باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 8

باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 8

الدرس في باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قاعدة الأعمال بالنيات من حديث معن بن يزيد

يستعرض المقطع حديث معن بن يزيد الذي تصدق فيه أبوه واختصما إلى النبي ﷺ، فحكم بأجر النية للآخذ والمعطي. ويستخلص المؤلف قاعدة فقهية مفادها أن العبرة بالنية الصادقة حتى لو خالف الواقع الظاهر.

تطبيق قاعدة النية في الزكاة والوقف عند الخطأ

يشرح الشيخ ابن عثيمين أن من أعطى زكاته لغير مستحق ظاناً استحقاقه أجزأته زكاته لنيته، وكذلك الوقع بالخطأ في المعين لا يبطل النية. وتكون العبرة بما نواه القلب لا باللفظ أو الإشارة الخاطئة.

أثر النية في الطلاق والصدقة على الأولاد

يبين المقطع العمل بالنية في ألفاظ الطلاق غير الصريحة أو الخطأ في الإشارة، ويجوز صرف الزكاة للابن بشرط عدم إسقاط واجب النفقة. ويستدل على ذلك بحديث معن بن يزيد وعبد الله بن مسعود.

خاتمة الدرس: تكنية السلف بأسماء آبائهم

يختم الشيخ الدرس بذكر عادة السلف في الكنية بأسماء الآباء كما كان معن يكنى بأبي يزيد. ويؤكد أن هذا كان معمولاً به عند الصحابة رضي الله عنهم، ثم يعلن الاكتفاء بهذا القدر.

  • 12 جمادى الأولى 1447هـ - 02/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الإخلاص وإحضار النية: قال: الحديث الخامس، وعن أبي يزيد معن بن يزيد بن الأخنس رضي الله عنهم، وهو وأبوه وجده صحابيون. قال: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت. فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن». رواه البخاري. ومعنى هذا الحديث: أن يزيد بن الأخنس أراد أن يتصدق، فأخذ صدقته فوضعها عند رجل في المسجد، بمعنى وكله أن يعطي هذه الصدقة مستحقها، يعطي هذه الصدقة من يستحقها. ومثل الناس كثيراً الآن: تاجر يعطي إنساناً مالاً، يقول له: هذا المال أعطه من تراه مستحقاً للزكاة وللصدقة. فهذا الرجل جاءه معن، وهو ابن يزيد بن المتصدق، ابن المتصدق، فأعطاه هذا الرجل هذه الصدقة. قال العلماء: يحتمل أنه لم يعلم أنه ابن يزيد، يعني هذا الرجل ما يعرف أن هذا معن ابن لصاحب الصدقة، هذا احتمال. واحتمال آخر: أن معناً من المستحقين، كان فقيراً، فلما رآه هذا الرجل محتاجاً أعطاه هذه الصدقة، أعطاه هذه الصدقة. فعلم يزيد أن صدقته ذهبت إلى ابنه، أن صدقته ذهبت إلى ابنه، لأن الابن جاء معه المال إلى أبيه، قال له: هذا المال أعطاني إياه فلان. فقال يزيد: من قال لك تأخذ هذه الصدقة؟ أنا ما أردت الصدقة عليك، أردت الصدقة على غيرك، أردت الصدقة على غيرك. فخاصمه إلى رسول الله، يعني ذهبا إلى رسول الله ليحكم بينهما. فالأب يقول: هذه الصدقة ما أردتها لك. والابن يقول: أنا مستحق لهذه الصدقة، ولم يرد إرجاع هذه الصدقة لأبيه. فلما ذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لك ما نويت يا يزيد»، أنت ماذا نويت بهذه الصدقة؟ نويت بها الأجر، وأن تصل إلى مستحقها، فبهذه النية الطيبة الحسنة وجدت الأجر، حصلت على الأجر. «ولك ما أخذت يا معن»، أي أن هذه الصدقة هي لك، لا ترجع إلى أبيك. والشاهد من هذا الحديث: أن الأعمال بالنيات، وأن الإنسان إذا نوى الخير حصل له، وإن كان يزيد لم ينوِ أن يأخذ هذه الدراهم ابنه، أن يأخذ هذه الدراهم ابنه، ما كان ينوي ذلك، لكنه لما أخذها ابنه، وكان من المستحقين، صار هذا المال له، وثبت الأجر لأبيه يزيد، لأبيه يزيد. فساق المؤلف هذا الحديث في باب الإخلاص وإحضار النية: أن الأعمال بالنيات، وأن الإنسان يكتب له ما نوى، وإن وقع الأمر على خلاف ما نوى. انتبه إلى هذه، هذه قاعدة مهمة ترفع إشكالات كثيرة عن بعض الناس. ما هي هذه القاعدة؟ أن الإنسان يكتب له أجر ما نوى، وإن وقع الأمر على خلاف ما نوى. يقول الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله، بعد ذكره لهذه القاعدة: يقول: وهذه القاعدة لها فروع كثيرة، يعني لها أمثلة كثيرة، وإشكالات كثيرة ربما ترد على كثير من الناس. ما هي هذه الفروع الكثيرة؟ قال: منها ما ذكره العلماء رحمهم الله: أن الرجل لو أعطى زكاته شخصاً يظن أنه من أهل الزكاة، فتبين أنه غني، يعني ليس من أهل الزكاة، قال: فإن زكاته تجزئ وتكون مقبولة، تبرأ بها ذمته، لأنه نوى أن يعطيها من هو أهل لها. يعني: إنسان أخرج زكاته، تحرى، تحرى، ذهب عند رجل ظن أن هذا الرجل من أهل الزكاة، مستحق، تحرى ظن هذا، فأعطاه هذه الزكاة. طبعاً كان من الواجب أن هذا الذي لا يستحق الزكاة، الواجب عليه أن يرد هذه الزكاة، لكن بعض الناس عنده جشع وطمع، يأخذ من الزكوات وإن لم يكن من أهلها، وهذا لا يجوز، لأن الله عز وجل حصر أهل الزكاة في ثمانية أصناف، فلا يجوز أن تعطى لغيرهم، وذكر هذه الأصناف بأداة "إنما" التي تفيد الحصر: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ إلى آخر الأصناف الثمانية. فلو أن إنساناً ظن أن هذا من أهل الزكاة، وهو ليس من أهل الزكاة، ثم بعدما أخرج الزكاة تبين له أن هذا ليس من أهل الزكاة، فلنقل لهذا التاجر وهذا صاحب المال: زكاتك وقعت في غير مستحقها، إذن أخرج زكاة أخرى؟ لا، لا يلزمه أن يخرج زكاة أخرى، لأنه نوى ماذا؟ نوى أن هذه الزكاة لمستحق لها. ومثل ذلك مثلاً: إنسان يطلب الناس، يسأل الناس، يقول: أنا محتاج، وعندي مرض في المستشفى، وعندي ظروف، وعندي ديون، وهو كذاب، لكن أنت حكمت بالظاهر، ما تدري، فتصدقت عليه، ثم بعد ذلك اكتشف أن هذا نصاب، وأن هذا كذاب، وما عنده هذه الأمور، وإنما يريد أن يأخذ أموال الناس. هل لك أجر أو ليس لك أجر؟ نعم، لك أجر على هذه القاعدة، لك أجر على هذه القاعدة، لأنك نويت الخير، فيكتب لك أجر هذا الخير، وإن لم يقع في موقعه، وإن وقع الأمر على خلاف ما نويت. هذه قاعدة جليلة: ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾. هذا يبين لنا عظم النية. مثال آخر: قال: لو أن إنسان وقف شيئاً، كمثل أن يقف بيتاً، صغيراً عنده بيت كبير وبيت صغير، فنوى أن يوقف البيت الصغير، يجعله وقفاً للفقراء المساكين، فقال: وقفت بيتي الفلاني، وأشار إلى البيت الكبير، أشار إلى البيت الكبير، وهو أراد أن يوقف البيت الصغير، لكنه أخطأ في الإشارة، لكن قلبه نوى أن الوقف إنما هو للبيت الصغير، ليس للبيت الكبير. فهنا له ما نوى، وأما سبق الإشارة أو سبق اللسان بالخطأ فهذا لا يؤثر. فإذا قيل له: خلاص، أنت أشرت إلى البيت الكبير، إذن يلزمك أن توقف هذا البيت، فيه ثلاثة أدوار أو أربعة أدوار، هذا صغير فيه دور واحد، أو فيه غرف صغيرة أو نحو ذلك. قال: لا، أنا نويت الصغير، وإنما أخطأت في الإشارة. هل نقول له: لا لا لا، خلاص، طالما أنك أشرت للكبير، إذن الوقف للكبير، الصغير هذا ما أشرت إليه؟ لا، يقال: بنيته، إن كانت نيته أن يوقف الصغير، وإن أخطأ في الإشارة، فله ما نوى، فله ما نوى. وهكذا ذكر مثالاً آخر، قال: ومنها لو قال الإنسان لزوجته: أنت طالق، وأراد طالق من قيد، لا من نكاح. أيش معنى قيد؟ مثلاً: قال لها: أنا جئت من سفر، فلا أرخص لك أن تخرجي من البيت مدة وجودي، ممنوع تخرجي من البيت، ثم رأى أنها تضايقت مع مرور الأيام، فقال لها: أنت طالق، يريد طالق أيش؟ أنها خلاص تخرج، تخرج من البيت، ما هو طالق بأنها ماذا؟ يعني تفارقه وتكون بائناً منه، لا، وإنما أراد أنها طالق من قيد مكوثها في البيت. فيقال هنا: إنما الأعمال بالنيات. ومثله في ألفاظ الطلاق غير الصريحة: إذا قال الشخص مثلاً لزوجته بعدما تضايق منها: خلاص، اذهبي إلى أهلك. قال العلماء: هذا لفظ ليس بصريح في الطلاق، فيرجع إلى نيته، فيقال له: إذا نويت بهذا اللفظ الطلاق، فزوجتك تطلق، وإن أردت التهديد، أو أردت أن تذهب من أجل أن تخف المشاكل أو نحو ذلك، فلك ما نويت، فلك ما نويت. إنما الأعمال بالنيات، ولك ما نويت يا معن. قاعدة عظيمة يندرج تحتها مسائل كثيرة، يندرج تحتها مسائل كثيرة. وأخيراً: ذكر العلامة ابن عثيمين من فوائد هذا الحديث: قال: أنه يجوز للإنسان أن يتصدق على ابنه، لكن بشروط. ما هي هذه الشروط؟ قال: ألا يكون في ذلك إسقاط لواجب عليه. ما هو هذا الواجب الذي على الأب تجاه ابنه؟ مثلاً: أن ينفق عليه. طبعاً الأب إذا كان ولده قاصراً صغيراً، أو كبيراً لكنه غير قادر على الإنفاق على نفسه، فيجب على الأب أن ينفق عليه. فالمراد هنا بالزكاة أو الصدقة على الابن في الأمور التي هي غير الأمور الواجبة، كالنفقة. أيش الأمور غير الواجبة؟ مثلاً: ابنك عليه دين، بسبب مثلاً حادث مروري، أو بسبب أمر وقع فيه، فاضطر إلى أن يستدين، فأردت أن تعينه من زكاتك أو من صدقتك لسداد دينه، فهذا لا بأس به، لهذا الحديث، فإن معن بن يزيد، ومع هذا، أقر النبي صلى الله عليه وسلم أخذ معن لصدقة أبيه، لصدقة أبيه، فاستدل العلماء بهذا على ذلك. ومما يدل على هذا أيضاً: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، أن زينب زوجته أرادت أن تتصدق بشيء من مالها، عندها مال، أرادت أن تتصدق، فقال لها زوجها عبد الله بن مسعود، وكان فقيراً، قال: قال لها زوجها: نعم، تصدقي علي، تصدقي علي. فقالت: لا، حتى أسأل النبي صلى الله عليه وسلم، تحرجت من ذلك، قالت: لعله لا يجوز. وهذا فيه الرجوع إلى أهل العلم في الأمور المشكلة، أن الإنسان يرجع إلى أهل العلم ويسأل أهل العلم. فذهب عبد الله بن مسعود، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق عبد الله»، قال لها: صدق عبد الله، زوجك وولدك أحق من تصدقت بهم عليهم، أحق من تصدقت به عليهم. فهذا أيضاً يؤيد ما استدل به من هذا الحديث على جواز ذلك. وفي هذا الحديث أخيراً: أن السلف كانوا يكنون بأسماء آبائهم، فإن معن كنيته يزيد على اسم أبيه، فهذا أمر كان عليه بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. ففيه هذا الأمر. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.