الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 764، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
مرّت رفقة يمنية تشبه هيئة رسول الله ﷺ وأصحابه في حجة الوداع من حيث الرحال وخطم الإبل، وشرح الشيخ معنى الأدم والخطام مبيناً حكمتهما في منع الإبل من الأكل أثناء السير وتسهيل قيادتها مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾.
بين النص أن الله ذلل الإبل للإنسان حتى يقدر الصغار على قيادتها، إلا أنها قد تتوحش فتصير ك الوحوش ورخص النبي ﷺ في قتلها إن فرت، مع ذكر منافعها كصبرها على العطش وكونها وسيلة نقل ولحوم.
يبرز المقطع أهمية مرافقة الصالحين والعلماء في الأسفار للاستفادة من علمهم وصلاحهم، مستشهداً بصحابة النبي ﷺ في حجة الوداع وبحرص العلماء كابن حبان وابن عباس على ملازمة شيوخهم محذراً من رفقاء السوء.
يشير المقطع إلى أن مصاحبة العلماء وملاحظة تعاملهم مع الصعاب تمنح المتعلم خبرة عملية تمكنه من الاقتداء بهم عند مواجهة مواقف مشابهة في المستقبل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام محمد رحمه الله تعالى: حدثنا هاشم، وهاشم هو ابن القاسم بن المنذر الذي يسمى بقيصر، قد ذكرنا ممن سماه بقيصر. قال: حدثنا إسحاق بن سعيد، وهو إسحاق بن سعيد بن عمر بن سعيد بن العاص الأموي، عن أبيه. قال: صدرت مع ابن عمر يوم الصدر، إذ خرج من عرفات. قال: صدرت مع ابن عمر يوم الصدر، فمرت بنا رفقة يمانية، يعني من اليمن أهل اليمن، ورحالهم الأدم، والأدم: الجلود، وخطم إبلهم الخزم، ظهر، يعني ورق الشجر، كذا قال. فقال عبد الله بن عمر: من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت الحج العامرة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ قدموا في حجة الوداع، فلينظر إلى هذه الرفقة. قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح. فهذا الحديث يصف ابن عمر، أو يبين أن هذه الرفقة اليمنية سيرتهم ورحالهم تشبه سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحله عندما حج حجة الوداع. إذ شبه النبي عليه الصلاة والسلام هذه الرفقة برفقة النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل الحج في حجة الوداع، فيقول: من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة بهؤلاء الجماعة الذين دخلوا الحج. وهذا فيه أن هناك من الأمة من كان يتشبه بالنبي عليه الصلاة والسلام حتى في طريقة رحله، وأيضا ما يضعه في الرحل، وكذلك الخطم، خطم إبلهم. الخطام معناه: الذي يوضع في فم الإبل، ويدلل بعد ذلك الزمام. إذ يخطم الإبل بشيء من الجلد أو الورق، ورق الشجر أو غير ذلك، ثم يدلل الزمام حتى يمسك بعد ذلك بالزمام، وإنما يغلق فمه حتى لا يتسنى له أن يأكل. فإنه لو كان فمها مفتوحا فإن فيه أضرارا على هذا السائق، أولا: أنه لا يستطيع أن يمشي به، لأنه كلما رأى شجرة أو غيرها أكل منها. وأيضا الأمر الآخر: أنه قد عرف عن الإبل أنها تتعب، وأنها ممكن أن تتعب هذا السائق الذي يسوقها. فلهذا أخذ العرب ومن بعدهم أنهم يخطمون الإبل، يجعلون في أفواهها شيئا حتى لا تفتح أفواهها، فإما أنها تتعب سائقها وتضره، أو كذلك أيضا أنها تؤخره في السير. أما إذا كان فمها مغلقا فتجد أنها تمشي ولا تلتفت إلى الطعام، وهذا من عادة الإبل حتى الآن. الذين يستخدمون هذه الإبل مثلا في الحرب، أو في المعاصر، يعني في عصر الزيت عندما يعصرون الزيت بالإبل، تجد أنهم يضعون على أفواهها أيضا خرقة يغطون فمها به، لأجل كما قلنا: أنها إذا كان فمها مفتوحا فإنها إذا رأت شجرة فإنها تتأخر عندها لكي تأكل منها، وهذا يؤخر السائق في