صلح الحديبية مسائل وأحكام 46

صلح الحديبية مسائل وأحكام 46

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

اختلاف فهم الصحابة في الاجتهاد ومسألة قتال مانعي الزكاة

يوضح المقطع كيف اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في فهم وجوب قتال مانعي الزكاة، حيث استدل أبو بكر بنصوص الزكاة كحق للمال بينما احتج عمر بحديث عصمة الدم والمال. ندم عمر ورجع عن رأيه، مما يبين أن الإحاطة بالمسألة قد تخفى على عالم وتظهر لآخر.

اختلاف الصحابة في الفهم والاجتهاد واتفاق علماء السنة على أصول العقيدة

يعرض المقطع حديث الأمر بالقتال حتى الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كدليل على صحة موقف أبي بكر، ويذكر كيف رجع عمر وغيره عند ظهور الحجة مع أمثلة على استدراك عائشة على بعض الصحابة. ويؤكد اتفاق علماء السنة على أصول العقيدة الواضحة بالنص بينما يختلفون في الفروع الفقهية لاختلاف الأفهام والأدلة.

اختلاف الصحابة في فهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة العصر في بني قريظة ومشروعية الاختلاف الفقهي

أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بعدم صلاة العصر إلا في بني قريظة، فأدركتهم الصلاة في الطريق فاختلفوا بين من صلى في الطريق ومن أخرها، ولم يعب النبي على أي الفريقين. ويبين المقطع أن اختلاف العلماء في المسائل الاجتهادية رحمة وتوسع للأمة، وعلى غير العالم اتباع فتوى عالم ثقة يتبع السنة.

