الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 761

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 761

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 761، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام المسألة في ضوء السنة النبوية

يشرح المقطع حديث «المسألة كدوح في وجه صاحبها يوم القيامة» مبيناً أن الأصل تحريم السؤال إلا لثلاثة أصناف: من تحمل حمالة، أو أصابته فاقة شهد عليها ذوو الحجة، أو أصابته آفة في ماله الظاهر. ويؤكد أن من يملك قوت يومه فالأفضل له التعفف عن السؤال، مستدلاً بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر بالتعفف عند الفتن.

تحريم السؤال مع الغنى وعقوبة الملحفين

يبيّن المقطع حرمة أخذ أموال الناس بالباطل والسؤال مع وجود ما يغني، مستدلاً بقوله تعالى ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾، ويوضح أن الملحف في السؤال يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم. كما يبيّن أن أهون المسألة سؤال ذوي الرحم عند الحاجة لوجوب حقهم أو استحبابه، وأن الكسب بالعمل خير من السؤال.

آداب السؤال والتعفف وتأويل حديث خير المسألة

يبيّن المقطع جواز سؤال الصديق الغني إذا كان يفرح بالسؤال ولا يتضرر، مستشهداً بإمام مالك والليث بن سعد، لكن يؤكد أن الأفضل هو التعفف وترك السؤال. ويناقش عبارة «خير المسألة عن ظهر غنى» مرجحاً أنها تصحيف لـ «خير الصدقة عن ظهر غنى»، أو تعني سؤال ذي الغنى، مع التنبيه على وجوب البدء بالإنفاق على من يعول قبل التصدق تطوعاً.

أولوية النفقة على العيال قبل الصدقة التطوعية

يوضح المقطع أن الحديث النبوي يشير إلى النفقة الواجبة لا مجرد الصدقة، ويؤكد وجوب البدء بالإنفاق على من يعولهم الإنسان من أهل وذرية وآباء وإخوان. فإذا أدى النفقة الواجبة فله أن يتصدق بالفضل، أما التصدق مع تقصير في نفقة العيال فهو خطأ شرعي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا أبو النضر، وأبو النضر هو هاشم بن القاسم، ويلقب بقيصر. وقيل: إنه لُقب بقيصر لأن نصر بن إبراهيم كان على شرطة هارون الرشيد، أنا على الشرطة، وعنه كأنه مثل مدير الأمن، فكان على شرطة هارون الرشيد. فجاء إلى المسجد فقال للمؤذن: لا تقم الصلاة حتى آتي، وكأنه دخل يقضي حاجته، فقال له: لا تقم الصلاة حتى آتي. فدخل المسجد هاشم بن القاسم، وكان له هيبة في بغداد، أن الناس هابوه ويحترمونه لعلمه، وكذلك أنه كما يقال: عنده شخصية قوية، فهو من بني تميم. فقال للمؤذن: لم لم تقم الصلاة؟ قد دخل وقت الصلاة. فقال: إن صاحب الشرطة قال لي: لا تقم حتى آتي. قال: لا، قم الصلاة، قد جاء وقت الصلاة. فأذن وصلى. فلما جاء نصر وقد تأخر في الصلاة، قال للمؤذن: ألم أقل لك لا تقم؟ فقال له هاشم بن القاسم: هو الذي أمرني أن أقيم. قال: هذا ليس هاشم، هذا قيصر، أنا كأنه يلقبه كأنه له الملك مثل قيصر الروم. قال: هذا قيصر وليس هاشم. ومن ذلك الوقت لُقب بقيصر. وكان الإمام أحمد يثني عليه جدا. قال: حدثنا إسحاق بن سعيد، هو إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، من بني أمية، يعني أنه ينتسب إلى نسبه إلى العاص بن أمية، جد بني أمية. هؤلاء بنو أمية الذين ملكوا، كمعاوية رضي الله عنه ومن بعده، كلهم ينتسبون إلى العاص بن أمية، وبعضهم ينتسب إلى الحكم، مثل مروان، مروان بن الحكم، الحكم بن العاص، هذا الذي كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام من بني أمية، الذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وولد مروان في الطائف، ولهذا الصحيح أن مروان ليس صحابيا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يره، ولم يذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف في تلك الفترة. قال: حدثنا إسحاق بن سعيد، إسحاق بن سعيد كما قلنا ابن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، عن أبيه، وهو سعيد بن عمرو، وكلاهما ثقة، هو العبارة أو الثقة من ابنه، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسألة كدوح في وجه صاحبها يوم القيامة، فمن شاء فليستبق على وجهه، وأهون المسألة مسألة ذي الرحم يسأل في حاجة، وخير المسألة المسألة عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول». قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح. هذا الحديث في النهي عن المسألة، والمسألة المراد به أن يسأل الناس أموالهم. وهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل: فالأصل أن من كان معه مال، أو معه ما يغديه ويعشيه، عنده طعام، أنه لا يسأل، إلا إذا كان ليس معه شيء، أو معه لكن لا يكفيه ليومه، قد لا يجد الطعام لذلك اليوم، فمثل هذا أجاز النبي عليه الصلاة والسلام له أن يسأل، وإن تعفف فخير له. جاء في حديث قبيصة: «يا قبيصة، إنها لا تحل المسألة إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة، أصلح بين قبيلتين أو بين الرجلين، فتحمل الدين حتى يصلح بينهما، ورجل أصابته فاقة، وشهد على ذلك ثلاثة من ذوي الحجة من قومه، أصابته فاقة، فقر، ما عنده عدم من الطعام والمال، وهناك من يشهد له من ذوي الحجة، من عقلاء قومه، ورجل أصابته آفة في ماله، آفة أصابته في ماله، عنده مزرعة احترقت هذه المزرعة، عنده سيارة يكد عليها ومعناها يؤجرها أو يعمل في الخط، فمثلا تعطلت، تعطلت عليه المكينة، لم يستطع أن يجدد هذه المكينة أو أن يصلحها، فأصابته آفة، أو كان غنيا ثم افتقر، المراد أنه أصابته آفة في ماله الظاهر. فهؤلاء أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يسألوا. وأما من كان معه أشياء وليس هناك معه الضرورات كالمسكين، فله أن يسأل، له أن يسأل، لكن الأفضل له أن يتعفف، والأفضل له أن يتعفف. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «كيف أنت يا أبا ذر إذا كنت في... إذا كنت لا تجد طعاما والناس يتهارجون حتى تغرق حجارة الزيت في الدماء؟» فقال: الله ورسوله أعلم. قال: «تعفف يا أبا ذر». أنا في هذا الوقت وقت الاختلاق ووقت القتال، تقاتل الناس بعضهم بعضا، وليس هناك أمن، تحصل السرقات ويحصل الأخذ والغصب، يغصب ناس من أموالهم، كما هو مشاهد في بعض البلاد، وفي بلادنا هذا إذا عدم العمل وصار هناك لا شرطة ولا غيرهم يمسكون العمل، تجد الناس يسرقون ويأخذون أموال غيرهم وكأنها حلال لهم، أو يأخذون السلاح، يأخذون السلاح الدولة وكأنه حلال لهم، تجد الرجل يتورع في أشياء، لكن في هذا لا يتورع، أناس يصلون ويصومون، وتجد أنهم إذا حصل مثل هذا ذهب يأخذ كأنه حلالا له، أنهم يأخذون مستودعات الناس، يأخذون مواد غذائية، يأخذون كذا، بل بعضهم حتى النوافذ يطلع النوافذ ويأخذه، خاصة في الأماكن العامة، أماكن الدولة، وهذا لا يجوز لأن هذه أموال الناس جميعا، ليست أموال هذه الدولة، أو ليست أموال أولي الجنود الذين يكونون في ذلك المكان. فلهذا تحصل السرقة وأخذ أموال الناس بالباطل وغيرها من هذه الأمور. وكذلك أيضا يأتي الإنسان ويسأل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعفف يا أبا ذر». وأيضا قد قال الله عز وجل في المساكين: ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ [البقرة: 273]. ومعنى لا يسألون الناس إلحافا: أي لا يلحفون في السؤال، وهم محتاجون، فإن سألوا سألوا مرة واحدة. معنى إن سألوا: لا لا يلحفون في السؤال، معنى لا يكررون السؤال، فإن سألوا للحاجة سألوا مرة واحدة، فهذا معنى لا يسألون الناس إلحافا. ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾ [البقرة: 273]، سبب عفتهم، الإنسان الذي يجهل أمرهم يظن أنهم أغنياء. وأما من كان معه ما يغنيه فلا يجوز له أن يسأل. وهنا هذا الحديث ينزل على مثل هذا: من كان عنده ما يغنيه من طعام وشراب ومال، فلا يجوز له أن يسأل الناس أموالهم. فقال: فالمسألة كدوح في وجه صاحبها. كدوح: معناه العلامة، مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث، الحديث الذي جاء في مسلم، حديث أبي هريرة: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم». حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة، مزعة لحم: أنا خرج لحم، وأنا صار مثل الجسم الذي يحترق فيخرج الجلد. وهكذا هنا قال: المسألة كدوح في وجه صاحبها يوم القيامة، تظهر هذه العلامات في هذا الوجه حتى لا يكون فيه مزعة لحم، معناه قطعة لحم ليست موجودة في الوجه، وهذا لأنه نزع الحياة، فسأل الناس أموالهم تكثرا. من سأل الناس أموالهم تكثرا إنما يسألهم جمرة من جمر جهنم، فليستقل أو ليستكثر، أنا كلما سألهم كلما أخذ من جمر جهنم، جمر جهنم: أي رمادها الحار، فيأخذ من ذلك الرماد يكون في وجهه حتى ينتزع اللحم من وجهه، كلما أكثر كان أكثر في وجهه وفي جسده. ولهذا قال هنا في هذا الحديث: «فمن شاء فليستبق على وجهه»، معناه: أنه من شاء أن يفعل ذلك، فكله راجع إليه، هذا العذاب سيصيبه، ويخرج هذا الجلد من وجهه، لأنه لم يستحي، نزع الحياء من قلبه فنزع جلد لحم وجهه. أنا الآن بعض الناس يقولون: فلان ليس في وجهه لحم، أنا يريد أنه لا يستحي، لا يستحي من الأمر الذي يستحى منه، فيسأل الناس لأجل أن يتكثر بالأموال. وما أكثر ناس الذين يتكثرون بأموال الناس بالسؤال. فالنبي عليه صلاة والسلام قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى تكون كدوحا في وجهه، حتى لا يبقى له يوم القيامة مزعة لحم». وقال: «فمن شاء فليستبق على وجهه». قال: «وهو أن المسألة مسألة ذي الرحم»، أنا أهون أن يسأل الإنسان ذوي رحمه، لأجل أن ذوي الأرحام لهم حق عليهم، لهم حق عليهم، أي إن كان سيسأل وأراد أن يسأل، الأفضل أن يسأل أقرباء، مثلا إخوانه، مثلا ابن عمه، أو غيرهم من هؤلاء، هؤلاء لهم حق، أو له حق عليهم. بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يجب على القريب ذي الرحم أن ينفق على قريبه إن كان معدما، من باب الوجوب، فإذا كان من باب الوجوب عليه، فيجوز أن يسأل، فيجوز أن يسأل. لكن جمهور العلماء على أنه ليس للوجوب، وإنما هو للاستحباب. لهذا قال في هذا الحديث: «وأهون المسألة مسألة ذي الرحم»، أنه إذا كان سيسأل، يسأل رحمه، من كان من أرحامه من أقاربه، فهو أهون أن يسأل إنسانا غريبا. لماذا؟ كما قلنا: لأن له حق، حق القرابة، وحق الصلة، فلهذا من الصلة أنه يعطيه مالا، فهو أهون أن يسأل ذوي رحمه. وأيضا الأمر الثاني: أن الأقارب غالبا يسخرون على قريبهم، هذا من بابه الغالب، وعنى سيسخر عليه هذا قريبهم. وأيضا كذلك الأمر الثالث: أن القريب يكون أرحم بقريبه من غيره، وعنى سيكون أرحم به، بدل مثلا أن يسأل ولا يعطى، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «لأن يأخذ أحدكم حزمة من حطب فيذهب فيبيعها، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه». خير له من أن يذهب يسأل الناس، أعطوه أو منعوه. وهكذا هذا عندما يسأل ذا رحمه، غالبا أنه سيعطف عليه، وإن كان معه سيعطيه، لأن الإنسان غالبا إذا كان يعطي ذا رحم لا يفكر في هذا المال الذي يعطيه، لأنه يجد أنه حق عليه، فلهذا أهون المسألة مسألة ذي الرحم. قال: «يسأله في حاجة»، إذا كان هناك حاجة. وأيضا قد يكون للإنسان صديق وصاحب يفرح بسؤال صاحبه له، قد يكون هناك صديق عنده مال، وقد أعطى الإذن لهذا صاحبه أنه يسأله، بل قد يفرح إذا سأله في حاجته، ليس أنه يتكثر، وإنما يسأله في حاجته، فمثل هذا لا بأس، لا بأس أنه يسأله، مادام أنه يعلم أنه لا يأخذ في نفسه شيء، بل يفرح إذا سأله. لكن لكن ليس هذا هو الأفضل، الأفضل هو الترك، الأفضل هو التعفف، ولو كان من صديقه وغيره، لكن إذا كان لابد أن يسأل الحاجة، فإنه يسأل مثل هؤلاء، معنا صديق أو صاحب، أو رجل قال له مثلا: تريد حاجة أو تريد شيء؟ سل، وهو يعلم أنه قالها صدقا، لأن بعض الناس يقول هكذا، لكن إذا وقعت الحقيقة تجد أنه يتبرم ويغضب وكذا، أو يقع في نفسه، لكن بعضهم يفرح إذا سألته، وغالبا هذا الصديق. وقد كان مالك رحمه الله، إمام دار الهجرة، لا يسأل أحدا إلا الليث بن سعد، لما يجد فيه من الحفاوة والفرح بسؤاله، وإن كان لم يكن يسأله مالا إلا دينا، أنا يسأله دينا، لكن الليث يعطيه ويكثر عليه، وكانوا يتهادون، حتى مرة أن مالكا أعطى الليث، أعطاه تمرا من تمر المدينة، أهدى له، وأنا هو في مصر، فأرسل له من تمر المدينة على طبق، فرد الليث الطبق هذا، ومعه ذهبا، أنا وضع فيه ذهب، ورده إلى مالك، أنا كان كريما جدا وتاجرا، كما قد سمعنا كثيرا عن الليث أنه كانت عنده أموال، لكن كان يخرجها كثيرا، حتى أنه لم تجب عليه زكاة سنة، أنا كثرة أموال، ولا تجب عليه الزكاة، لأنه سرعان ما يخرج هذا، الزكاة، تصدق بها ويكرم بها العلماء وطلبة العلم. قال: «وخير المسألة المسألة عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول». هنا: «وخير المسألة المسألة عن ظهر غنى»، كأن فيها إشكالا، معنى أن هناك المسألة يسأل إنسان عن ظهر غنى، وهو في غنى، وهو في غنى يسأل، وهذا غير صحيح، وظاهر الحديث. وقد يكون هناك معنى، بعض الرواة قلب عليه الحديث، أو جاء بهذه العبارة، والذي جاء في الحديث: أن «خير الصدقة، أو خير الصدقة عن ظهر غنى»، هذا الذي جاء في الأحاديث، مثل حديث أبي هريرة في الصحيحين، لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصدقة، قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى»، تخشى الفقر وتأمل الغنى، أنا عندك مال لكن تخشى أن هذا المال إذا نفد عليك تفتقر، تخشى الفقر وتأمل الغنى، فهذا إذا تصدقت في هذا الوقت، أو أنت حالك كذلك، فهو أفضل الصدقة، أفضل الصدقة. لهذا بعض العلماء يقول: لعل الحديث: «وخير الصدقة صدقة عن ظهر غنى»، أو أن المراد: «وخير المسألة المسألة عن ظهر غنى»، أي أنك تسأل ذا غنى، معنى: إذا سألت وأنت محتاج إلى السؤال، تسأل ذا غنى، معنى إنسان غني، تعلم أنه غني، لا تسأل إنسانا فقيرا، أو أن المراد: «وخير المسألة عن ظهر غنى»، أنك إذا أردت أن تتصدق، فلا تتصدق وأنت ليس معك شيء، أو تخرج هذه الصدقة وأنت في حاجة إليها، خاصة مثلا إذا كان الإنسان عنده من يعوله من أسرته، من زوجته وأبنائه، ثم يخرج هذا المال صدقة، ولا يجعل شيئا لأسرته وأولاده، وأيضا آبائه، وهذا وهذا خطأ، لأن النفقة على الأسرة، على الزوجة وعلى الأولاد، واجبة، والصدقة مستحبة، فلهذا لا يقدم المستحب على الواجب، لا يقدم المستحب على الواجب. وهذا الغالب، لهذا لما أراد أن يتصدق كعب بن مالك بماله كله، قال: «اترك بعض مالك، وهو خير لك». لكن لما قال ذلك الصديق، تركه، قال: «ما تركت لأهلك يا أبا بكر؟» قال: «تركت لهم الله ورسوله». هذا يحصل غالبا إذا كان الإنسان قد فاق التوكل، عنده توكل عظيم، وإلا الأفضل له أن لا يفعل ذلك، الأفضل أن لا يفعل ذلك، يعطي ماله ويجلس بدون مال، لا هو ولا أسرته، بل هؤلاء واجب عليه أن يعطيهم، والصدقة على الأهل أفضل من الصدقة حتى في سبيل الله، كما جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم. طيب. فلهذا فقوله: «وخير المسألة المسألة عن ظهر غنى»، الظاهر إما أنه خطأ، وإما أن يحمل على أن السائل يسأل من كان ذا غنى، لكن هنا قوله: «خير»، أيضا فيه إشكال، إلا إذا كان من باب المقابلة، من باب المقابلة، أنه إذا أراد يسأل، خير له أن يسأل ذا غنى، لا يسأل فقير مثله، ولا يسأل أيضا محتاج مثله. لكن كما قلنا: أن الأحاديث أكثرها جاءت في الصدقة، وليس في المسألة، إما أن يكون انقلب على بعض الرواة، أو كما ذكرنا معناه الذي ذكرنا. قال: «وابدأ بمن تعول». وهذا أيضا يدل على أن هنا ليس المسألة، وإنما هي الصدقة، وقوله: أي النفقة، «وابدأ بمن تعول»، أي أنفق على من تعول، يعني ابدأ أولا بمن تعول، من أولادك، من أسرة، من زوجتك، من آبائك، من إخوانك، فإذا أعطيت النفقة الواجبة، فما فضل تصدق به، أما تتصدق وأنت ما عندك ما تنفق على أهلك، فهذا خطأ. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.