باب المراقبة من رياض الصالحين 12

باب المراقبة من رياض الصالحين 12

الدرس في باب المراقبة من رياض الصالحين 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث «الكيس من دان نفسه» ووجوب محاسبة النفس

يستهل الدرس بشرح حديث «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» مبيناً أن سنده ضعيف لكن معناه صحيح، وأن الكيس هو الحازم الذي يحاسب نفسه على الطاعات والمعاصي. ويؤكد أن محاسبة النفس واجبة شرعاً استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، ثمرتها ترك المحرمات والحرص على الطاعات.

ثمار محاسبة النفس: التوبة والعمل للآخرة ووصف الكيس الحقيقي

تؤدي محاسبة النفس إلى التوبة والندم والعهد بعدم العودة للذنوب، وهو معنى «الكيس» الذي حث عليه عمر بن الخطاب. الكيس الحقيقي من يعمل للآخرة ويجعل الدنيا معبراً لها لا غاية، محافظاً على الطاعات مجتنباً المحرمات، غير متعلق بالدنيا ولا مستغرقاً فيها.

العاجز التابع لهواه مقابل المؤمن المستعد للقاء الله

يصف الحديث العاجز بأنه من يتبع شهوات نفسه ويرتكب المعاصي معتمداً على أماني كاذبة بأن الله سيغفر له لاحقاً، بينما يحث المسلم على استغلال الصحة والفراغ والغنى في طاعة الله والاستعداد للقاءه في كل لحظة. ويؤكد الحسن البصري أن الإيمان ليس تمنياً ولا تحلياً بل ما وقر في القلب وصدقه العمل.

اغتنام الخمس قبل الخمس: استغلال النعم ومحاسبة النفس

يستعرض المقطع حديث «اغتنم خمساً قبل خمس» الذي يحث على استغلال الصحة، الحياة، الغنى، العمر وسائر النعم قبل زوالها، مؤكداً على مراقبة الله، محاسبة النفس، الإقبال على الآخرة، والتحذير من الاغترار بالدنيا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين، وفي باب المراقبة، الحديث السابع: عن أبي الأعلى الشداد ابن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله». رواه الترمذي وقال: حديث حسن. قال الترمذي وغيره من العلماء: معنى «دان نفسه» حاسبها. هذا الحديث من حيث الصناعة الحديثية حديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد ضعفه العلامة الألباني في ضعيف الجامع، ولكن معناه لا شك أنه صحيح. لكن المعنى الصحيح للحديث لا يعني صحة الحديث من حيث السند، لأنه لا يجوز نسبة شيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله ولم يصح عنه عليه الصلاة والسلام. فالمعنى لا شك أنه صحيح، ومعنى الكيس: الكيس هو الرجل الحازم، الكيس هو الرجل الحازم الذي يغتنم الفرص ويتخذ لنفسه الحيطة حتى لا تفوت عليه الأيام والليالي فيضيع أوقاته وعمره فيما لا ينفع، فهذا هو الكيس. فيقول في هذا الحديث: معنى هذا الحديث «الكيس من دان نفسه»، ومعنى «من دان نفسه» أي من حاسبها ونظر ماذا فعل من المأمورات وماذا ترك من المنهيات. يستعيد ذكريات يومه، الآن أنت منذ أن استيقظت من الصباح الباكر، أتيت في الليل تريد أن تنام، هذا اليوم من الصباح إلى المساء إلى وقت النوم، اعرض ساعاتك هذا اليوم على نفسك واعرضها كالشريط أمامك: ماذا فعلت؟ هل ضيعت عليك شيء من الصلوات؟ هل نظرت إلى شيء من المحرمات؟ هل زللت بكلمة فيها غيبة أو نميمة؟ فإن وقعت في شيء من هذه المنهيات ومن هذه المحرمات فحاسب نفسك. ومن دان نفسه والمحاسبة قد أمر الله عز وجل بها في كتابه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]، أي ما قدمت ليوم القيامة، ماذا قدمت لذلك اليوم العظيم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين؟ هل قدمت الأعمال الصالحة؟ هل تجنبت الأعمال السيئة؟ هذه المحاسبة، ومن ثمرات هذه المحاسبة أن الإنسان إذا رأى من نفسه انتهاكا لمحرم أقلع عنه، وفي اليوم التالي - يعني في اليوم التالي - تحذر من هذا المحرم فلم تأته مرة أخرى، لم تأته مرة أخرى. هذا من ثمرات المحاسبة. وكذلك من ثمرات المحاسبة التوبة والندم والاستغفار، فإذا علم العبد عندما يحاسب نفسه أنه وقع في التفريط، وقع في الذنوب، لا شك أن هذا يدفعه إلى أن يتوب إلى الله وأن يعاهد الله عز وجل أن لا يعود إلى هذه الذنوب وإلى هذا التفريط. فهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ودان من دان نفسه»، هذا هو الكيس، هذا هو الكيس. يقول عمر بن الخطاب: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية». كلام فيه دعوة للمسلمين للمحاسبة، محاسبة النفس، فهذا هو الكيس، هذا هو العاقل، هذا هو الحازم الذي يحاسب نفسه. وكذلك من صفات هذا الكيس: «وعمل لما بعد الموت»، يعني عمل للآخرة، لأن ما بعد الموت من الآخرة، فمن مات فقد دخل في أول مراحل الآخرة، في أول مراحل الآخرة. لأن هذه الدنيا ليست بدار مستقر حتى يعمل لها الإنسان. الآن حالنا في هذه الأيام أننا نعمل لدنيانا، نعمل لدنيانا: هل معنا بيت؟ نفكر في بناء بيت، وبيت يعني على أكمل وعلى كذلك أحسن ما يكون. هل معي سيارة؟ هل معي رصيد في البنك؟ هل معي كذا وكذا من الأموال، من الأرصدة، من كذا وكذا؟ فالدنيا أخذت أوقاتنا، لماذا؟ لأننا عملنا لها. فلو عملنا للآخرة لزهدنا في هذه الدنيا، ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها، فجد لما خلقت، الجد والاجتهاد والنصب والتعب ينبغي أن يكون لما بعد الموت، يكون لما بعد الموت. فهذا هو الكيس: أنه يعمل لما بعد الموت، يعمل لآخرته، يحافظ على المأمورات ويجتنب المحرمات، ويقبل على طاعة الله عز وجل، ويجعل الآخرة همه، وأما الدنيا فيتبلغ منها. ليس معنى أنك تترك الدنيا بالكلية فلا يكون لك بيت، ولا يكون لك يعني سيارة، أو يكون لك يعني مال تتبلغ به في أمر آخرتك، لا. المراد أنك لا تتعلق بهذه الدنيا، لا تكون هي أكبر همك وهي مبلغ علمك. يقول القائل في تلك الأبيات الطيبة التي فيها هذا المعنى، التي فيها هذا المعنى وهو أن يكون الإنسان عاقلا ولا يغتر بهذه الدنيا: «إن لله عبادا فطنا *** طلقوا الدنيا وخافوا الفتن نظروا فيها فلما علموا *** أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا *** صالح الأعمال فيها سفنا» هؤلاء هم العقلاء، هؤلاء هم الأكياس، هؤلاء هم أولو الألباب، الذي جعل الدنيا معبرا إلى الآخرة، لجة يدخلها فقط من أجل أن يتبلغ بها إلى الآخرة، جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا. فهذا هو الكيس، هذا هو العاقل. وقال عليه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «والعاجز» الذي هو ضد الكيس «من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله» الأماني، أو «تمنى على الله». فهذا هو العاجز الذي يتبع هواه، فيفرط في الأوامر بسبب هذه النفس التي اشتهت الدنيا وما فيها من ملذات، من حرام أو من حلال، فاتبع هذا العاجز هواه، وتمنى على الله، أي يعصي ويرتكب المعاصي ويقول: الله غفور رحيم، الله سيغفر لي، سوف أتوب، يتمنى بعد كم يوم، إذا صرت كبيرا في السن سأتوب وأرجع إلى الله، في المستقبل وسوف أصلح من حالي إذا كبرت، وما أشبه هذا من تلك الأماني الكاذبة. هل تضمن أنك تعيش إلى بعد دقائق؟ ما تستطيع أن تضمن ذلك. كم من إنسان صحيح ما به شيء، قالوا: مات، نام فلم يقم، خرج من المسجد فسقط فمات، خرج من بيته فانقلب بسيارته فمات. الموت في هذه الأزمان تعددت أسبابه وكثرت، لوجود هذه الوسائل الحديثة، لتغير كذلك المأكلات والمشروبات وأشياء، فزادت الأمراض وزادت يعني الآلام ونحو ذلك. فلذلك ينبغي للمسلم أن لا يتبع نفسه هواها، وأن يستعد للموت في كل لحظة، في كل لحظة يستعد للقاء الله سبحانه وتعالى. محمد بن واسع أحد الأئمة، قيل في ترجمته أنه إذا قيل له: سيأتيك الموت غدا، لم يستطع أن يزيد شيئا من الأعمال الصالحة. الآن ربما لو واحد منا قيل: غدا ستموت، ربما ما سينام الليل، صح، سيتعبد، يصلي، يذكر الله، يتزود. هذا محمد بن واسع، قيل: لو قيل له غدا ستموت ما زاد شيء من العمل، لأنه كل يوم وهو يتوقع هذا الموت، كل يوم وهو يستعد لهذا الموت. فهكذا ينبغي للعاقل أن يستعد للقاء الله سبحانه وتعالى. يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل». هذا هو الإيمان، ليس بالتمني. أن بعض يقول لك: الإيمان في القلب. طيب، الإيمان في القلب لابد أن يتبعه عمل. لو كنت حقا مؤمنا صادقا في إيمانك لعملت الجوارح بمقتضى هذا الإيمان، فبادرت وأسرعت إلى طاعة الله، إلى أداء الواجبات، إلى ترك المحرمات. هذه دلائل الإيمان، هذه دلائل الإيمان. الإيمان بضع وستون شعبة، وفعلها قول وعمل، إلى الله وإذن ما تستصعب عن الطريق والحياة، شعبة من الإيمان. فالإيمان عبارة عن أعمال قلبية، أعمال قولية، أعمال عملية بالجوارح. فلذلك لا يتمنى الإنسان على الله الأماني، فلينبغي عليه أن يعمل وأن يسارع ويبادر إلى طاعة الله سبحانه وتعالى. إذن هذا الحديث معناه فيه الحث على انتهاز الفرص: إذا كنت صحيحا، كنت غنيا، كنت متفرغا، استغل هذه النعم في طاعة الله، انتهز هذه الفرصة، غدا ربما ما ستدركها. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسا قبل خمس»: ذكر الصحة، ذكر الحياة، ذكر الغنى، ذكر كذلك العمر، ونحو ذلك من هذه النعم الكثيرة. فهذا الحديث معناه فيه أن الإنسان يراقب الله سبحانه وتعالى، ويحاسب نفسه، ويقبل على الآخرة، ويحذر من الاغترار، ويحاسب ويحاسب ويحاسب من العالم، ويحاسب حالي، ويحاسب المترجم حالي، ويحاسب موسيقى