تفسير آيات الصيام 6

تفسير آيات الصيام 6

الدرس في تفسير آيات الصيام 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير آية أحل لكم ليلة الصيام الرفث ونسخ تحريم الجماع

يشرح المقطع سبب نزول آية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ مبيناً أن الجماع كان محرماً في ليالي رمضان بعد العشاء أو النوم في أول فرض الصيام، فشق ذلك على الصحابة فأنزل الله الرخصة. ويوضح معنى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ بالسكن والمودة، وأن الآية جاءت رحمة وتخفيفاً عن الأمة.

نسخ حكم الصيام الصارم وقصة قيس بن سرمة

يستعرض المقطع سبب نزول آية ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ من خلال قصة قيس بن سرمة الأنصاري الذي أغمي عليه من شدة الجوع بسبب تشديد الصيام الأول، فنسخ الله الحكم تخفيفاً وتيسيراً. ويبين أن الليل كله صار رخصة للأكل والشرب والمباشرة، وفي ذلك حكمة الابتلاء ثم التخفيف.

حث الشرع على الإنجاب وبيان وقت الإمساك بخيط الفجر

يفسر المقطع قوله تعالى ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بأنه الولد مستدلاً بحديث الحث على الزواج والإنجاب، ثم يشرح آية تحديد وقت الفجر عبر قصة الصحابة الذين فهموا الخيط الأبيض والأسود حرفياً. ويوضح أن نزول ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وبيان النبي صلى الله عليه وسلم حسم المراد ببياض النهار من سواد الليل.

تأجيل مباحث الفجر الصادق والكاذب للدرس القادم

أعلن المحاضر تأجيل مناقشة مسائل التمييز بين الفجر الصادق والفجر الكاذب والآداب المتعلقة بذلك إلى الدرس القادم بسبب انتهاء الوقت المخصص.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فوقفنا في آيات الصيام عند قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187]. قوله سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، فيه إشارة إلى أن هناك حكماً كان حراماً فأحل، والأمر كذلك. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام؛ فإنه كان في أول الأمر، وفي أول مفترض الصيام، كان أحدهم إذا أفطر إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء، أو ينام قبل ذلك. يعني: إذا نام قبل صلاة العشاء ثم استيقظ، فلا يحل له أن يأكل، أو إذا صلى العشاء فبعد الصلاة لا يحل له أن يأكل، وإنما الأكل منذ الإفطار إلى صلاة العشاء، هذا لمن لم ينم. وأما من نام فلا يأكل بعد ذلك، لا يأكل بعد ذلك إذا استيقظ. هذا كان في أول الأمر، في أول الأمر، فوجد الصحابة في ذلك مشقة كبيرة، مشقة كبيرة، فلم يرخص لهم في الأكل إلا فترة يسيرة من الليل، إلا فترة يسيرة من الليل. فجاءت الرخصة بعد ذلك كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى آخر الآية. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾، الرفث: جاء عن ابن عباس أنه الجماع، وهو من ضمن ما يحرم على الصائم إذا أفطر، إذا صلى العشاء أو نام. وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، أي: أن المرأة بالنسبة لزوجها سكن، وهي رداء له، وهذا أمر معنوي، أمر معنوي. وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21]، فسماها سكناً. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6]. وهكذا في هذه الآية: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، أي: أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه، فناسبا أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان؛ لأن لا يشق ذلك عليهم، لأن لا يشق ذلك عليهم. فإن الرجل، سيما إذا كان شاباً أو حديث عهد بزواج، فلا يستغني عن زوجته. فلذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. ﴿تَخْتَانُونَ﴾: أي تخونون. يعني جاء كذلك تفسير هذه الآية عن بعض الصحابة: أن رجالاً من الصحابة كانوا لا يصبرون على أتيان النساء، فكانوا يأتون النساء من الليل، وقت النهي، وقت النهي. فقال الله عز وجل: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، ما تصبرون على النساء فتقعون في المحظور، تقعون في المحظور. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾. خلاص، طالما أن الحكم قد نسخ، فتاب الله عما سلف وعما صدر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ممن خالفوا هذا النهي، ممن خالفوا هذا النهي. هذا هو معنى قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾. ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾. وهناك، قبل أن نشرع في قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، هناك سبب نزول لهذه الآية، سبب نزول لهذه الآية، وهو ما جاء عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فنام قبل أن يفطر، لم يأكل إلى مثلها، كما مر معنا، لم يأكل إلى الليلة المقبلة. قال: وأن قيس بن سرمة، وجاء في بعض الأحاديث: سرمة بن قيس، في تقديم وتأخير. قال: وأن قيس بن سرمة الأنصاري رضي الله عنه كان صائماً، وكان يومه ذلك يعمل في أرضه، يعني في مزرعته. قال: فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال: هل عندكم طعام؟ فقالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك طعاماً. قالت: سأذهب وأبحث لك عن طعام. فلشدة تعب قيس بن سرمة ناما، غلبته عينه فناما. فجاءت امرأته، فلما رأته نائماً قالت: خيبة لك، أنمت؟ يعني: لا يحل لك، ولو أيقظتك من النوم أن تأكل، لأنك قد نمت، فلا ينفعك هذا الطعام، لا ينفعك هذا الطعام. فلما انتصف النهار، طبعاً صام وواصل في الصيام وهو بحاجة إلى هذا الطعام وقد أنهكه العمل في نهار اليوم الماضي. قال: فلما انتصف النهار غشي عليه، أغمي عليه من شدة الجوع والتعب. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فنزلت هذه الآية. فهذا فيه رخصة، وهذا من التيسير. تصور الآن مثلاً لو بقي الحكم باقياً، يعني: إذا نمت أو صليت العشاء، خلاص ممنوع الأكل والشرب وإتيان النساء، في مشقة على الناس. نعم، فالله عز وجل رفع هذا الأمر تيسيراً لهذه الأمة، تيسيراً لهذه الأمة. وفي ذلك حكم كما ذكر علماء الأصول، أن نسخ الحكم من الأعلى إلى الأدنى فيه حكم، منها: الاختبار، اختبار المسلمين في أول الأمر، هل هم على ثبات من أمرهم وعلى امتثال لأمر الله عز وجل؟ فإذا امتثلوا هذا الأمر، رخص الله عز وجل لهم تيسيراً ورفعاً للحرج الذي لربما يكون سبباً في المشقة على المسلمين. فهذا من الحكم والابتلاء والاختبار. نعم، فذكر ذلك علماء الأصول. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، أي: النساء طيلة الليل، معكم رخصة من بعد الإفطار إلى قبيل الفجر. ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قيل في ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: هو الولد، هو الولد. وهذا فيه حث على الإنجاب وطلب الولد، وهذا من الأمور التي حث عليها الشرع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة». فمن حكم الزواج طلب الولد، وأن يكون الولد صالحاً قرة عين لوالديه. فهذه من المطالب العلية التي كان عباد الرحمن يدعون الله عز وجل أن يحقق لهم ذلك، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. فهذا معنى قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، أي: من الولد. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، أي: حتى يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود. ثم رفع اللبس، لأنه في أول الأمر نزل، نزل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، دون ذكر لفظة الفجر، دون ذكر لفظة الفجر. ولذلك أشكل، أو أشكلت هذه الآية في أول الأمر على بعض الصحابة، كما جاء في حديث سهل بن سعد أنه قال: أنزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما. فأنزل الله بعد: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلم أنه يعني الليل والنهار. رواه البخاري. وفي حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، قال: فجعل... قال: فعمدت إلى عقالين، يعني إلى حبلين، أحدهما أسود والآخر أبيض. قال: فجعلتهما تحت وسادتي. قال: فجعلت أنظر إليهما، جعلها تحت الوسادة فيجعل ينظر إليهما. قال: قال: فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت. قال: فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعته، فقال: «إن وسادك إذن لعريض». معنى: ما شاء الله، هذه الوسادة تستوعب الأفق، لأن طلوع الفجر إنما يملأ الأفق، يملأ الأفق. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن وسادك إذن لعريض»، حتى أنه يعني استوعب طلوع الفجر. قال: «إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل». متفق عليه، متفق عليه. فدل ذلك على أن المراد بالخيط الأسود هو سواد الليل، والخيط الأبيض هو بياض النهار. فإذا ذهب السواد وظهر البياض، فهنا يكون طلوع الفجر، ووقت إمساك الصائم عن الطعام والشراب والجماع. هذا هو المراد بهذه الآية. وبقي هناك مسائل تتعلق بالفجر الصادق من الفجر الكاذب، وبعض الآداب التي تتعلق بذلك، فإن شاء الله، لانتهاء الوقت، نؤجل ذلك إلى الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر