الدرس في باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع رد النبي صلى الله عليه وسلم على مخافة سعد بن أبي وقاص من الموت بمكة، مبيناً الفرق بين معنيي "التخلف" (البقاء بعد الرفقة، وطول العمر)، ومبشراً إياه بطول الحياة، ومؤكداً أن الأجر والرفعة عند الله مرتبطان بإخلاص العمل لوجهه الكريم.
عاش سعد بن أبي وقاص طويلاً ورُزق ذرية كثيرة بعد أن كان معه بنت واحدة فقط عند استشارة النبي، وتحققت بشارة النبي بانتفاع المسلمين به في الفتوحات وضرر الكفار به. ودعا النبي لأصحاب الهجرة بأن يثبّتهم على الإيمان وألا يضطروا للعودة إلى مكة حتى لعذر، مشبّهاً المهاجر بالمتصدق الذي لا يسترد صدقته.
يشرح المقطع دعاء النبي «ولا ترُدّهم على أعقابهم» بأنه طلب للثبات على الإيمان والتوحيد، ويرد على من يصف الإسلام بالرجعية مؤكداً أن الإسلام هو التقدم الحقيقي. كما يذكر قصة الصحابي سعد بن خولة الذي مات في مكة بعد هجرته، ورثاء النبي له لكراهة موت المهاجر في البلد التي هاجر منها.
يشير المقطع إلى أن الشيخ ابن عثيمين استنبط فوائد كثيرة من الحديث، ويأمل المحاضر تناولها في الدروس القادمة ليستفيد الحضور، ويختتم بالاكتفاء بهذا القدر والتوكل على الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا زلنا في شرح حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في مرضه الذي مرضه في مكة في حجة الوداع، واستشارته للنبي صلى الله عليه وسلم في تصدقه بماله. وقفنا عند قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فقلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟» قال: «إنك لن تخلف، فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم أمضِ لأصحاب هجرتهم، ولا تردهم على عقابهم». لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة. فقوله عليه الصلاة والسلام لسعد بعد ما سأله: «أخلف بعد أصحابي؟»؛ معنى «أخلف بعد أصحابي» يعني: هل أتأخر بعد أصحابي فأموت بمكة؟ لأن سعد بن أبي وقاص من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، والمهاجر إذا دخل بلده التي هاجر منها لا يمكث فيها إلا بقدر الحاجة الذي جاء من أجلها. فخشي سعد رضي الله عنه أن يطول به المرض فيخلف في مكة ويذهب عليه أصحابه، فلذلك قال: «أخلف بعد أصحابي؟» يعني: هل أتأخر بعد أصحابي فأموت بمكة؟ فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يخلف، وهذا فيه دلالة من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، فقال له: «إنك لن تخلف»، وما ذاك إلا بوحي من الله سبحانه وتعالى. فبين له أنه حتى لو خلف وتأخر ثم عمل عملاً يبتغي به وجه الله لازداد عند الله درجة ورفعة. وهذا هو كذلك موضع آخر من مواضع الشاهد من هذا الحديث، وهو في باب الإخلاص وإحضار النية. فقوله: «يبتغي به وجه الله» أي: فيه إخلاص لله سبحانه وتعالى، «إلا ازداد به عند الله درجة ورفعة». فدل ذلك على أن أثر العمل لا يكون إلا بالإخلاص لله سبحانه وتعالى. نعم، ثم قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ولعلك أن تخلف». هذه العبارة أو هذا الفعل «تخلف» هو غير الفعل الأول «تخلف»، وهذا من بدائع اللغة العربية. فقوله: «أخلف بعد أصحابي» أي: أتأخر بمعنى أتأخر، وأما هذه الأخرى: «ولعلك أن تخلف» بمعنى أن تعمر في الدنيا. «تخلف» يعني: تبقى في الدنيا، ولا يعني تنقضي حياتك سريعاً، وإنما تعيش بعد هذا الزمن زماناً طويلاً. والأمر كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، فإن سعد بن أبي وقاص عمر زماناً طويلاً، وهذا أيضاً من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته. فسعد بن أبي وقاص عمر زماناً طويلاً حتى أنه، كما ذكر الشيخ المعتمَد هنا رضي الله عنه، أن العلماء ذكروا أنه خلف سبعة عشر ذكراً واثنتي عشرة بنتاً. وفي هذه الحادثة التي استشار فيها النبي صلى الله عليه وسلم، كم كان معه من الولد؟ كان معه بنت واحدة، كانت معه بنت واحدة، ثم عاش زماناً طويلاً فرزقه الله بذرية كثيرة، رزقه الله بذرية كثيرة حتى ذكر العلماء أنه خلف سبعة عشر ذكراً واثنتي عشرة بنتاً. فعمر وعاش زماناً طويلاً، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون». يعني: ستعمر وتعيش زماناً طويلاً فينتفع بك أقوام. فمن هو الذي ينتفع به؟ المؤمنون المسلمون. ومن الذي يضر به؟ الكفار والمنافقون، الكفار والمنافقون. ولذلك سعد بن أبي وقاص كان له أثر كبير في الفتوحات الإسلامية، فانتفع به المسلمون، وكان من قادة الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين وأرضاهم. فانتفع به المسلمون بما حصل على يديه من النصر للإسلام، ومن الفتوحات، ومن الخير. وهكذا كذلك ضر به آخرون، وهم الكفار، وهم الكفار. ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بهذا الدعاء، فقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم أمضِ لأصحاب هجرتهم». أي: سأل الله أن يمضي لأصحابه هجرتهم، وذلك بأمرين، يقول الشيخ ابن عثيمين: وذلك بأمرين: الأمر الأول: بثباتهم على الإيمان، بثباتهم على الإيمان. قال: لأنه إذا ثبت الإنسان على الإيمان ثبت على الهجرة، إذا كان إيمانه راسخاً وإيمانه قوياً بالله عز وجل فإنه لن يتقهقر ولن يتراجع عن خير مفق إليه، بخلاف صاحب الإيمان الضعيف فيخشى عليه من الانتكاسة ويخشى عليه من الرجوع إلى المعاصي التي كان عليها. فلذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يمضي لأصحابه هجرتهم. والأمر الثاني: أن لا يرجى أحد منهم إلى مكة بعد أن خرج منها مهاجراً إلى الله ورسوله، ولو كان لعذر، ولو كان لعذر مثل المرض كما في حالة سعد. فقوله: «اللهم أمضِ لأصحاب هجرتهم» يعني: لا تحوجهم إلى المكوث في مكة، بلد هجرتهم، لأن المهاجر إذا خرج من بلده مهاجراً إلى الله ورسوله فهو كالمال الذي يتصدق به، لا يمكن أن يرجع إليه، لا يمكن أن يرجع إليه هذا المال. إذا تصدقت بمال فلا يجوز لك أن تسترد هذا المال لأنك قد جعلته لله، تصدقت به لله، فكيف بعد ذلك تطالب به؟ وهكذا المهاجر إذا هاجر من بلد فإنه لا يرجع إليها إلا كما تقدم لحاجة، فيمكث في هذه البلد بقدر حاجته، وبقدر كذلك ما يحتاج من مكوث في هذه البلد. نعم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» [محمد: 27]، أي: لا تجعلهم ينتكسون عن الإيمان، ينتكسون عن الإيمان. وهذا فيه الدعاء للمسلمين بالثبات، للمسلمين بالثبات على الحق وعلى الدين وعلى التوحيد وعلى السنة. نعم، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا لأصحابه بهذا الدعاء، قال: «وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» يعني: لا تجعلهم ينتكسون عن الإيمان فيرتدون على أعقابهم. وذكر هنا الشيخ ابن عثيمين أن في قوله: «وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» قال: لأن الكفر تأخر والإيمان تقدم، الكفر يعتبر تأخر، ولذلك قال: «وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» يعني: لا تؤخرهم لأن هذا هو الكفر. نعم، ودل ذلك على أن الإيمان تقدم. وهذا قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا عكس ما يقوله الملحدون ومن تأثر بهم، وللأسف من المسلمين، حيث بعض الناس يقول أن الإسلام رجعية، يصفون الإسلام بالرجعية، ويقولون إن التقدم في ما يكون عليه الناس اليوم من هذه المستجدات، من هذه المستجدات، فيصفون الإسلام بالشيء القديم الذي من تمسك به رجع إلى القرون المتقدمة، ويصفون الكفر والزندقة بالتقدم. وهذا خلاف ما ينبغي أن يتصف به، وهذا ما ما ينبغي أن يتصف به أهل الإسلام. بل الإسلام فيه التقدم، وفيه العز، وفيه النصر، وفيه كل خير، وفيه كل خير. ثم قال بعد ذلك: «وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ». ثم قال: «لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة». وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله أن هذا الصحابي، ألا وهو سعد الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، سعد بن خولة، ذكر الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله أنه كان من المهاجرين الذين هاجروا من مكة، ولكن الله قدر أن يموت فيها، مات في مكة بعد أن هاجر إليها. نعم، فرث له النبي صلى الله عليه وسلم، أي: توجع. معنى «رث» أي: توجع له أن مات بمكة. وقد كانوا يكرهون للمهاجر أن يموت في الأرض التي هاجر منها، أن يموت في الأرض التي هاجر منها، لأنه قلنا لا يدخل إليها إلا لحاجة، وكأن المهاجر تصدق بمال فلا يجوز أن يرجع إليه، وهكذا لا يجوز له أن يرجع إلى هذه البلد، فكيف يموت فيها؟ فهذا كانوا يكرهون هذا من أجل أنه قد هاجر منها، فينبغي أن لا يموت فيها، بل أن لا يدخلها. فلذلك رث له النبي، ومعنى «رث» أي: توجع النبي صلى الله عليه وسلم لحاله إذ مات في البلد التي هاجر منها. وبهذا نكون انتهينا من شرح هذا الحديث ووجه الشاهد منه. والشيخ ابن عثيمين لسعة علمه ولفقهه كذلك، فقد ذكر فوائد كثيرة استنبطها من هذا الحديث، فلعلنا في الدروس القادمة نأخذ شيئاً من هذه الفوائد، عل الله عز وجل أن ينفعنا بها. فنكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر