الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اعترض عمر بن الخطاب رضي الله عنه على التنازلات في صلح الحديبية، فأكد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله منصور لا يعصي أمر ربه. ثم ذهب عمر إلى أبي بكر الصديق فثبته على اليقين بوعد الله بالنصر والوصول إلى البيت الحرام.
استفسر عمر رضي الله عنه عن حكمة شرط رد من يأتي مسلماً من المشركين، فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يعصي أمر ربه. وبين له النبي أن الاتفاق مع سهيل بن عمرو يقضي بتأجيل الطواف بالبيت والعمرة إلى العام المقبل.
قبل النبي صلى الله عليه وسلم شروط الصلح لحكمة إلهية، ونزل القرآن مبشراً بدخول المسجد الحرام آمنين محققين الفتح القريب بفتح مكة وإسلام أهلها. وفي ذلك درس عظيم في التسليم لأمر الله وحكمته البالغة.
يُبرز المقطع فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكمال صدقه مع النبي صلى الله عليه وسلم. ويذكر أن النبي سماه بالصديق، مع الوعد بالتفصيل في فضائله لاحقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فقد أخذنا في الدرس الذي مضى ما ذكره أبو جندل بن سهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه، وقال: "أي معشر المسلمين، أتردون إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟" وكان قد عُذب عذابا شديدا في الله. وذكرنا شيئا من هذا الباب من تعذيب الكفار للمسلمين، وصبر أهل الإسلام على هذا البلاء. ثم قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت: "ألست نبي الله حقا؟" قال: "بلى". قلت: "ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟" قال: "بلى". قلت: "فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟" الدنية: الهوان، ونتنازل عن حقوقنا. فقال: "فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟" فقال عليه الصلاة والسلام: "إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري". قلت: "أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنتطوف به؟" فقال عليه الصلاة والسلام: "بلى، فأخبرتك أن نأتيه العام؟ أن نأتيه هذا العام؟" قال: قلت: "لا". قال: "فإنك آتيه ومطوف به، ستأتيه وأيضا ستطوف بالبيت". قال عمر: فأتيت أبا بكر، فقلت: "يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقا؟" قال: "بلى". قلت: "ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟" قال: "بلى". قلت: "فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟" فقال أبو بكر: "أيها الرجل، إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق، فوالله إنه على الحق". قلت: "أليس كان يحدثنا أن سنأتي البيت ونتطوف به؟" قال: "بلى، فأخبرك أنك تأتيه العام". قلت: "لا". قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال الزهري: قال عمر: "فعملت لذلك أعمالا". فهذا الكلام الذي حصل من عمر رضي الله تعالى عنه من شدة الموقف، أنه يأتي مسلم من المشركين بعد أن عذبوه، فيردوا إلى المشركين، فلم يتحمل هذا عمر، وهو يعلم أن قوة المسلمين أقوى وأكثر من قوة الكفار، لأن الكفار قد وهنتهم الحرب، خاصة قريش قد وهنتهم الحرب، وصار قوة المسلمين أعظم، فهم لا يستطيعون أن يقاوموا أهل الإسلام في ذلك الوقت. لهذا عمر رضي الله عنه أخذ بالظاهر، يقول: لماذا النبي صلى الله عليه وسلم يتنازل عن هذا الأمر، وعن مسلم يأتي ثم يعطيهم إياه؟ أنا أخذت بالظاهر، فقال: لماذا يفعل هذا النبي صلى الله عليه وسلم؟ لما نعطي الدنية في ديننا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بيّن له أنه رسول الله ولست أعصيه، معنى أن هذا أمر من الله، والله عز وجل أعلم بالأمور، وأعلم أيضا بعواقبها وبمآلاتها، لهذا قال: "أنا رسول الله ولست أعصيه". فقال: "أفألا كنت أخبرتنا أنا نأتي البيت ونتطوف به؟" لأن من الاتفاق الذي حصل كما تقدم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لسهيل بن عمرو: "فإن سنطوف ندخل ونطوف ونخرج". جاء أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون من اتفاقنا أننا نذهب العمرة، ندخل ونخرج بدون أن يكون هناك حرب أو كذا، فرفض سهيل بن عمرو، رفض هذا العرض من النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "أتقول العرب أن أخذنا ضغطه، أن أخذنا بالقوة؟" فقال: "تعالوا العام الذي سيأتي"، معنى: الآن هذه السنة لا، السنة التي ستأتي، "تعالوا واعتمروا، أما الآن فلا". فالنبي عليه الصلاة والسلام لأجل الخطة، لأجل ما قاله: "لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرومات لا إلا أعطيتهم إياها"، لهذا النبي صلى الله عليه وسلم تجاوز عن هذا. عمر يقول الآن: كيف؟ ألست أخبرتنا أننا سنأتي البيت ونتطوف به؟ قال: "بلى، أخبرتك هذا العام أنك ستأتي هذا العام تطوف". إنما وعد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أنهم سيأتون البيت، ولهذا بعد ذلك أنزل الله عز وجل: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. جعل الله عز وجل بعد ذلك الفتح، فتح مكة، وإرغام المشركين على دين الإسلام، معنى: أقصد أنهم يحكم فيهم أهل الإسلام، بدل ما كان يعذبون المسلمين صاروا تبعا للمسلمين، ويحكم فيهم هل الإسلام، وأكثرهم دخل هل الإسلام. لهذا فالله عز وجل هو الذي يعلم بالأمور، والواجب على المسلم أنه يسلم لله، يسلم لله إذا جاءه الشرع، فإنه يسلم، فالله عز وجل أعلم بمصالح الإنسان، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير جل وعلا. لهذا عمر رضي الله عنه وجد في نفسه من هذا الموقف، وظن أنه تنازل، وأن النبي عليه الصلاة والسلام أعطاهم ذلك وليس لأمر من الله جل وعلا، فأراد أن يستفسر من هذا الأمر، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه من الله، وأني لا أعصي الله عز وجل، وأنه ناصره جل وعلا، أن النصر سيأتي من الله سبحانه وتعالى. فأيضا كذلك في هذا المقام فضيلة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأنه صديق، وقد كمل صدقه، وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا نتكلم في هذه المسألة في فضل أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وتسمية النبي صلى الله عليه وسلم له بالصديق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. أجزاكم الله خيرا، شكرا.