منظومة نبذة في وصية طالب العلم للحكمي 5

منظومة نبذة في وصية طالب العلم للحكمي 5

الدرس في منظومة نبذة في وصية طالب العلم للحكمي 5، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أهمية المنهجية والتدرج في طلب العلم

يواصل الشيخ شرح وصية طالبي العلم من المنظومة الميمية، مؤكداً على ضرورة رسم خطة منهجية تبدأ بالأهم فالمهم كدراسة القرآن والعقيدة والفقه، وأن العلم يُحصّل بالتدرج والتراكم. كما ينصح بالاستفادة من تجارب السابقين وعدم إضاعة الوقت، مستشهداً بقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

التدرج في طلب العلم الشرعي والتمسك بمنهج السلف

يحذر المقطع من اقتحام طلب العلم دون تدرج، مبينًا أن ذلك يؤدي إلى الارتباك والانسحاب، ويؤكد على ضرورة سؤال أهل العلم والاقتداء بمنهج السلف. كما يوضح أن علوم الدين الشرعية تفرق بين الحق والباطل، مستدلًا بالآيات والأحاديث على فضل العلم النافع وأن التفقه في الدين من أعظم علامات الخير.

خطورة كسر الدين ووجوب التمسك بمنهج السلف الصالح

يبيّن المقطع خطورة الكسر في الدين وأنه لا يجبر بخلاف كسر الدنيا، مستدلاً بحديث صهيب بن سنان ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم. كما يحذر من اتباع المعاصرين المبتدعين الذين يفضلون منهج الخلف، مؤكداً وجوب التمسك بهدي السلف الصالح اقتداءً بقول ابن مسعود رضي الله عنه.

الختام بالصلاة على النبي والحمد لله

يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين. كما يقر بعلم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع نبذة في وصية طالبي العلم، وهي كما سبق عبارة عن أبيات للشيخ العلامة أبي أحمد حافظ ابن أحمد الحكم رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهي ضمن منظومته الميمية. قلنا: لماذا سميت ميمية؟ لأن القافية في أبياتها تختم بحرف الميم، تسمى ميمية. وإذا ختمت بحرف التاء قيل تائية، كتائية الإلبيري: "تفت فؤادك الأيام فتا وتنحت جسمك الأيام نحتا" إلى آخره. واللامية: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: "يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي رزق الهدى من للهداية يسأل". وهكذا غيرها، حائية ابن أبي داود لأن آخرها يختم بحرف الحاء. ومنظومة الشيخ حافظ رحمه الله تعالى الميمية منظومة بديعة وجميلة ولطيفة، فيها من الحكم والآداب والوصايا الشيء الكثير. وهذه عبارة عن مجموعة من الأبيات فيها وصية لطالبي العلم. سبق معنا مجموعة من هذه الأبيات، مجموعة من هذه الأبيات التي مطلعها: "يا طالب العلم لا تبغي به بدلا فقد ظفرت ورب اللوح والقلم وقدس العلم وعرف قدر حرمته في القول والفعل والآداب فالتزم واجهد بعزم قوي لن ثناء له لو يعلم المرء قدر العلم لم ينم والنصح فابذله للطلاب محتسبا في السر والجهر والأستاذ فاحترم ومرحبا قل لمن يأتيك يطلبه وفيه محفظ وصايا المصطفى بهم والنية تجعل لوجه الله خالصة إن البنى بدون الأصل لم يقوم ومن يكن أي قلنا يطلب العلم من أجل ماذا قال ومن يكن ليقول الناس يطلبه أخسر بصفقته في موقف الندم ومن به يبتغي الدنيا فليس له يوم القيامة من حظ ولا قسم كفى بمن كان قلنا أي الآيات التي بدأت بمن كان يريد إلى آخره قال كفى بمن كان في سورة الشورى وهود وفي الإسراء موعظة للحاذق الفهمي إياك واحذر ممارات السفيه به كذا مباهات أهل العلم لا ترم فإن أبغض كل الخلق أجمعهم إلى الإله ألد الناس في الخصم والعجب فاحذره إن العجب مجترف أعمال صاحبه في سيله العرم وبالمهم المهم ابدأ لتدركه وقدم النص والآراء فاتهم وقدم وجوبا علوم الدين إن بها يبين نهج الهدى من موجب النقم" ومر معنا في آخر ما مر التنبيه على ما ذكره رحمه الله تعالى في أهمية المنهجية في طلب العلم. أهمية المنهجية في طلب العلم: طالب العلم يا إخوان أحوج ما يكون أن يرسم له خطة. هذه الخطة ماذا يفعل؟ يجعل له برنامجًا يمشي عليه، يبدأ بالأهم أو يبدأ بالأهم فالمهم، يقدم ما كانت الضرورة إليه ماسّة، يبدأ بالقرآن. وهكذا مع القرآن دراسة العقيدة والتوحيد، وهكذا دراسة الفقه والأحكام، وهكذا. فماذا؟ كما مر معنا أن ذلك مما يعين على تحصيل العلم، على تحصيل العلم. وهكذا أن يخرج الطالب بفائدة وحصيلة، كما قال الإمام بهاء الدين ابن النحاس: "اليوم شيء وغدا مثله من نخب العلم التي تلتقط يحصل المرء بها حكمة". وإنما السيل اجتماع النقط، سيول جارفة، سيول عظيمة تبدأ بماذا؟ بنقط وقطرات قليلة ويسيرة، وإذا بها سيول. وهكذا العلم يبدأ شيئا فشيئا، فيبارك الله لك في هذا الشيء فيعظم ويكبر ويكثر، وإذا بصاحبه الذي كان بالأمس يتعتع في قراءة الفاتحة وما تيسر من قصار سور المفصل، إذا به ممن يرجع إليهم في النوازل، وهكذا في الملمات، من العلماء الربانيين، من العلماء الربانيين. ما أكثر العلم وما أوسعه! من ذا الذي يقدر أن يجمعه؟ من هذا يا إخوان الذي يقدر أن يجمع العلم كله؟ وربنا عز وجل يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، إلا قليلا. قال: "إن كنت لا بد له طالبا محاولا فلتمس أنفعه"، يعني ابدأ بالأهم فالمهم، ولا تضيع الأوقات والأعمار فيما لا ينفع. الوقت أغلى ما عنيت بحفظه، وراه أسهل ما عليك يضيعه. أسهل شيء يضيع علينا هو هذا الشيء الثمين النفيس، ألا وهو العمر. وهكذا الوقت، وهكذا الوقت. ثم ذكر رحمه الله تعالى، وأيضا مما يضاف إلى ما سبق أن الشخص يحتاج أن يستعين بغيره فيرشده إلى كيفية التدرج في طلب العلم. استفد ممن سبقك من إخوانك، أنت طالب جديد، اسأل من سبقك في طلب العلم: بماذا أبدأ؟ وماذا أدرس؟ وهل هذا الكتاب ينفعني في هذا المستوى، في هذه المرحلة، أم أبدأ بكتاب آخر غيره؟ للأسف يا إخوان يأتي أحيانا بعض أبنائنا وإخواننا الطلاب يستأذن أن يسافر ويرجع إلى بلده. فحين أن تسأله أسئلة تقول له: ماذا درست أنت الآن؟ سترجع إلى بلدك، كم لك؟ قال لي: سنتان. آخر يقول: ثلاث سنوات. طيب، ماذا درست في العقيدة؟ وماذا درست في الفقه؟ وما هي حصيلتك في اللغة العربية؟ وماذا درست في علوم الآلة الأخرى في المصطلح والأصول وغيرها؟ فللأسف يا إخوان يتلعثم، يتلعثم ويخجل. انظر ما هو السبب؟ السبب أنه لم يتدرج في طلبه للعلم، لم يبدأ شيئا فشيئا. سمع أن درسًا انفتح هناك، دخل مع الداخلين، بدأ المدرس يتحدث ويشرح العبارات ويبين الكلمات الغامضة ويلخص المواضيع، فصاحبنا لا يفهم شيئا. صاحبنا ماذا وجد؟ أن الدرس فيه عجمة، فما هي إلا فترة انسحب. سمع بدرس آخر، قال: لعله هذا الضال التي التي أبحث عنها. لماذا لا تسأل؟ لماذا لا تستفيد من مدرسيك ومن زملائك الذين سبقوك، الذين سبقوك؟ فماذا؟ طريق العلم يا إخوان طريق طويل، وهناك قد يعتري طالب العلم مصاعب. وكذلك أيضا قد يأتي على مفترقات طرق، مفترقات طرق، يحتاج ماذا؟ وقد يقف له على كل طريق من يدعوه إليها، يحتاج يا إخوان أن يسأل وأن يتبين وأن يدل من قبل من سبقه إلى هذا الطريق، إلى هذا الطريق. لهذا يا إخوان في سير وتراجم علمائنا فيها عصارة خبراتهم وجهودهم، وهكذا ما كان عليه رحمة الله عليهم، فنستفيد من طريقتهم. وهنا ذكر رحمه الله تعالى قال: "قدم وجوبا علوم الدين إن بها يبين نهج الهدى من موجب النقم". ولاحظوا يا إخوان الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي وردت في فضل العلم، أول ما تنصب، تنصب على العلم الشرعي، العلم النافع الذي هو علم الكتاب والسنة، علم الكتاب والسنة. وربنا تبارك وتعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الزيادة منه، ولم يأمره أن يسأل الزيادة من غيره، فقال سبحانه: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "سَلُوا اللهَ عِلْمًا نَافِعًا"، سَلُوا اللهَ، اطلبوا من الله علما نافعا، وتعوذوا به من علم لا ينفع، من علم لا ينفع. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا". فيقدم الإنسان يا إخوان علوم الدين، يتعلم ما أوجب الله عليه أن يتعلمه، يتعلم القرآن، يتعلم السنة، يتعلم التوحيد الخالص والعقيدة الصحيحة، يتعلم الأحكام الفقهية من عبادات ومعاملات، وهكذا غيرها من الأحكام الأخرى، يتعلم ما يعينه على فهم القرآن والسنة من تعلم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وغيرها، يتعلم المصطلح، مصطلح المحدثين، يتعلم القواعد الفقهية، وهكذا أصول الفقه، وهكذا غيرها مما يعينه على أن يتعلم وأن يفقه الكتاب والسنة، الكتاب والسنة. قال: "إن بها يبين نهج الهدى من موجب النقم". ومعنى ذلك أن علوم الدين، العلوم الشرعية، العلم النافع، هي التي بها يميز طالب العلم بين الحق والباطل، بين الهدى والضلالة، بين السنة والبدعة، بين التوحيد والشرك. وإذا فقد العلم النافع، العلم الشرعي، يتخبط يا إخوان، يقول: والله ما ندري الحق مع من، كلهم يقولون: قال الله، قال رسوله، ما ندري الحق مع من. طيب، ما هو العلاج؟ ما هو الدواء؟ الدواء هو العلم، الدواء هو العلم. النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين عن معاوية: قال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"، يفقه في الدين. قال: "وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي". إذن العلم من أين يا إخوان؟ العلم من الله عز وجل، هو الذي يعطي العبد علما. ولهذا يا إخوان الواحد منا يكثر من الدعاء لله عز وجل أن يرزقه العلم النافع، العلم النافع. قال: "وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي". وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. ذكر بعض أهل العلم أن بين أول الحديث وآخره علاقة واصلة، وذلك أن هذه الطائفة المنصورة والفرقة الناجية من أهم صفاتهم العناية بالعلم، العناية بالعلم، الحرص على التعلم والتعليم، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: "وكل كسر الفتى فالدين جابره والكسر في الدين صعب غير ملتئم". لاحظ، يقول الشيخ حافظ رحمه الله تعالى في هذا البيت منبها طالب العلم: أن كل كسر، كل مصيبة، كل بلاء يبتل به، فماذا؟ فإن الدين يجبره، يعني يصلحه ويعوضه. أما الكسر الذي يكون في الدين فهذا غير ملتئم، هذا غير ملتئم. الإنسان يا إخوان في هذه الدنيا هو في دار ابتلاء، ابتلاه الله عز وجل: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. في حديث أبي يحيى صهيب ابن سنان الرومي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، قَالَ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ يَعْنِي نِعْمَةٌ شَكَرَ، أَيْ شَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ يَعْنِي مُصِيبَةٌ صَبَرَ، أَيْ عَلَيْهَا، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ". المشكلة يا إخوان إذا كانت المصيبة في الدين، إذا كانت المصيبة في الدين، فيبتلى بالبدع، يبتلى بالضلالات والشبهات، يبتلى بالانحراف عن الجادة. هذه المصيبة يا إخوان، ولهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يدعو بهذا الدعاء كثيرا. كان النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الترمذي من حديث ابن عمر، قال ابن عمر: "قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ". ما هي هذه الدعوات؟ كان يقول: "اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعْصِيَتِكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا". الدعاء المشهور، إلى أن قال: "وَلَا تَجْعَلْ، وَلَا تَجْعَلْ، وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا". الحديث. وهذا فيه أن المصيبة في الدين هي تعتبر من أعظم المصائب، من أعظم المصائب، بخلاف المصائب التي تكون في الدنيا: يبتلى بمرض، يبتلى بفقر، يبتلى بفقد قريب أو صديق أو حبيب، هذه يصبر ويكون الصبر خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. لكن كما سبق يا إخوان، مصيبة الدين هذه من أعظم المصائب. "وكل كسر الفتى فالدين جابره والكسر في الدين صعب غير ملتئم، غير ملتئم". ذكر، ذكر أبو الفتح البستي رحمه الله تعالى في نونيته المسماة بعنوان "الحكم"، ذكر في آخرها، ذكر في آخرها قال: "كُلُّ الذُّنُوبِ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهَا إِنْ شَاعَتِ الْمَرْأَةُ إِخْلَاصًا وَإِيمَانًا، وَإِيمَانًا، وَكُلُّ كَسْرٍ فَإِنَّ الدِّينَ يَجْبُرُهُ، وَمَا لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّينِ جِبْرَانُ، قَالَ: وَمَا لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّينِ جِبْرَانُ، خُذْهَا سَوَائِرَ أَمْثَالٍ مُهَذَّبَةٍ فِيهَا لِمَنِ يَبْتَغِي التَّبْيَانَ تَبْيَانًا". أكد ذكر الإمام أبي الفتح البستي رحمه الله تعالى، قال رحمه الله تعالى: "دَعَا كَمَا قَالَهُ الْعَصْرِيُّ مُنْتَحِلًا". قوله هنا: "دَعَا"، أي اجتنب واحذر يا طالب العلم ما قاله العصري، أي أهل العصر، أهل الزمان، والمقصود بأهل العصر أي الذين ليس لهم ارتباط بعلم السلف، بعلم السلف. يقول قائلهم: "منهج السلف ماذا؟ منهج السلف أحكم، ومنهج الخلف أسلم"، أو نحوها. لا، وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف. ابن مسعود كان يقول: "اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ". لا تترك طريقة السلف الأولين وتأخذ ببدع المعاصرين، ببدع المعاصرين. فماذا؟ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يثني على تلك القرون السابقة: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". هكذا ذكر ثلاثة قرون عليه الصلاة والسلام. فيحرص طالب العلم على أن يتمسك بهدي السلف الصالح من الصحابة والتابعين، هكذا من بعدهم ممن اتبعهم بإحسان، ممن اتبعهم بإحسان. قال: "دَعَا عَنْكَ مَا قَالَهُ الْعَصْرِيُّ مُنْتَحِلًا، مُنْتَحِلًا"، أي منتسبا به إلى العلم وإلى السنة، هكذا ينتسب، لكن في الحقيقة هو بعيد عن طريقة العلماء وعن منهج أهل السنة. "وَالْدَّعَاوِي إِذَا لَمْ تَقُمْ أَرْبَابُهَا عَلَيْهَا بَيِّنَاتٍ فَأَرْبَابُهَا أَدْعِيَاءُ، وَكُلَّا يَدَّعِي وَصْلًا بِلَيْلَى، وَلَيْلَى لَا تَقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَ". قال: "وَبِالْعَتِيقِ وَبِالْعَتِيقِ تَمَسَّكَ قَطَّ وَاعْتَصِمْ". والعتيق يعني القديم، يعني القديم، فيتمسك طالب العلم بما كان عليه السلف الأولين، وماذا؟ وهكذا من جاء بعدهم وسار على هديهم وعلى نهجهم، فإنه ماذا؟ سبيل النجاح وطريق الهداية. ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كان يقول: "مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ". أسأل المولى تبارك وتعالى أن يثبتنا جميعا على صراطه المستقيم، وأن يجعلنا متبعين لسلفنا الصالحين، وأن يجنبنا فتن الدنيا والدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.