أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 203

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 203

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 203، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تعريف الكهان والعرافين والفرق بينهما

يبيّن المحور أن الكهان من الطواغيت وأولياء الشياطين يسترقون السمع ويكذبون، ويعرّف الكاهن بأنه من يدّعي علم الغيب في المستقبل، والعراف من يخبر عن الماضي، وأن خبرهم لا يخرج عن استراق السمع أو التخمين أو الكذب المحض.

طرق ادعاء علم الغيب وحكم الكاهن الشرعي

يستعرض المحور ثلاث طرق يستخدمها الكهان: استراق السمع من الشياطين، الاستعانة بالجن، والكذب والتخمين، ويقرر كفر من يدعي علم الغيب المختص بالله وحده مستدلاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.

حكم إتيان الكهان وتصديقهم ووسائلهم المحرمة

يؤكد المحور أن إتيان الكهان والعرافين وتصديقهم كفر لنسب علم الغيب لغير الله، ويوضح وسائلهم كخدمة الجن والرمل وضرب الحصى والأبراج، مع التحذير الشديد من الذهاب إليهم أو سؤالهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الحادي والثمانون بعد المئة: ما حكم الكهان؟ قال: الجواب: الكهان من الطواغيت، وهم أولياء الشيطان الذين يوحون إليهم. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121]، ويتنزلون عليهم، ويلقون إليهم الكلمة من السمع فيكذبون معها مئة كذبة، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: 221-223]. وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الوحي: «فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ». الحديث في الصحيح بكماله، وهو في البخاري من حديث أبي هريرة. قال: ومن ذلك الخط بالأرض الذي يسمونه ضرباً رملاً، وكذا الطرق بالحصى ونحوه. هذا السؤال فيه انتقال المؤلف إلى مسألة أخرى من مسائل العقيدة، وما يتعلق بحكم الكهان. والكهان جمع كاهن، والكاهن هو الذي يتعاطى الكهانة، أو الكهانة -يجوز فتح الكاف وكسرها-، والكهانة هو ادعاء علم الغيب. الكهانة هو ادعاء علم الغيب. وكذلك العراف إذا أفرد فيراد به هذا المعنى: ادعاء علم الغيب. فالكاهن والعراف إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا. فإذا ذكر الكاهن وحده فيشمل العراف، وإذا ذكر العراف وحده كذلك دخل على الكاهن، وكله بمعنى ادعاء علم الغيب. أما إذا اجتمع الكاهن والعراف، فالكاهن هو الذي يخبر بالأمور المستقبلة، يتكهن عن أمور ستحدث في المستقبل. مثاله: جاء إنسان وقال له: أريد أن أعرف مستقبلي، ماذا سأكون في المستقبل؟ يقول له: أنت ستكون طبيباً، أو ستكون مهندساً، أو ستكون كذا وكذا. فهذا هو الكاهن يخبر عن أمور مستقبلة. مثال آخر: يقول هذا الكاهن: سيحدث في يوم كذا وكذا حدث، سيموت فلان، أو سيغرق فلان، أو سيحصل كذا وكذا. هذا هو الكاهن يخبر عن أمور مستقبلة. وأما العراف فإنه هو الذي يخبر بالأمور الماضية. فيأتي إليه شخص ويقول له: فقدت مالاً لي في الماضي، فيما مضى، فيقول له: مالك في مكان كذا وكذا. هذا عراف لأنه أخبر عن أمر قد مضى، عن أمر قد مضى. نعم، وما حقيقة هؤلاء الكهان والعرافين؟ حقيقتهم أنهم ما يخبرون به لا يخرج عن ثلاثة أحوال، لا رابعة لها: الحال الأولى: يخبرون عن أمور غيبية عن طريق استراق السمع، كما أشار المؤلف إلى ذلك، فذكر الآية: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. "أفاك" يعني كذاب. "يلقون السمع" يفسره الحديث: فإن هؤلاء الشياطين يحاولون الصعود إلى السماء والاقتراب من موضع إلقاء الأمر من الله. فكما جاء في هذا الحديث: «وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ». جاء في تفسير بعض الرواة: «هَكَذَا بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ»، كل واحد فوق الآخر، كل واحد فوق الآخر، إلى أن يصلوا إلى السماء. فلربما سمعوا الكلمة من الوحي وهي حق، فيختطفون هذه الكلمة، هي كلمة واحدة، لكن يزيدون معها مئة كذبة، مئة كذبة. فهؤلاء الشياطين قد يحظون بشيء من الصدق من الكلمات التي يسمعونها، ولكن هي كلمة واحدة ويزيدون معها مئة كذبة. وهذا الحال الأولى التي بها يعني يأتي هؤلاء الكهان والعرافون بالخبر. الحال الثانية: أن يكون إخباره بالأشياء المغيبة عن طريق إخبار الجن الذين يتجولون، والجن أعطاهم الله عز وجل قدرة على سرعة التنقل والتجول. فلربما هؤلاء الجن هم الذين يرسلهم الكاهن ليسرقوا شيئاً، مع التواطؤ، ومع مثلاً أحد من شياطين الإنس. فيذهب هذا السارق ويأخذ المال، ويطلع الجن على فعله هذا، فيأتي صاحب المال الذي سرق ماله عند هذا الكاهن، ويريد منه أن يخبره عن مكان ماله، أين ماله، من سرقه؟ فيخبره بمكان هذا المال، يقول لك: مالك ستجده في مكان كذا. من الذي أخبر الكاهن؟ الجن. ما هو المقابل؟ كما ذكر المؤلف: المقابل استمتاع. فالجن يحظى من الكاهن أو العراف بالكفر والطاعة، والعراف هذا الإنسي يحظى من الجن بالمال والدنيا. فلذلك يقول له: سأخبرك بمكانه، ولي كذا وكذا من المال. فهو في الحقيقة نصب على أموال الناس عن طريق هؤلاء الجن، عن طريق هؤلاء الجن الذين يتعامل معهم هذا الكاهن أو ذاك العراف. هذه الحالة الثانية التي بها يخبر الكاهن أو العراف عن بعض الأمور الغيبية. والأمر الثالث -وهو الأكثر-: أن يخبر هذا الكاهن بالخبر كذباً من غير أي دليل، ومن غير كذلك استعانة بجني أو نحو ذلك، وإنما هكذا يكذب من أجل أن يأخذ أموال الناس. فهذه الطرق الثلاث التي يستخدمها هؤلاء الكهان أو العرافون في الإخبار: إما عن طريق استراق السمع من الشياطين، وإما عن طريق بث الجن وتنقلهم في الأرض من مكان إلى آخر بالتواطؤ وكذلك الاتفاق مع هذا الكاهن أو ذاك العراف، والأمر الثالث بالتخمين والكذب. يكذبون على الناس ويتجلون عليهم، ويتجلون عليهم. لذلك ذكر المؤلف بعد ذلك حكم هؤلاء الكهان، قال: الكهان من الطواغيت، والطواغيت: كل ما عبد من دون الله. فهم كفار. الكهان والعرافون كفار. ما هو دليل كفرهم؟ دليل كفرهم أنهم يدعون مشاركة الله عز وجل فيما يختص به وهو علم الغيب. وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]. وهؤلاء يقولون: نحن نعلم أين مالك، أو أين غريمك، أو نحو ذلك. فهم يشاركون الله عز وجل فيما يختص به من علم الغيب. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» -هو الذي أنزل على محمد-، مثل هذه الآيات: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]، ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 26]، وإلى غير ذلك من الآيات. هذا وجه من أوجه كفر الكهان والعرافين. وجه آخر: وهو كما تقدم أن الكاهن والعراف لا يصل إلى هذه المرتبة من الضلال والكفر إلا بخدمة الجن، كما قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 128]. فيستمتع الجن بذلكم الكاهن الإنسي بما يكون من طاعة هذا العراف للجن، والعراف للجن، واستجابته لكل ما يطلب منه. كل ما يطلب منه الجن لابد أن يستجيب هذا الكاهن أو ذاك العراف. والأمر الثاني كذلك: استمتاع الإنس بالجن، وذلك بأخذ أموال الناس بالباطل، والاستمتاع في هذه الدنيا. فلذلك حكم العلماء على الكاهن والعراف بأنه كافر، ومن أتاه وصدقه فيلحق به؛ لأنه اعتقد أن هذا الكاهن يعلم الغيب من دون الله سبحانه وتعالى. وأما ما استدل به المؤلف: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121]. نعم، فإن الشياطين أولياء الكهان والعرافين، فهم يوالونهم ويعطونهم بعض الكلمات التي يتلقونها من أجل الاستمتاع بهم. وهكذا تتنزل هذه الشياطين بعد استراق السمع إلى هؤلاء الكهان والعرافين. ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221-222]. السحرة والكهان والعرافون أفاكون وآثمون، فالشياطين هم الذين يلقون إليهم هذا الشرك وهذا الكفر، والعياذ بالله. وأما قوله: "ومن ذلك الخط بالأرض الذي يسمونه ضرب رمل"، يعني: من الكهانة ومن أعمال الكهانة ما يعمله هؤلاء العرافون من وسائل يدعون بها علم الغيب. فيعملون خطوطاً بأشكال معينة وبمسافات معينة، يدعون أنهم بهذا العمل يصلون إلى شيء من علم الغيب، من علم الغيب. أو كذلك الطرق بالحصى: يأتون بحصى ويطرقونه طرقاً، ثم لربما رموا به أو بعثروا به، فيزعمون أن هذا الحجر إذا وقع في مكان معين فيستدلون به على أمر ما. يسمونه عندنا هنا "الرمل"، "ضرب الرمل"، كما ذكر المؤلف. كما ذكر المؤلف، فهؤلاء لهم هذه الوسائل التي يزعمون أن بها يصلون إلى شيء من علم الغيب. فهذا أيضاً من ذلك. ومن ذلك أيضاً ما انتشر في هذه الأزمنة الأخيرة، في آخر الجرائد، مما يسمونه بـ "علم الأبراج"، بـ "علم الأبراج". فيجعلون بعض الأبراج، فيسألون عن عمر من أراد معرفة مستقبله: هل مستقبل خير أو شر؟ فيقولون لك: في أي برج ولدت؟ تقول لهم: ولدت في برج كذا وكذا، في سن كذا وكذا. فيقول لك: حظك طيب، أنت مستقبلك سيكون على خير. وذاك يقولون له: أنت حظك سيئة، مستقبلك سيكون مستقبل شر وسيئة. أعوذ بالله. هذا هو العرافة بعينها، هذه هي الكهانة بعينها. ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]. فالحذر الحذر من جميع وسائل وكذلك جميع أعمال هؤلاء الكهان والعرافين، والحذر الحذر من الذهاب إليهم أو سؤالهم، وما يتبع ذلك. وسيأتي في السؤال الذي بعده حكم من صدق الكاهن بأدلته، إن شاء الله. نكتفي بهذا اليوم، إلهنا، والله تعالى شكراً.