تفسير آيات الصيام 8

تفسير آيات الصيام 8

الدرس في تفسير آيات الصيام 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مناسبة ذكر الاعتكاف في آيات الصيام وأدلة مشروعيته

يُبيّن المقطع سبب ورود الاعتكاف بين آيات الصيام لارتباطه برمضان والعشر الأواخر، ويذكر اتفاق العلماء على مشروعية الصيام معه. كما يستعرض أدلة مشروعية الاعتكاف من القرآن والسنة، مشيراً إلى اشتراط عدم مباشرة النساء والاعتكاف في المساجد.

شروط الاعتكاف: تحريم المباشرة وحصره في المساجد

يفسر المقطع المباشرة بأنها تشمل الجماع ومقدماته، مؤكداً أن أي مباشرة تبطل الاعتكاف بإجماع العلماء. ويوضح أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد استناداً للآية والسنة، مع تعريف الاعتكاف لغةً وشرعاً وذكر فضائله عند ابن القيم.

مقصد الاعتكاف وروحُه عند ابن القيم

يوضح ابن القيم أن غاية الاعتكاف ليست النوم ولا الكسل بل عكوف القلب على الله والانقطاع عن الخلق. ويبين أن الصيام يكف فضول الطعام والشراب بينما الاعتكاف يكف فضول النوم والكلام ومخالطة الناس، مستحضراً خلوة النبي ﷺ في خيمة لتحقيق الأنس بالله.

خاتمة دروس تفسير آيات الصيام والاعتكاف

يختتم الشيخ دروس تفسير آيات الصيام بالإشارة إلى حكمة مشروعية الاعتكاف، موضحاً أن التركيز منصب على استخراج الفوائد والمسائل من الآيات. ويعد بمواصلة ما تبقى من الموضوع في دروس قادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فوقفنا عند قول الله عز وجل في آيات الصيام: ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾. هذه الآية ذكرت، أو هذا الجزء من هذه الآية ذكر بين آيات الصيام، وهو ذكر الاعتكاف بين آيات الصيام لمناسبتين: المناسبة الأولى: أن جملة الكلام على الصيام يتناول صيام شهر رمضان، وهو الشهر الذي يتأكد استحباب الاعتكاف فيه، يتأكد استحباب الاعتكاف في رمضان وفي العشر الأواخر منه لما يرجى فيه من ليلة القدر، فالمعتكف يكون متفرغاً للطاعة والعبادة، فناسب أن يذكر الاعتكاف بين آيات الصيام، وهذه مناسبة. المناسبة الثانية: اتفاق العلماء على مشروعية الصيام مع الاعتكاف، بل إن بعض الفقهاء جعل الصيام شرطاً لصحة الاعتكاف، كما هو مذهب الحنفية والمالكية. نعم، والصحيح أنه ليس بشرط، لحديث عمر رضي الله تعالى عنه، لما قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أوفِ بنذرك»، فلم يستفصل منه: كنت صائماً أو غير صائم، أو نحو ذلك. لكن لا شك أن الأفضل والأكمل أن يكون الاعتكاف في حال الصيام. لهاتين المناسبتين ذكر الاعتكاف بين آيات الصيام. وهذه الآية دلت على مشروعية الاعتكاف من الكتاب، أي من القرآن، وهناك أدلة أخرى تدل على مشروعية الاعتكاف أيضاً من القرآن، وهذه الأدلة فيها أن الاعتكاف لم يكن مشروعاً لهذه الأمة فقط، بل كان مشروعاً للأمم السابقة، ويدل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وعاهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ﴾، فذكر هنا الاعتكاف. وأيضاً يدل على أن الاعتكاف كان في الجاهلية قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، حديث عمر المتقدم: أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أوفِ بنذرك». وكذلك فإن قوله سبحانه وتعالى: ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾، في الآية ذكر شرطين من شروط الاعتكاف. الشرط الأول: عدم مباشرة النساء، ﴿ ولا تباشروهن ﴾. وما المراد بالمباشرة هنا؟ جاء في تفسير الإمام الطبري، وكذلك من كثير من السلف، من فسر المباشرة بالجمع خاصة، ومنهم من السلف أيضاً من فسر المباشرة بالجماع ومقدماته، كالقبلة أو الضمة أو نحو ذلك، وهذا هو الأقرب؛ لأن اللفظ عام، والقاعدة أنه يعمل بعموم اللفظ إذا لم يخص. فالمباشرة هنا تشمل كل ما فيه معنى الشهوة من الجماع أو مقدماته. فإذا من شرط الاعتكاف أن يبتعد المعتكف عن النساء، فلا يباشرهن، فلا يباشرهن. وإذا فعل المباشرة فإن اعتكافه يفسد، خلاص يبطل الاعتكاف، فإن أراد أن يعتكف فإنه يعقد الاعتكاف مرة أخرى، وهذا بإجماع العلماء، بإجماع العلماء. الشرط الثاني مما دلت عليه الآية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾، فلا اعتكاف إلا في المسجد، فلا يكون الاعتكاف في غير المساجد، لهذه الآية ولفعل النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه الصلاة والسلام ما شرع الاعتكاف إلا في المسجد، وما فعل هذه السنة إلا في المسجد عليه الصلاة والسلام. والاعتكاف سنة شرعها النبي صلى الله عليه وسلم لما فيها من الحكم والمنافع والفوائد، كما سيأتي معنا من كلام العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. والاعتكاف لغة: هو لزوم الشيء وحبس النفس عليه، أن تلزم الشيء وتحبس نفسك عليه. ويدل على هذا المعنى اللغوي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾، أي ملازماً له. وهكذا في قول الله عز وجل: ﴿ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ﴾، أي ملازمون لها، قد حبستم أنفسكم للعبادة عندها. هذا في اللغة، وأما في الشرع فهو: أي الاعتكاف شرعاً هو المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة لطاعة الله سبحانه وتعالى. وكما أن الاعتكاف دلت عليه آيات الكتاب، كذلك دلت عليه آيات السنة، وجاء في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، واعتكف أزواجه من بعده، واعتكف أزواجه من بعده عليه الصلاة والسلام. والاعتكاف شرع لحكم كثيرة، نبه على بعضها العلامة ابن القيم عليه رحمة الله، كما في كتابه، كما في كتابه «أعلام»... كما في كتابه في السيرة، أي نعم، في سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو «زاد المعاد»، وهو «زاد المعاد». نقرأ عليكم ما ذكره العلامة ابن القيم عليه رحمة الله في ذكر حكم الاعتكاف، لما فيه: أولاً من شحذ الهمم على العمل بهذه السنة، وثانياً ليتنبه المعتكف أن المراد من الاعتكاف ليس النوم ولا الكسل ولا المخالطة، ولا كذلك القيل والقال، وإنما شرع الاعتكاف لغير ذلك. فقال العلامة ابن القيم عليه رحمة الله في «زاد المعاد»: «لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله متوقفاً على جمعيته بإقباله بالكلية على الله، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى. ثم قال: ولما كان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثاً ويشتته في كل واد، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه ويعوقه ويوقفه، اقتضت رحمة الله العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، وشرع لهم الاعتكاف». هذا هو وجه الشاهد، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه... انتبه: ما هو مقصود الاعتكاف وما هو لب وروح الاعتكاف؟ يقول ابن القيم: «وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الانشغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه وتعالى، بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والفكر في محل تحصيل مراضيه وما يقرب منه». قال: «فيصير أنسه بالله بدلاً من أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه... يعني يهيئه، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور، حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه». فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم. انتهى كلام ابن القيم عليه رحمة الله. إذن الصيام يذهب فضول الطعام والشراب، والاعتكاف يذهب فضول النوم ومخالطة الأنام وفضول الكلام، فلا يليق بالمعتكف أن يكثر الكلام الجانبي مع الناس. ولذلك كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف أن تنصب له خيمة، فيعتزل الناس، يعتزل الناس، ما يخالط الناس. خلاص، الآن هذا الاعتكاف إنما هو بماذا؟ بالخلوة مع الله سبحانه وتعالى، كما ذكر العلامة ابن القيم، والانقطاع عن الانشغال بالخلق. تنقطع عن الانشغال، أنت قد تركت أهلك، زوجتك، أولادك، خرجت من البيت ولزمت المسجد، فإذن فكذلك انقطع عن غيرهم من الخلق، انقطع عن غيرهم من الخلق. فهذا هو لب وروح ومقصود الاعتكاف كما ذكر العلامة، العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. فالنفس تحتاج في سنتها أن تحقق هذه المعاني، وأن تزداد إيماناً وهداية، وكذلك تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى. فمن حكمة الله عز وجل أن شرع لعباده هذه العبادة وهي عبادة الاعتكاف. ولا نحب أن نطيل، فلعل إخواننا قد ذكروا شيئاً من أحكام الاعتكاف وما يتعلق بهذه العبادة، وإنما المقصود من تفسير آيات الصيام ما يتعلق بهذه الآيات من تفسيرها، ومن كذلك أخذ ما يتعلق من الفوائد، وكذلك المسائل التي لها تعلق بهذه الآيات. فنكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله ما بقي في دروس قادمة. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر