الدرس في باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن قبول العمل مشروط بالإخلاص لله والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، مستدلاً بحديث «إنما الأعمال بالنيات» للأعمال الباطنة وحديث عائشة للأعمال الظاهرة. ويرد على من يبررون بدعة المولد بحسن النية، موضحاً أن النية وحدها لا تكفي دون متابعة الشرع، وأن هذه البدعة من وضع الفاطميين الباطنية.
يشرح المقطع حديث الهجرة مبيناً أن الهجرة الشرعية هي الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام لإقامة الدين، وأن ثمرتها تختلف باختلاف نية المهاجر. ويضرب مثال الصدقة لتأكيد قاعدة «إنما الأعمال بالنيات» وأن كل عامل يُجزى بحسب نيته.
يوضح المقطع أن الأجر على أعمال الجهاد والهجرة يتوقف على نية العامل، فمن فعل ذلك لله ورسوله نال الأجر الكامل، ومن فعل لغرض دنيوي انحصر أجره في ذلك الغرض. ويبين أن إيجاز النبي في قوله «فهجرته إلى ما هاجر إليه» إما للاختصار أو لاحتقار النية الفاسدة.
أشار الشيخ إلى أن تفصيل أقسام الهجرة سيُذكر في درس قادم، ثم ختم الجلسة لضيق الوقت مع التوكيل لله تعالى.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فما زلنا في شرح الحديث الأول في باب الإخلاص وإحضار النية، وهو حديث عمر بن الخطاب: «إنما الأعمال بالنيات». وقد أخذنا الجزء الأول منه بقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وذكرنا أن هذا الحديث هو ميزان للأعمال الباطنة، كما أن حديث عائشة: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ميزان للأعمال الظاهرة. فهذان الحديثان يجمعان الدين كله، فلا يقبل العمل إلا بالإخلاص والمتابعة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا يكفي الإخلاص وحده دون متابعة، ولا يكفي المتابعة وحدها دون إخلاص. وهذا فيه رد على بعض الناس الذين يبررون لأهل البدع بأن نيتهم طيبة. يقولون: هؤلاء مثلا يعملون المولد، وفي هذا الشهر خصوصا، وفي هذه الليلة على وجه الخصوص، وهي ليلة الثاني عشر من ربيع الأول في ميلاد النبي عليه الصلاة والسلام، فيحتفل كثير من هؤلاء في المساجد وفي غيرها بعمل المولد. فإذا قيل لهم: هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، قالوا: نحن نيتنا طيبة، نحن اجتمعنا من أجل ذكر الله، نحن اجتمعنا من أجل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا الكلام ليس بصحيح، ليس بصحيح؛ لأن النية الطيبة وحدها لا تكفي في صحة العمل، لا تكفي في صحة العمل، لا بد أن ينضم إليها شرط المتابعة، شرط المتابعة. فإذا سألت هؤلاء: هل فعل ذلك الصحابة؟ هل فعل ذلك الأئمة الأربعة؟ هل فعل ذلك من اتبع سلفنا الصالح؟ فالجواب: لا. إذن أنت في شق من؟ كن في شق الصحابة، وفي شق الأئمة، وفي شق التابعين لهم بإحسان، ولا تكون في شق غيرهم. فإن أول من ابتدع هذه البدعة هم الفاطميون الباطنية، فأنت في شقهم. فكن في شق خيار الناس، ولا تكون في شق شرار الناس. فالأمر واضح وبين، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ والله المستعان. يقول الشيخ العثيمين عليه رحمة الله في قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». هذا مثال ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا، يعني في ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من النية وما يتبع ذلك من قصد صاحبها. فقوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله»، الهجرة عمل صالح جليل، وهو أن ينتقل الإنسان من دار الكفر إلى دار الإسلام. إنسان في بلاد الكفر، فمن الله عليه بالإسلام، فلم يستطع إقامة دينه وإظهار شعائر الإسلام، فيجب عليه حينئذ أن يهاجر إلى بلد مسلم يستطيع أن يظهر فيها دينه. فهذه هي الهجرة: ينتقل من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. فإذا هاجر الناس، فلربما اختلفت نياتهم، اختلفت نياتهم في هذه الهجرة. فمنهم من يهاجر ويدع بلده إلى الله ورسوله، يعني إلى شريعة الله التي شرعها الله على لسان رسوله، يهاجر من أجل دينه، من أجل العمل بالإسلام، من أجل إظهار دينه. فهذه النية لا شك أنه ينال بها الخير العظيم، وينال مقصوده من ذلك. ولذلك قال: «فهجرته إلى الله ورسوله»، أي فقد أدرك ما نوى. هذا كمثال: «إنما الأعمال بالنيات». هذا هاجر، ماذا نيته؟ نيته الإسلام والعمل به وإقامة شريعة الله عز وجل. هذه نية طيبة، هذه نية طيبة. «إنما الأعمال، وإنما لكل امرئ ما نوى». فجزاء هذا المهاجر خير وأجر وفضل من الله سبحانه وتعالى. فهذه هي نتيجة النية الطيبة. هذا كمثال، وقس على ذلك: دعا إنسان إلى الصدقة، فقام مئة شخص يتصدقون، فينالون من الأجر بحسب نياتهم، بحسب نياتهم. فذاك تصدق رجاء الأجر من الله، يريد بهذه الصدقة أن ينفع أخاه وأن يفك كربته، والآخر تصدق من أجل أن يقال: جواد أو كريم. فكل واحد ينال أجر نيته، ينال أجر نيته، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهذا كمثال، قس على ذلك الجهاد: دعا ونادى منادي الجهاد: «يا خيل الله اركبي»، فانطلق الناس، فتختلف النيات. هذا ذهب من أجل أن يحمي بلاد الإسلام من الكفرة، من أجل أن ينتصر الإسلام، من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا. وذاك الآخر ذهب للجهاد من أجل أن يقال: شجاع، أو من أجل أن ينال غنيمة، أو راتبا شهريا في السعود أو نحو ذلك. فهذا على حسب نيته، وقس على هذا. فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الهجرة كمثال لعظم هذا العمل الصالح. فمن كانت هجرته طيبة، هاجر إلى الله ورسوله، «فهجرته إلى الله ورسول»، يعني ينال أجر الهجرة. ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكح، هنا النية السيئة، النية السيئة: هاجر من أجل مقصد وغرض دنيوي، هاجر لدنيا يصيبها. سمع مثلا أن في بلاد الإسلام التجار طيبة والربح كثير، فهاجر من بلاد الكفر إلى هذا البلد المسلم من أجل أن يربح ومن أجل أن يكسب المال. هذا هاجر لدنيا يصيبها. نعم، أو هاجر من أجل امرأة ينكحها، سمع أن هناك امرأة جميلة حسنة في بلد مسلم، فهاجر من أجل أن يتزوج هذه المرأة، فهو على حسب نيته: «فهجرته إلى ما هاجر إليه». وانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «فهجرته إلى ما هاجر إليه». ما قال: مثل من هاجر إلى الله ورسوله قال: «فهجرته إلى الله ورسوله». هنا قال: «فهجرته إلى ما هاجر إليه». ما قال: «فهجرته إلى دنيا يصيبها وامرأة ينكحها». ذكر الشيخ: لطول الكلام حتى لا يطيل الكلام. فإذا قيل: «فهجرته إلى الله وإلى دنيا يصيبها وامرأة ينكحها»، طال الكلام، فاختصر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «فهجرته لما هاجر إليه»، اختصارا. وقيل: أن السبب في عدم تكرار ذلك احتقارا وإعراضا عن ذكرهما، لأنها نية فاسدة منحطة. لأن هذه النية نية فاسدة: هاجر من أجل الدنيا، من أجل النساء، فما يستحق هذا الأمر أن يكرر، أن يكرر. فلاحتقار هذا الأمر وللإعراض عنه لم يذكر ذلك ويكرر ذلك. نعم. ثم ذكر الشيخ العثيمين أقسام الهجرة، لعلنا إن شاء الله نذكر ذلك في درس قادم. من انتهاء الوقت نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.