البذاءة حكمها ودوافعها وعلاجها 2

البذاءة حكمها ودوافعها وعلاجها 2

الدرس في البذاءة حكمها ودوافعها وعلاجها 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أسباب البذاءة في الكلام وتأثير سوء التربية

يتناول هذا الفصل أسباب البذاءة في الكلام، حيث يشير إلى أن سوء التربية هو أحد الأسباب الرئيسية. يُوضح أن التربية السيئة منذ الصغر وعدم التوجيه يمكن أن يؤدي إلى ترسيخ هذه العادة السيئة.

تأثير الرفقة السيئة والجهل في البذاءة

يبرز هذا الفصل دور رفقة السوء والجهل في انتشار البذاءة، ويشير إلى تأثير الوالدين والرفقة السيئة في تغيير سلوك الفرد. كما يلقي الضوء على أهمية الصحبة الصالحة في الحفاظ على الأخلاق.

دوافع الوقوع في البذاءة ونتائجها

يذكر هذا الفصل أربعة دوافع للوقوع في البذاءة وهي الجهل بحكمها، سوء التربية، الرفقة السيئة، وإرضاء الناس على حساب سخط الله. هذه الدوافع تجعل الناس يتجرأون على البذاءة رغم عقوباتها.

ختام وتأكيد على أهمية الصلاة على النبي

يختتم هذا الفصل بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر التأكيد على الطاعة والاعتراف بعلم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس مضى، إخواني في الله، كانت الإشارة إلى مسلك من المسالك المنحرفة في علاقة بعض الناس في أقوالهم وعباراتهم، وهو ما يكون من تحليهم بصفة البذاءة. وأشرنا حينها إلى أن البذاءة هو أن يقوم الإنسان بذكر الكلمات البذيئة والعبارات القبيحة التي تجري على لسانه، وهي من العبارات التي تخدش الحياء ولا يستسيغها المرء، من ذكر السوآت والعورات. وأدخل العلماء كذلك من ذلك ما كان من السب والشتم. وأشرنا في درس مضى إلى ما يتعلق بحكم هذه المسألة، ولفتنا النظر كذلك إلى بعض التنبيهات، أن المستمع كذلك يدخل في النهي ويكون شريكًا في الإثم إذا كان يستروح بمثل هذه المجالس. في هذا المقام، إخواني في الله، واستكمالًا لهذا الموضوع، أحب أن أذكر مسألة مهمة، وهي: ما هي الدوافع أو قل ما هي الأسباب التي تؤدي بعض الناس إلى أن يكون بذيئًا في كلامه؟ ما الذي يجره إلى أن يكون قبيحًا في عباراته؟ وهذا المبحث، إخواني بالله، من المباحث المهمة، أنك تتبع في معرفة الأسباب والدوافع؛ لأن الإنسان إذا عرف ذلك استفاد فائدتين: الفائدة الأولى أنه يحذر من مكامن الشر، يحذر من مكامن الشر إذا علم أن هذا، وأن ذاك، وأن هذا من الدوافع والأسباب، حين يبتعد حتى لا يتأثر بها في المستقبل فيكون بذيئًا. وكما قال القائل: «تعلمت الشر لا للشر، ولكن لتوقيه، لتوقيه، ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه». فهذه من منافع معرفة الدوافع أنك تبتعد. والفائدة الثانية أن بمعرفتك الدوافع، وأن هذا السبب يوقعك في البذاءة، تستطيع أن تتتبع هذا المصدر وتلغيه وتمنعه من حياتك. وهذا مما نستفيد من هذا المبحث. رجل، رجل أصبح علمنا أنه بذيء، وأن من أسباب بذاءته السبب الفلاني، إذا ما الذي عليه؟ ارجع لهذا المصدر وحاول أن تزيله من حياتك حتى تكون سليمًا في ألفاظك وعباراتك. إذن، هذا المبحث من المباحث المهمة، وهي معرفة الدوافع. وحسبنا في هذا المقام الإشارة بإيجاز، كما اعتدنا في مثل هذه الأوقات، على أن أشير إلى بعض هذه الدوافع. الدافع الأول، أو قل السبب الأول، من أسباب بذاءة بعض الناس، ما يكون من سوء التربية. تجد أن إنسانًا لربما عاش وترعرع وهو من صغره يسمع من هنا ويسمع من هنا، فيتلقف ويأتي بالسب والشتم واللعن على مرأى ومسمع من والديه، لكنهما يغطان الطرف عنه، لا تهديد، لا منع، لا زجر، لا تحذير، تحت مظلة: صغير، غشيم، لا يعي ما يدري، بالمعنى، ما نشق عليه، لا نكلف عليه، ما في داعي أن نضغط عليه، إذا كبر