اختلاف العلماء اجتهاد لا عيب فيه

يؤكد المقطع أن اختلاف الصحابة والأئمة والعلماء ليس نقصاً بل ثمرة الاجتهاد في طلب القرب من الله. ويضرب مثالاً بكتاب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب «فوائد من صلح الحديبية» الذي استنبط هذه الفائدة من الحادثة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى في صلح الحديبية ما قاله عمر رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام، وقاله أيضًا لأبي بكر الصديق، ووافق قول الصديق قول النبي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا أيضًا استنبط شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مسألة في هذا المقطع، وهي أن قد يخفى على العالم الكبير، يخفى على العالم وهو من العلماء الكبار، يخفى عليه الإحاطة بمسألة من المسائل، ويحيط بها آخر من العلماء، يحيط بها آخر ويفهمها فهمًا جيدًا، يفهم النصوص وكذا، ويقول بها، ويخالفه علماء آخرون. ففي هذه المسألة، وغالبًا أنهم لم يفهموا فهم ذاك العالم أو أولئك العلماء، وهذا يحصل. فهنا أبو بكر رضي الله عنه علم وفهم هذه المسألة فهمًا جيدًا، وعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك إلا بوحي من الله، وعمر رضي الله عنه لم يدرك هذا الأمر ولم يحيط بالمسألة، فسأل هذه الأسئلة، ثم بعد ذلك ندم ورجع رضي الله عنه، وعمل لذلك اليوم أعمالًا لعل الله عز وجل يعفو عنه. فهذا كما قلنا كثير في زمن الصحابة رضي الله عنهم، في زمن الأمة. فهذا أبو بكر رضي الله عنه لما عزم على قتال مانعي الزكاة، لما ترك بعض القبائل الزكاة، فقال أبو بكر: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة». فهم المسألة أن الدين لا يفرق بين الصلاة والزكاة، من منع الصلاة يقاتل، ومن منع الزكاة يقاتل. ولهذا قال: «لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه». فاعترض عليه عمر رضي الله عنه، وقال: يا أبا بكر، أما سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من قال لا إله إلا الله، أو من شهد أن لا إله إلا الله وأن رسول الله، عصم دمه وماله، وحسابه على الله»؟ فقال أبو بكر: الزكاة حق المال. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «عصم دمه وماله، وحسابه على الله». لكن أبا بكر فهم أن الزكاة حق المال، فإذا منع حق المال فإنه أيضًا يقاتل. ففهم من النصوص. وقد جاء أيضًا في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». فهذا الحديث يؤيد ما ذهب إليه أبو بكر رضي الله عنه. ثم إن الله عز وجل شرح قلب عمر لما قال أبو بكر، شرح قلبه لهذا القول، ورجع عمر عما كان يقول. وهكذا كثير في الصحابة رضي الله عنهم. فهذه عائشة تستدرك على بعض الصحابة بعض الأمور، فيرجع. استدركت على عبد الله بن عمر أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رمضان. وأيضًا استدركت على جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنها. وكذلك أيضًا هكذا الصحابة رضي الله عنهم يستدرك بعضهم على بعض، وينتقد بعضهم بعضًا، وهذا من رحمة الله جل وعلا على عباده، لأن الأفهام تختلف. هذا يفهم هذا، وهذا يفهم ذاك. هذا عنده دليل، وهذا عنده دليل في المسألة، وهذا لم يسبقه ذلك الدليل، أو ينسخ هذا الدليل الذي معه. فقد كان بعض الصحابة يعمل بأشياء قد نُسخت، حتى بعضها في القرآن: كان أُبيّ يقرأ آيات قد نُسخت، لا يدري أنها نُسخت. وكذلك أيضًا أحكام: كان عمر، أو ابن مسعود، كان يقول بالتطبيق في الركوع، يطبق يديه بين ركبتيه، وهذا قد نُسخ، لكنه لم يكن يعلم. وهكذا، فليس هناك أحد أحاط بالعلم كله، وأحاط بالمسائل كلها، وإنما تجد أن بعض العلماء يكونون صوابًا في بعض المسائل، وبعض المسائل يخطئون فيها، ويصيب الآخر. وهكذا. لكن قد اتفق العلماء على مسائل كثيرة فيها النصوص واضحة، وخاصة علماء السنة الذين يتبعون السنة. فمثلًا مسائل العقائد، أكثر المسائل التي فيها الاعتقاد وجاءت مقررة بالكتاب والسنة، لم يختلف فيها علماء السنة إلا في مسائل فرعية يسيرة. واختلفوا في مسائل الفقه. حتى كما قلنا الصحابة رضي الله عنهم، ويضرب العلماء مثالًا في اختلاف الصحابة، وأن الأفهام تختلف بين شخص وآخر. ما جاء في الصحيحين: لما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من غزوة الأحزاب، بعد ما أرسل الله عز وجل الريح فشتتت الكفار، وفروا من المدينة، رجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيته، فأتاه جبريل، وقال: «يا رسول الله، قد وضعت الحرب، أو قد وضعت سلاحك؟ فوالله ما وضعنا سلاحنا». قالوا: «أين؟» قال: «بني قريظة». إن بني قريظة خانوا العهد، وصاروا مع الأحزاب. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة: «أن لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، في ديارهم. «لا تصلوا إلا في ديارهم، لا يصلي أحدكم العصر إلا في بني قريظة». فمشى الصحابة، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فاختلفوا. فمنهم من قال: نصلي. ومنهم من قال: لا، لابد نصلي في بني قريظة. ففهم بعضهم أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن الصلاة في بني قريظة، وفهم بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد منهم الإسراع حتى يدرك الصلاة في بني قريظة، فإذا أدركها في الطريق فإنه يصلي في الطريق. فمنهم من صلى في الطريق، ومنهم من صلى في بني قريظة، ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم على أحد الطائفتين. وهذا يدلك على أن الأفهام تختلف، وهذا من رحمة الله جل وعلا بعباده. فأحيانًا اختلاف الأمة، واختلاف العلماء، رحمة، رحمة وتوسع للأمة، وتوسع للأمة. ولهذا لا يصح أن يقال: لماذا يختلف العلماء؟ بعض الناس يقول: لماذا يختلفون؟ ديننا واحد، وقرآننا واحد، ونبينا واحد. صحيح هذا الكلام، لكن هل معنى ذلك أن الناس لا يختلفون؟ فالأمور التي هي تعرف من دين الله عز وجل بالضرورة، هذه لا يختلف فيها العلماء. وكذلك العقائد، وكذلك الأشياء الواضحة التي جاءت بالنصوص، ليس محلها الاجتهاد. لكن غالب أو كثيرًا من المسائل فيها اجتهاد، فيجتهد العلماء، فيجتهد العلماء، فتجد هذا يخالف هذا. الشافعي، مع أنه من تلاميذ مالك، إلا أنه خالفه كثيرًا. أحمد، من تلاميذ الشافعي، وخالفه كثيرًا. وهكذا أيضًا محمد بن الحسن وأبو يوسف، أصحاب أبي حنيفة، وخالفاه كثيرًا. فالعلماء يخالف بعضهم بعضًا بحسب ما يدينون الله عز وجل به من الاجتهاد. فهل هذا يحصل؟ هذا يحصل، فلا ينبغي للمسلم أن يحجر واسعًا، فيقول: لماذا هؤلاء يختلفون؟ وبعضهم يقول: أوقعون في الحيرة، هذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، هذا يقول حلال، هذا يقول حرام. لا، هذا ليس حيرة. وإنما أنت إذا كان ليس عندك علم في هذه المسألة، وسألت من عنده علم، وأفتاك بفتوى، فخذ بهذه الفتوى التي أفتاك بها، مادام أنك تعرف أنه رجل متبع للسنة. فخذ بفتواه، وهو يعتبر حجة بينك وبين الله. فإذا أخطأ في العمل فهو الذي يتحمل هذا الخطأ، أنت لست عليك شيء. لهذا لا ينبغي للإنسان أن يفعل مثل هذه. فإذا جاءه الخلاف، يسأل من يفك له هذا الخلاف، ويبعد عنه هذا الخلاف، ويبين له المسألة. لهذا فاختلاف الصحابة، واختلاف الأئمة، واختلاف العلماء الكبار، ليس عيبًا، وليس أيضًا طعنًا فيهم، وإنما هو اجتهاد، يجتهد العلماء على ما يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا كما قلنا، هذا مثال من هذه الأمثلة في هذه الحادثة. وكما قلنا، قد استنبط هذه الفائدة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي، فإنه ألف كتابًا سماه «فوائد من صلح الحديبية»، «فوائد من صلح الحديبية»، وذكر هذه الفائدة. فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر