذاء. وهذا يوجد، تجد بعض الناس ممن يرى أنه محنك في معرفة نقاط ضعف إخوانه، وأعرف أن فلانًا من الناس بذيء إذا انفعل إذا أحد أثاره فانفعل يأتي بالسب الغليظ، إذن أبقى ماذا أبقى؟ أحفر، أدخل من موضوع إلى موضوع، من موضوع حتى أصل إلى الموضوع الذي أنا أريده فأثيره، فإذا استثار قام وسب وشتم ولعن ويضحكون وأنا ومن معي يقول: والله ما تكلمنا بالحرام، حاشا لله، فلان تكلم، من الذي أثاره؟ أنت، أنت الذي أثرته. ولهذا من كان مستمعًا لهذا الكلام فهو شريك في الإثم. فالشاهد إخواني في الله، مسألة البذاءة من الظواهر المشينة التي ينبغي أننا نحاربها في أنفسنا وفي غيرنا، سواء كان المحاربة من خلال عدم الكلام أو كذلك عدم الاستماع، كما أشرنا إلى هذه النقاط. بقي مسائل متعلقة بالبذاءة يرجى الحديث عنها بإذن الله في مجلس آخر. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.