سيعقل، إذا كبر سيترك. ولا يزال التسويف في هذه الأسرة على هذه التربية السيئة، وهذا الطفل يكبر وينشأ، وينشأ هذا الداء معه، يكبر ويستفحل فيه هذا الذي يظنه الوالدان بأنه سيذهب مع الكبر، لا بل سيثبت ويستقر، كلما تقادم الزمن يثبت. فإذا كبر الشاب على هذا السب، فإذا أراد أن يغير، صعب أن يتغير، وهو قد بلغ من السن عتيًا، ما سيغير. ولهذا من تتبع إلى بعض هؤلاء ممن قد تلطخت ألسنتهم بالبذاء، تجد أن منشأ البذاء من سوء التربية، ما علم، ما ربي، ما نهي، ما زجر. فهذا من أسباب البذاء عند بعض الناس، سوء تربيته. ومما يدخل في هذا الباب من سوء التربية، وهو أعظم، أن يكون المتسبب في تعليم هذا الناشئ أو هذا الإنسان، أن يكون السبب في تعليمه البذاء هم أحد والديه. هنا البلية، هنا البلية، تجد أن الأب -وهذا الأكثر والأغلب- أو الأم أحيانًا، عندهم بذاء في اللسان، «تعال يا فلان بالسب الغليظ، تعال يا فلان بالسب الشديد والقذف المنتن»، حتى قد علمنا أن بعض الآباء لربما يأتي بذكر الفاحشة والجماع عند أولاده، من غير حياء، من غير حياء. قل لي بربك، إذا كان الطفل والناشئة يسمع من أبيه هذه الكلمات، والأطفال والأولاد قد علقوا أعينهم على والديهم؛ لأنهم القدوة والأسوة، فيأتي بأقواله وبأفعاله، فيشب الناشئ على ما يرى من والديه. وهذا من سوء التربية. «وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما عوده عليه أبوه»، فالشاهد إخواني في الله، أن من الدوافع -كما ذكرنا في هذا الأمر الأول- ما يكون من سوء التربية، إما أن الإنسان يقبر وينمو دون إنكار من أهله وقرابته، أو أنه يتلقف هذا الداء من والديه، ومن أحدهما، أو من إخوانه. والسبب أو الدافع الثاني من دوافع أن الإنسان يستمر البذاء في أقواله وألفاظه، ما يكون من الرفقة السيئة. لربما كان إنسان ما على خير حال وعلى أحسن منوال في ألفاظه وعباراته، مؤدب مهذب، فتجد فترة من الزمن أن الألفاظ تتغير على لسانه، يأتي بالسب، يأتي بالشتم، يأتي بالذكر القبيح. فإذا أردت أن تتبين السبب، وجدت أن المنتهى أنه تعرف على فلان وفلان، على فرقة فاسدة ماجنة فاجرة، لا ترعوي عن فعل القبيح ولا عن القول القبيح. فصاحبنا أخذ وتلقف من أصحابه، من رفقته. وكما قيل: «الصاحب ساحب، الصاحب ساحب»، فهذا الصاحب سحب هذا الرجل الذي كان بالأمس مؤدبًا مهذبًا، أصبح الآن فاحشًا بذيئًا. والصحبة تؤثر وتؤثر بشدة. وقد جاءت الأحاديث المنهية عن هذا الباب، كما قال عليه الصلاة والسلام: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». شاهدوا نافخ الكير، هذا الرفيق السيء، ما الذي يفعل؟ رفيق السوء نافخ الكير، إما أنه يحرق ثيابك -أي من جالسه أحرق ثيابه- أو أنك على أقل تقدير تجد منه ريحًا خبيثة، هذا أقل تقدير، فإنك لن تسلم من ضرره ولن تنجو من شره. فالذي يصاحب أهل البذاء سيكون بذيئًا، وأنت تصبح وتمسي في مجالسهم العامة والخاصة، في الصباح والمساء والليل والنهار، وهم يأتون بهذا السب الغليظ، حتى أصبح الأمر عندك روتيني. فلو ربما تأتي إلى بيتك فينبهر أهلك إذا غضبت، جئت بهذا السب، يل، يل، يأتون من أين جئت بهذا الكلام؟ ما الذي يعلمك؟ فهو قد لا يعترف، لكن الرفقة، الرفقة. لهذا قال القائل: «إذا ما صاحبت القوم فاصحب خيارهم، ولا تصاحب الأردى فتردى مع الردي، الردي يرديك، ولكن إذا أردت العلو فصاحب أهل الهمم العالية، إذا ما صاحبت القوم فاصحب خيارهم». الدافع الثالث، إخواني في الله، من دوافع أن يقع الإنسان في البذاء والفحش في القول وألفاظه، ما يكون من أمر الجهل، الجهل بما هو واقع فيه. وهذا من أكثر أسباب وقوع الناس في هذا المرض العضال. تجد أن بعض الناس نعم يسب ويشتم ويلعن ويأتي بألفاظ السوءات والعورات في المجالس، فإذا نصح: «اتق الله»، تجد أن هذا الرجل يرى أن الكلام يعني ما يحتاج هذا الإنكار، ما يحتاج هذا الغضب والزمجرة، وأن حسبه إن وقع فيه شيء من جنس المكروهات، والأمر ما يستحق هذا الإنكار. وهذا الذي أورده جهله، لو أن الإنسان علم بالشرور التي يقع فيها من جراء بذاءة لسانه، لما تجرأ على هذا المقام. مر معنا في الدرس الذي تكلمنا فيه -الدرس الأول- حول حكم البذاءة، علمنا أن البذاءة ليست من صفات أهل الإيمان، «ليس المؤمن بالطاعن ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». علمنا أن من حكم البذاءة والحكم المؤبد أن الله يبغضه، «إن الله يبغض الفاحش، إن الله يبغض كل فاحش بذيء، يبغضه الله». وعلمنا أن البذاءة من أعمال أهل النار، قال عليه الصلاة والسلام: «والبذاءة من الجفاء، والجفاء في النار». هذا الإنسان لو أنه عقل هذه العقوبات المترتبة على بذاءة لسانه لما تجرأ، لكن جهله، جهله. حتى أن من الناس إذا أنكر عليه لربما قال: «أخي، أمر عادي، أنا والله، والله يعلم، الله قد يشهد الله على كلامه، والله أنا ما أقول إلا بطرف لساني، أنا والله بطرف لساني، وأنا والله قلبي ما هو مشغول بالشهوات ولا بالنزوات ولا هذا الكلام الفاضي، لكنها شيء من طرف اللسان». ولو يا عبد الله من طرف اللسان أما تحاسب على كل كلمة، على كل لفظة، على كل ما تنطق به؟ «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد»، الجواب: نعم محاسب. لكن كما قلنا: مما أوقع الناس في هذا المقام الجهل. ولهذا ينبغي أن يتربى هؤلاء أولًا على العلم، يعلم على أن هذه من المسائل العظيمة، من آفات اللسان العظام. رابعًا وأخيرًا، إخواني في الله، مما أذكره من دوافع وقوع الناس في البذاء، ما يقوم به بعض الناس لاستجلاب رضا الناس. ما يقوم به بعض الناس من استجلاب رضا الناس بفتح هذا المجال، مجال البذاء. بعض الناس يعرف أن المجالس الشبابية -كما يقال- الشبابية على الأرصفة والدكاكين، والشلة الفلانية والشلة الفلانية، والجماعة الفلانية، وهذه التجمعات الكثيرة في المترامية الأطراف في الشوارع والطرقات، هذه يرى بعض الناس أن هذه تحب هذا الصنف من الناس، من هو البذيء يحبونه، قد لا يقدمونهم مقامهم، أنسابهم، مهنتهم، وضعهم الاجتماعي، ما عليهم من السن والعمر، ما يتيح لهم أن تصدر هذه الكلمات المعيبة. لهذا هم يريدون غيرهم أن يكفيهم هذا الباب، فبعض الناس يقول: «أنا لها»، فيأتي المجلس إذا جلس، أراد أن الناس يأتون إليه، وأراد أن الناس يشيرون إليه بالبنان، فيقول: «يلا قم يا فلان»، ويأتي ويبدأ بالسب، بالسب الثاني، ويريد الناس يضحكون، يضحك الناس، جلب قلوب الناس، أن يرضي الناس، أن يجمع الناس. لكن يرضي الناس على حساب سخط الله، يرضي الناس على حساب سخط الله، فلا يزال يأتي بهذه السباب. وقد رأينا -والله- رأينا -والله- أن بعض التجمعات تزدحم، لماذا؟ قالوا: والله جلسوا عند فلان، إيش مع فلان؟ إيش مع فلان؟ قالوا: فلان -الله المستعان- يأتي بقصص، لكن بأشياء غليظة، فعلوا، تركوا أشياء يستحيا من ذكرها، وكنه لا حياء، ما عنده حياء، فيأتي والناس يحبون، فيجتمعون، فهو الذي يشجعه على الاستمرار رضا الناس، وهذا هو دافعه، وهذا سببه، لكن باء بالخسران. نعم، جلب لنفسه رضا الناس، لكنه بالمقابل جلب على نفسه سخط رب الناس، والعياذ بالله. فهذه أربع دوافع، وهي من أعظم الأسباب التي تودي ببعض الناس إلى أن يسلك هذا الباب، وهي باب البذاءة في اللسان، منها ما يكون من سوء التربية، ومنها ما يكون من الرفقة السيئة، ومنها ما يكون من إرضاء الناس، وهكذا كما ذكرنا، منها ما يكون من الجهل بحكم هذا الباب. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.