سيره. فلهذا يخطمون هذه الإبل. والإبل ذللها الله عز وجل مع عظمتها، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾. لو لم يذللها الله عز وجل ما استطاع أحد أن يقرب إليها لقوة جسمها، وأيضا لكبرها. أن لو كانت هذه الإبل كالحيوانات المتوحشة ما استطاع الإنسان أن يتعامل معها، لكن ذللها الله عز وجل للعباد، يأتي الطفل الصغير يستطيع أن يخطم الناقة ويجلسها ويحلبها. وفي بعض الأماكن الذين يربون الإبل تجد أولادا صغارا لا يتجاوز الولد منهم التاسعة، فتجد أنه يخطم الإبل ويسيرها ويقعدها، وكذلك يحلبها، وغير ذلك من الأمور التي يفعلها للإبل. فلو لم يذللها الله لم يستطع الإنسان الكبير فضلا عن الصغير أن يستخدم الإبل. ولهذا الإبل إذا توحشت لا يستطيع الإنسان أن يقف أمامها، إذا توحشت الإبل لا يستطيع الإنسان أن يقف أمامها. ولهذا جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش»، على أنها قد تتوحش فتفترس وتطأ، وأيضا تدوس بأرجلها. ولهذا لما فر بعير، كان الناس يريدون أن يذبحوا بعيرا ففر عليهم، فضربه أحدهم بسهم حتى أوثقه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ذلك، فقال: «إن هذه الإبل لها أوابد كأوابد الوحش، فإذا فعل ذلك فافعلوا به هكذا». أي: يربطوه بسهم، أو مثلا عنده سلاح فيضربه بالرصاص، لأنه ما سيستطيع إذا توحشت الإبل أن يمسكها الإنسان. فلهذا ممكن أنه يرمي عليه بالرصاص، يسمي الله ويرمي عليه، يعني كأنها حيوان وحشي، كشيء من الحيوانات التي تتوحش كالضباع والوعول وغيرها، والضباء وغيرها من هذه الحيوانات التي تعيش في الغابات والفلاة من الأرض، على ما تعيش مع الإنسان. هذه يجوز أن يرميها الإنسان بسهم، برصاص، بغيره، بأي شيء يخزق، فيرميه ويسمي الله، فيكون له حلالا، حتى لو وجده ميتا يكون له حلالا. وهكذا الإبل إذا فرت وتوحشت، فإنه إذا أرادها أمسكها بسهم أو يضربها برصاص حتى يوقفها ويسمي الله على ذلك، وحتى إن وجدها ميتة فإنها حلال. وإن وجدها حيا فإنه يذكيها، إذا وجدها لا تزال حية فالواجب أن يذكيها، يذبحها حتى تحل له. فإن وجدها حية وتركها ولم يذكيها فماتت بعد ذلك فهي ميتة. فلهذا كما قلنا: هذه الإبل مركب عظيم. وأيضا جاء عند أحمد وفي السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن هذه الإبل خلقت من الشياطين». واختلفوا في تفسير هذا الحديث: ما المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: «خلقت من الشياطين»؟ هل أن المراد أنها من نسل الشيطان، أو أنها مخلوقة متوحشة وشريرة مثل الشيطان؟ فقيل هذا وهذا. لكن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر هذا لأجل الوضوء من لحوم الإبل، وأنها خلقت من الشياطين، ولهذا كما قلنا أنها تتوحش ك الوحوش. فلهذا فالإبل كما قلنا: أن الله عز وجل من نعمة الله التي ذكرها الله عز وجل في القرآن وأنعم بها على العباد، وذكر من نعمه عليهم أنه ذلل هذه الحيوانات العظيمة: ﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾. أيضا نعمة أخرى في الإبل: أنها كان العرب يسافرون بها، أن أعظم راحل عندهم هي الإبل، يرحلون بها المسافات العظيمة، لما علم من الإبل أنها صبورة تصبر على العطش. وكما يذكر كثير من العلماء من يهتم بهذا الباب: أن الإبل قد تصبر سبوعا، تشرب شربة ثم تصبر سبوعا بلا ماء، وهذا خاصية في الإبل، وإلا ليس هناك ما يصبر على الماء. الحيوانات إذا لم تجد الماء تموت، بعض الحيوانات في الصحاري تموت بسبب عدم وجود الماء، لكن الإبل جعل الله عز وجل لها قوة تتحمل لأنها تمشي في الصحاري، تتحمل عدم شربها للماء أياما. فلهذا وهذا أيضا كذلك من نعمة الله عز وجل على العباد. وأيضا ما يكون فيها من اللحم ومن غيره، وكل ذلك نعم عظيمة. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾. هنا نكر كلمة «خير»، أي: لكم فيها خيرات كثيرة، لكم فيها خيرات كثيرة، أي هذه البدن. وأيضا في الحديث كما قلنا: حرص ابن عمر رضي الله تعالى عنه على تعليم الناس هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيره، ومن يشبه النبي عليه الصلاة والسلام حتى في رفقته، وفي تقليده، وفي معنى سياق هديه وإبله وهكذا. وأيضا فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام لما حج حجة الوداع كانت معه رفقة لم تفارقه عليه الصلاة والسلام طول حجه، إذ كانت زمرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم رافقوا النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى الحج، وحجوا معه ورجعوا معه، رجعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، رافقوه منذ أن خرج من المدينة إلى الرجوع. وهذا كله لحرصهم على الخير وعلى العلم وعلى مرافقة الصالحين. وهكذا يحرص المرء في خرجاته وفي سفره أن يكون مع الصالحين، لأن السفر من أعظم الأشياء التي قد يفعل الرجل أشياء لا يستطيع أن يفعلها مع رفقة صالحة. ولأن الإنسان أحيانا إذا رأى نفسه غريبا في مكان وعنده قلة مراقبة لله، تجده يفعل أشياء لا تجوز ومن المحرمات، لقلة الرفيق أو لعدم صلاح الرفيق، وقد يكون هذا الرفيق يقوده إلى المعصية والعياذ بالله. لهذا يختار الإنسان في سفره رفقة صالحة، رفقة صالحة يوجهونه ويعلمونه، ويستفيد منهم في سفره. كان العلماء تجد الواحد منهم يسافر مع العالم يستفيد منهم في سفره، يأخذ المعلومات. حتى أن ابن حبان قال: سافرنا مع شيخنا محمد بن خزيمة، ابن حبان تلميذ ابن خزيمة، قال: سافرنا معه سفرة، فما وجدت فرصة إلا آتي وأستفيد منه وأكتب، وأكتب كل شيء يقول، لأنه كان يتكلم في العلم، فلهذا كان يكتب ابن حبان. حتى قال: جاء وقت القيلولة فأراد أن يرتاح، أي هذا إمام أئمة ابن خزيمة أراد أن يرتاح، قال: فجئته وسألته فضجر، فقال: «تنح عني يا بارد، كأنك لا تنفك عني». قال: فكتبتها: «تنح عني يا بارد»، هذه الكلمة كتبها لأجل أن الشيخ ضجر من كثرة الأسئلة، فلم يجعله يرتاح. فأراد أن يرتاح فجاءه يريد أن يكتب، فكانوا يستغلون ذلك. لهذا كان الصحابة، كان ابن عباس يقول: كنت أرافق عمر في خرجاته، يرافق لأجل أن يستفيد منه. قال: حتى خرجت معه في الحج، وكنت آتي له بوضوءه وأسأله، وكنت أردت أن أسأله: من المرأتان اللتان ت... قال: من المرأتان اللتان تمالآ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي ذكرهم الله عز وجل في القرآن: ﴿ إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾. قال: فلم أستطع حتى جئت له بوضوء، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللتان تمالآ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: «ألا تعرف يا ابن عباس؟ هي حفصة وعائشة». ثم قال: فسرد القصة المعروفة، الذي أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساء. فكان أفضل رفقة يمشي بها الإنسان رفقة العلماء، لأنه يستفيد من صلاحهم ويستفيد من علمهم، حتى سيرهم يستفيد منه الإنسان. العلماء تجد حتى سيرهم يستفيد منه الإنسان، يعني: كيف يواجهون المصاعب، كيف يواجهون الناس، كيف يتعاملون مع الناس. فهذا أيضا له باب، وله أيضا فائدة عظيمة للشخص يتربى على أيدي العلماء في معاملاتهم، في تلقيهم الصعاب، فيأخذ خبرة من ذلك. فإذا جاء هذا الوقت فعلى مثل فعلهم. هذا إن شاء الله تعالى ما يذكر به هذا المقام، فنكتفي به، والله تعالى أعلم.